السبت، مايو 29، 2010

الإسلام هو الحل.. فما الإسلام؟ وكيف يكون الحل؟

المرشد العام يكتب: الإسلام هو الحل.. فما الإسلام؟ وكيف يكون الحل؟

شعارٌ وفَّقنا الله لحمل أمانته، وهي ثقيلة كرمز جامع مانع أثناء الحملة الانتخابية، وهو يعبِّر عن مشروعنا أدق تعبير؛ ولكنه يحتاج إلى تفصيل لما أجمله وشروح لما تضمنه..
وابتداءً.. يجب تحرير المصطلح كما يقول العلماء؛ فما الإسلام الذي هو الحل؟
سؤال قد يبدو غريبًا حتى على المسلمين أنفسهم، ولكن اعذرونا، فقد هُوجمنا بأسئلة أبسط ما يُقال عنها إنها عدم فهم لهذا الدين الرباني الشامل؛ لذلك احتاج النهار إلى دليل.
الإسلام: ليس منهجًا بشريًّا، ولكنه منهج رباني أنزله مَنْ خلق النفس البشرية، ويعلم ما يصلح لها وما يصلحها ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)﴾ (الملك).. وأستدرك فأقول: إن المقدس فيه هو العقيدة وأصول الشريعة والأخلاق والمعاملات.. أما الفروع فهي تسمح بتعدد الآراء والاجتهادات، بل والنيات حسب الظروف والأحوال الخاصة والعامة، وترحب بالصالح النافع من كل مصدر إسلامي أو غير إسلامي "الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها" كما قال صلى الله عليه وسلم، كذلك لا توجد قداسة أو عصمة لبشر مهما بلغت درجته في المسئولية الدينية أو الحكومية أو الرئاسية، وليس معنى الإسلام هو الحل أن نخلط الفروع بالأصول والثوابت بالمتغيرات "نثبت المتغير فيحدث الجمود " أو "تغير الثابت فيحدث التحلل من القواعد والقيم"، وهذا أكثر ما وقع فيه بعض الجماعات قديمًا وكثير من الإعلاميين والصحفيين حديثًا.
وقد أوجزها وأجملها- وما أجملها- كلمة قالها الصحابي الجليل الحباب بن المنذر رضي الله عنه لمن هو خير مني ومنك ومن كل الرؤساء والزعماء والقادة (أهو منزل أنزلكه الله؟!) أي ثابت من الثوابت ليس مجالاً للرأي؟ (أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟) أي متغير من المتغيرات يسمح فيه بالاجتهاد والاقتراح حسب ضوابط الأصول؛ فقال صلى الله عليه وسلم: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة"، أي شجعه على إبداء الرأي الذي هو فعلاً قد جهَّزه وجاء به- وهذه إيجابية ذاتية رائعة- وأذن ووافق على التعديل والتغيير ليكتمل التشريع بالتطبيق، وأمر بتنفيذه فورًا، وكان بفضل الله أحد أسباب النصر في غزوة بدر الكبرى.
والذين يدَّعون بأن حكمَ الإسلام حكمُ حكومة دينية، كلام وزرائها مقدس، لا يقبلون نصيحة، ويرفعون في وجه كل مخالف لهم في الرأي سيفًا معنويًّا بأن كلامنا بالآية والحديث أي لا نقبل نصيحة ولا توجيهًا.. هؤلاء مخطئون أو متعمدون لا يخوِّفون غير المسلمين بل المسلمين أنفسهم؛ عن التحاكم لشرع الله الذي قال عنه رب العزة: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)﴾ (النساء).
هؤلاء قال الله عز وجل عنهم: ﴿أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّـهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50)﴾ (النور)، أما الاجتهاد البشري فصوابٌ يحتمل الخطأ، أو حتى خطأ يحتمل الصواب.
زاوية عدم الفهم الثانية عن الإسلام، فهي أنه كلما ذكر الحكم بالإسلام كمنهاج حياة يشمل مظاهر الحياة جميعًا؛ تبادر إلى الذهن من كثرة التشويه المتعمد والتطبيق الخاطئ أنه دين الحدود وقطع يد السارق ورجم الزاني.. أليس هذا هو فهم الشريعة الإسلامية؟! ويعلم الله أنه لفهم قاصر ظالم لدين أنزله الله رحمة للعالمين، أي لكل الكائنات للإنس مؤمنهم وغير مؤمنهم، وللجن مؤمنهم وغير مؤمنهم؛ رحمةً للحيوانات وللطيور والنبات بل والجماد.
فإن الشريعة الغراء السمحة هي التي تقضي أول ما تقضي بتربية الإنسان على قيم وفضائل ثابتة، لا تخضع للأهواء ولا للأزمنة ولا للأمكنة.. وعندما يوجد الإنسان الصالح توجد معه كل أسباب النجاح، وأول قيم بناء الإنسان عبوديته لله (ولله وحده)، وتحريره من كل عبودية لغير الله، فلا يخاف إلا الله فينطلق في الكون يعمِّره ولا يخربه، يصلحه ولا يفسده.
ويكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سياجَ المجتمع كله؛ لحماية هذا الإنسان من نفسه وشيطانه، ومن هنا يبدأ الانتماء للمجتمع الذي يحرص على أبنائه ويحرص أبناؤه عليه.
اسمع قول الله عز وجل: ﴿وَاللَّـهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّـهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا (28)﴾ (النساء).
أليست هي الشرعية التي خاطبت الأسرى من الكفار ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ اللَّـهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (70)﴾ (الأنفال).
أليست هي الشريعة التي تفرض على ثلاثة رأوا رجلاً وامرأة يزنيان رأي العين أن يستروا عليهما، وإذا تحدثوا بذلك عُوقبوا هم؟!!
أليست هي الشريعة التي قررت حرمة النفس البشرية وحرمة المال وحرمة العقل وحرمة العرض، وانظروا إلى أهمية الحرمة، أي أن هذا تحريم إلهي، ليس قرارًا بشريًّا بحماية أو بصيانة هذه الحقوق للغير، وهذا المناخ الإسلامي الطاهر سيعيش فيه، ويتمتع به كل من يستظل بظله، كما حدث بشهادة حتى غير المسلمين.
لقد عاش المسلمون والنصارى بل واليهود (الذين نعاني ويعاني إخواننا المسلمون منهم كل هذه المعاناة)، عاشوا في كنف عدل ورحمة الإسلام، وما زالت إحدى عشرة آية في القرآن تبرِّئ يهوديًّا مظلومًا، وتتهم مسلمًا ظالمًا؛ نتعبد بها إلى يوم القيامة.
وبعد ذلك تأتي الحدود التي وضعها تشريع الله لنا لعلاج حالات الانحراف الفردية؛ لأن البشر ليسوا ملائكة، ولقد حدث في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه ما يستوجب إقامة الحدود، ولكن من نفوس لوامة رجاعة إذا أخطأت اعترفت، فما احتاجت لكل هذه الرقابة الأمنية التي لا تجدي، بل إلى رقابة الضمير وتأنيبه؛ فجاءت هي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتطلب التطهير، وانظروا إلى قول السيدة عائشة رضي الله عنها: "كان أول ما نزل من القرآن أن ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى ربهم نزلت آيات الحلال والحرام، ولو كان أول ما نزل من القرآن لا تقربوا الزنا لقال الناس لا ندع الزنا أبدًا".
وقضية ثالثة: أَعْتبرُها أمَّ المشكلات التي يعاني منها المجتمع وحلها هو الحل الجذري الناجع بإذن الله؛ ألا وهي اختيار القيادات، فهي ليست عملاً سياسيًّا ولا سياديًّا، ولكنها عبادة نتدرب عليها في المسجد عندما نتعلم صلاة الجماعة لاختيار الإمام وأولي الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا تدريب المجتمع كله على اختيار القيادات الصالحة؛ لأننا باختيارنا لها نستجلب رحمات الله علينا وعليها ونضيف صلاحها إلى صلاحنا.. أما إذا حدث العكس كما حدث ويحدث فستجلب هذه العناصر الفاسدة من هم على شاكلتها، فالطيور على أشكالها تقع، ويصبح الفساد ليس ظاهرة أخلاقية فردية، ولكنه عمل منظم تقوم به هياكل من أصحاب المصالح تحرص على بقاء الفساد؛ لأنها منتفعة به، وتحرص على انتشاره ورواجه ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (النور: من الآية 19)؛ حتى لا يكونوا هم وحدهم الشواذ الغريبين في المجتمع، وهذا أسوأ صور الفساد من لوبي الفساد المنظم من أصحاب المصالح، وفي هذا الصدد حديث جامع شديد التحذير من رسول الله صلى الله عليه وسلم "من استعمل على قوم رجلاً وهو يعلم أن فيهم من هو أرضى لله منه؛ فقد خان الله ورسوله وأمانة المسلمين"، وهذه تعتبر خيانة عظمى بمفهوم العصر الحديث.
وقد قال الخليفة الملهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي وضع قواعد الإدارة العامة والمتابعة، كما لم تُوضع من قبل ولا من بعد أسس لها: "أرأيتم لو أني عمدت إلى خيركم فوليته عليكم أكنت قد أديت ما عليّ؟ قالوا نعم يا أمير المؤمنين.. قال لا والله حتى أنظر ماذا يصنع..."!!!.
ويكفي أن نعلم أن واحدًا فقط من هؤلاء المفسدين المحميين بلوبي الفساد هرب بعد أن سرق مليارًا من الجنيهات بضمانات شفهية، وتمَّ التستر عليه بعد هروبه وحتى الآن من هذا اللوبي صاحب المصلحة، فكم يعالج هذا المليار من المشكلات ويحل من الأزمات؟ وأيضًا بدلاً من أن ننفق المليارات على علاج الفشلَيْن- الذين انضموا إلى مجموعات الفشل- الكبدي والكلوي والسرطانات المستعصية على العلاج، ألم يكن الأولى والأجدى أن نمنع وصول هذا المفسد الذي تولى وسعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد؟! لأن درهم وقاية خير من قنطار علاج، وقد تمت عشرات الإنذارات وبحت آلاف الأصوات المحذرة من ذلك "فلم تستبينوا النصح إلا ضحى الغد"، وهذا الدرس المؤلم يجعلنا ننتبه ونقف صفًّا واحدًا لإبعاد باقي الفاسدين المفسدين "فنحن وهم في سفينة واحدة يريدون أن يغرقوها"، وإلا فسنظل ننفق المليارات على علاج آثار فسادهم وإفسادهم بلا جدوى.
وفي المقابل ألم يُمنع أهل الصلاح من تولي المسئوليات التربوية، وتم إحالة عشرات الآلاف منهم إلى أعمال إدارية، وأصدرت المحاكم آلاف الأحكام لبطلان قرارات إحالتهم هذه، وحرمان أبنائنا من تربية أهل الصلاح.. ألم يُحبس شباب الجماعات الإسلامية ظلمًا وعدوانًا بلا جريرة، وصدرت لهم عشرات بل مئات أحكام الإفراج ولم تُنفذ، ولم تحترم أحكام القضاء؟! ولعن الله قومًا ضاع الحق بينهم، بل مات منهم العشرات في السجون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل نفس مؤمنة"؛ مصداقًا لقول الله عز وجل: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: من الآية 32).
ألم تُصدر مشروعات اجتماعية واقتصادية كانت تساهم في حل الكثير من مشكلات البطالة وأمراض المجتمع بجهود ذاتية تطوعية ابتغاء مرضاة الله، بحجة أن أصحابها من الإخوان المسلمين؛ ما دفع الكثيرين من أهل الخير والصلاح أن يحجموا عن إنشاء مثل هذه المشروعات الخيرية فتفاقمت المشاكل.. افتحوا أبواب الحرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية، حسب ضوابط ثوابتنا الأصيلة، يحمل الناس معك هموم ومشاكل الوطن والمواطن.
بقيت نقطة أخيرة تساءل بها الكثيرون بحسن نية أو بغيرها، وهي نقطة الخلافات الفقهية وأي إسلام تريدون تطبيقه، وقد تعددت الأشكال والفتاوى، واختار الناس أين الصواب وأين الخطأ، بل أين الحق وأين الباطل؟!
والحل سهل إذا خلصت النيات، ولزم كل واحد حدوده، وسألنا أهل الذكر إن كنا لا نعلم، إن عودة أوقاف الأزهر بل والأوقاف الإسلامية عامة حلٌّ جذريٌّ لتحرير الأزهر وعلمائه، وعدم تبديل وصية المسلمين الذين أوقفوا هذه الأوقاف ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّـهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181)﴾ (البقرة)، يتحرر علماء الزهر، خاصة المسئولين منهم؛ من سلطان الدولة والوظيفة والراتب، وتُختار قيادته بالانتخاب من أهل العلم والورع والتقوى، وهم بفضل الله في مصر كثيرون، ويضم إليهم لجنة من إخوانهم المشهود لهم في باقي الدول الإسلامية، وتُعرض عليهم القضايا الخلافية والمستجدات التي تحتاج إلى اجتهاد، ويجعلون أمرهم وأمر أمتهم شورى بينهم، ويتفقون على الاختيار الفقهي الأصوب، أو يفتحون باب الاختيار لتعدد الصواب؛ عندها نسمع قول الله عز وجل ودعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد تلاوة الآية يتردَّد في أسماع الدنيا ﴿قُلِ اللَّـهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46)﴾ (الزمر)، (اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)...
أما قضية عالمية الإسلام، وكونها حلاًّ لهوان الأمة العربية والإسلامية، فكما أعزها الله به قديمًا فلن يعزها حديثًا إلا به ولهذا لقاء آخر.. جعلنا الله وإياكم هداة مهديين، وولَّى أمورنا خيارنا، وفتح بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين... آمين.
ـــــــــــــــــــــ
المرشد العام للإخوان المسلمين













الجمعة، مايو 28، 2010

وقفة مع المكان والمكانة والمسمى

وقفة مع المكان والمكانة والمسمى


محمد أبو مليح *







تحتل القدس مكانة مرموقة عند كل أصحاب الديانات، فهي عند المسلمين أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى النبي عليه الصلاة والسلام، وهي عند النصارى مهد المسيح ومكان مولده، وهي عند اليهود المكان الذي عاش فيه ملكهم وبني فيه هيكلهم، وإليها سيعود المسيح حتى يقودهم إلى سيادة العالم– على حد زعمهم – وهي في نفس الوقت ذات طبيعة تجعل كل من يريد ملكا ومالاً يطمع فيها. وهذه إطلالة على مكان ومكانة ومسمى المدينة المقدسة.







أولا : الموقع والمساحة



تقع القدس على خط عرض 31.52 درجة شمالاً، وعلى خط طول 35.13 درجة شرق غرينتش، وتقع على هضبة ممتدة جنوب السلسلة الجبلية الفلسطينية على ارتفاع 750 مترًا فوق سطح البحر المتوسط وتبعد عنه 33 ميلاً، وعلى ارتفاع 1150 مترًا فوق سطح البحر الميت وتبعد عنه 15 ميلاً، وتنحصر المدينة بين تلين مستطيلين يسيران متوازيين من الشمال إلى الجنوب وسط هضبة اليهودية الوسطى، ولها أربع قمم أولها في الشمال الغربي وتسمة قمة أكرا وارتفاعها 790م، والغربية صهيون 777م، وفي الشرق قمة سوريا 744م أما في الشمال الشرقي فتقع صخرة بزيتا، وهي استمرار للتل الشرقي نحول الشمال.



وأثر هذا الموقع على مناخ مدينة القدس حيث يكثر المطر في أكتوبر وحتى مايو، ويندر بين سبتمبر ويونيو، ومتوسطه السنوي 25.5 بوصة، وبالقدس 18 مرصدًا لتسجيل الأمطار، وكثيرًا ما يتساقط الجليد من ديسمبر حتى مارس، ويندر في أبريل، ويتكون بكثرة في يناير ليلاً، لكنه يذوب نهارًا، والمدى الحراري من 25 ـ 102ف، ومتوسط درجة الحرارة في يوليو (الصيف) 77 ف وفي يناير 43 ف، ومدى الرطوبة الجوية كبير وفي الربيع والخريف تهب رياح السيردكو، التي تنفذ للمدينة المقدسة من الفتحة الجنوبية الشرقية آتية من صحراء موآب في الجنوب، وتسود الرياح الشمالية الغربية الجافة. لكن نسيم البحر يجلب معه الرطوبة إليها.



وقدرت مساحة المدينة سنة 1945 بحوالي 19 كيلو مترًا مربعًا.



وكان العرب يمتلكون منها قبل ـ 1948م ـ 88.5% من المساحة الكلية للمدينة، واليهود 11.5% فقط من القدس القديمة، وفي المدينة الجديدة كان للعرب 53.8% من المساحة ولليهود 26.1% وللحكومة الإنجليزية 2.9% ونسبة 17.1% طرق وميادين عامة وسكك حديدية.







ثانيًا : مكانة القدس



لم تحظ مدينة من المدن ولا مصر من الأمصار في العالم كله بما حظيت به مدينة القدس من المكانة العالية في نفوس كل أجناس البشر، فهي مدينة جمعت آثارًا مقدسة منذ أربعة آلاف سنة، وهذه الآثار كان لكل جنس من الأجناس حكاية مع أثر أو أكثر منها.



وتتناول في عجالة مكانة القدس عند كل من المسيحيين واليهود ثم عند المسلمين.







أولاً ـ عند المسيحيين:



للقدس مكانة مرموقة عند المسيحيين، فهي المكان الذي يحجون إليه، وبها ولد السيد المسيح، ولهم بها ارتباط روحي عال جدًا فقد عاش المسيحيون فيها منذ قرون عديدة تعود إلى زمن السيد المسيح فعندهم ما يسمى بدرب الآلام وهو مقدس عند كل الطوائف المسيحية لاعتقادهم أن السيد المسيح قد صار فيه حاملا صليبه عندما اقتاده الجنود الرومان لصلبه تنفيذًا لأوامر الوالي الروماني بيلاطس.



ويقودل د. ميخائيل مكسي إسكندر في كتابه (القدس وبيت لحم) .. دراسة جغرافية وتاريخية وأثرية يقول : (وقد تعرضوا ـ أي المسيحيين للمتاعب الكثيرة هناك ولا سيما من اليهود ومن غيرهم، وقد اغتصب الصليبيون - في الغزو الأوروبي لبيت المقدس – أملاك المسيحين العرب وكنائسهم، إلى أن أرجعها لهم القائد العربي صلاح الدين الأيوبي، الذي وثق في أمانتهم وأعطاهم دير السلطان، وكانت شئونهم الروحية تدار بمعرفة المطرانية السريانية، إلى أن تم رسامة أول مطران قبطي للقدس وتخومها سنة 1236م).







ومن ممتلكات الأقباط بالقدس :



1 ـ دير السلطان وبه كنيستا الملاك، والأربعة كائنات الروحية الغير متجسدة.



2 ـ دير أنبا أنطونيوس، شمال شرقي كنيسة القيامة، وبه كنيستان باسم القديسين أنطونيوس وهيلانة.



3 ـ دير مارجرجس بحارة الموارنة قرب باب الخليل.



4 ـ خان الأقباط للحج منذ عام 1829 في حارة النصارى.



5 ـ كنيسة العذراء بالجثيمانية (بجبل الزيتون).



6 ـ هيكل على جبل الزيتون.



7 ـ كنيسة باسم ماريوحنا، خارج كنيسة القيامة.



8 ـ هيكل باسم الملاك ميخائيل ملاصق للقبر المقدس من الغرب.



هذه الأملاك في مدينة القدس فقط وتوجد لهم أملاك أخرى خارج المدينة ليس هنا مكان ذكرها لالتزامنا بمنهج الدراسة.







ثانيا : عند اليهود :



ينقسم اليهود في مشاعرهم تجاه القدس إلى قسمين: الأول منهما يرى أنها مدينة عادية، بل ويمكن الاستغناء عنها بأخرى ومن هؤلاء زعيم الصهيونية نفسه تيودر هرتزل، حيث من الثابت أنه قبل اقتراح السياسي البريطاني الكبير (تشمبولين) في إعطاء اليهود وطنا قوميا في أوغنده بوسط إفريقيا، لولا أن غلاة الصهيونية ثاروا عليه، بل واعتدوا على مساعده (ماكس نوارداو) بالرصاص، واتهموا هرتزل نفسه بالخيانة لولا أنه تراجع تماما عن موقفه فتراجعوا هم أيضا.



الفريق الآخر هم الغلاة منهم وهم يرفعون دائمًا أصواتهم ويترنمون بنص من المزامير (مزمور 137/605) والذي يقول : (إن نسيتك يا أورشليم فلتشل يميني، وليلتصق لساني بحنكي إن لم أذكرك، إن لم أرفع أورشليم على قمة ابتهاجي).



ولكن ومع ذلك فإن الجانبين لا مانع لديهم نهائيا أن يعتدوا على المدينة المقدسة بل يعتبرون القتل والذبح والتدمير فيها قربة إلى الله.







وأما أهم مقدسات اليهود في القدس :



فمن الثابت أنه ليس لليهود بالقدس سوى بعض الكُنس (مفردها كنيس) وهي حديثة البناء نسبيًا، وكذلك بعض القبور.



ويرجع تاريخ بناء أول كنيس إلى القرن الثامن عشر الميلادي، وجميعها يقع في الحي اليهودي بالقدس القديمة، وهو الحي المعروف بحارة اليهود، ومنها، قدس الأقداس، طبرت إسرائيل، توماتوراة، بيت إيل، مدراش، طابية، مزغاب لاوخ)).



ولليهود مقبرة خاصة بهم فيها أربعة قبور مميزة وهي : قبر النبي زكريا، وقبر يعقوب، وقبر أبشالوم، وقبر يهوشافاط.



أما بالنسبة لحائط المبكى الذي يقدسه اليهود، فالاعتقاد السائد الخارجي عندهم أنه البقية الباقية من سور أورشليم القديم، وأنه الحائط الخارجي للمعبد الذي رجمه هيردوس (18ق.م)، ودمر جانبًا منه تيطس (70م)، وأتى على ما تبقى منه هدرياتوس (135م)، ويقوم اليهود بزيارته وتقبيله وقراءة بعض النصوص التوراتية والتلمودية إلى جواره، وكذلك البكاء على مجدهم الضائع.







ثالثًا: عند المسلمين



ارتبط المسلمون بالقدس ارتباطًا وثيقًا وعقائديًا ظاهرًا، وذلك لما لها من المكانة في دينهم، ولحث النبي (صلى الله عليه وسلم) على الرباط فيها وتذكيره (صلى الله عليه وسلم) بفضائلها ومما جعل للقدس هذه المكانة في نفوس المسلمين عدة أمور منها:



1 ـ أنها مدينة الإسراء والمعراج، وهذه الذكرى لها حب وارتباط عاطفي شديد في قلوب المسلمين، حيث كانت تسرية عن نبيهم (صلى الله عليه وسلم)، والثانية أنها فرض فيها عليهم ركن من أركان دينهم وهو الصلاة، ولذا فهي تمثل جزءًا من عقيدة المسلمين.



2 ـ أنها أرض الأنبياء، والمسلمون يعتبرون أن ميراث كل الأنبياء هو ميراث لهم؛ لأن نبيهم هو النبي الخاتم، والإسلام حث المسلمين على أن يؤمنوا بهؤلاء الأنبياء السابقين لنبيهم، ولذا فكل مقدس عند أي ديانة أخرى أي خاص بنبي من الأنبياء هو مقدس كذلك عند المسلمين.



3 ـ القدس كانت قبلة المسلمين الأولى، والتي يتوجهون إليها وهم يعبدون ربهم.



4 ـ تبشير النبي (صلى الله عليه وسلم) بأن أرض القدس هي أرض الرباط إلى يوم القيامة فعن معاذ بن جبل (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (يا معاذ إن الله عز وجل سيفتح عليكم الشام من بعدي من العريش إلى الفرات. رجالهم ونساؤهم وإماؤهم مرابطون إلى يوم القيامة، فمن اختار منكم ساحلاً من سواحل الشام أو بيت المقدس فهو في جهاد إلى يوم القيامة).



وعن أبي إمامة الباهلي (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتيهم أمر الله عز وجل وهم كذلك، قالوا يا رسول الله: وأين هم ؟ قال بيت المقدس وأكناف بيت المقدس).



5 ـ أن بيت المقدس هو أرض المحشر والمنشر، ففي حديث ميمونة بنت سعد مولاة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قالت يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس؟ قال أرض المحشر والمنشر.



6 ـ القدس عاصمة الخلافة الإسلامية القادمة:



عن ابن عساكر عن يونس بن ميسرة بن حابس قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : ( هذا الأمر (يعني الخلافة) كائن بعدي بالمدينة، ثم بالشام، ثم بالعراق ، ثم بالمدينة ثم ببت المقدس فإذا كان بيت المقدس فثمة عقر دارها، ولن يخرجها قوم فتعود إليهم أبدًا).



ولهذه الأمور فقد ارتبط المسلمون بالمدينة المقدسة أيما ارتباط.







وعن آثار المسلمين هناك :



1 ـ المسجد الأقصى.



2 ـ مسجد قبة الصخرة.



3 ـ حائط البراق



4 ـ فضلا عن أن كل أرض القدس هي مقدسة عن المسلمين.



5 ـ وبالإضافة إلى أن كل آثار الأنبياء قبل النبي صلى الله عليه وسلم هي مقدسة عند المسلمين كما سبق ذكره.







رابعًا: الأسماء القديمة للقدس:



تذكر معاجم الكتاب المقدس أقدم اسم للمدينة في (نصوص الطهارة) المصرية في القرن التاسع عشر قبل المسيح بصورة (يورشاليم) أو (أورشاليم) وقد يظن البعض أن (أورشاليم) اسم عبري، أو اسم اختاره العبريون لمدينة القدس، لكن الحقيقة المؤكدة على خلاف هذا تماما، فـ أورشاليم اسم كنعاني : من لغة كنعانية، واختاره لها الكنعانيون، ودخل عليه بعض التحريف على لسان العبرانيين، فهو في الأصل (أورسالم)، أي مدينة سالم، أو مدينة إله السلام، ولكن تحول السين إلى شين على لسان العبريين.



وقد أوردت آثار الأمم القديمة المكتشفة هذا الاسم بصور مختلفة، فالأواني المكتشفة من عهد سنوسرت الثالث (القرن 19 ق.م) تسميها (أورشاليموم)، ورسائل تل العمارنة (القرن 14 ق.م) تنطقها (يوروساليم) وأما مخطوطات سنحاريب الآشورية فقد أوردت اسم القدس هكذا : (يوروسليمو).



وقد سبق اسم (يبوس) إلى الوجود كل الأسماء التي حملتها المدينة، حيث نسبها البناة الأوائل إلى أنفسهم.



ومن الأسماء القديمة أيضا (القدس)، وقد ورد لدى المؤرخ والرحالة اليوناني الشهير هيرودوت (484 ـ 425 ق.م) هكذا : (قديتس).



وللقدس أسماء عديدة فهي : صهيون ، ومدينة داود ، وأريئيل، وموريا، وإيلياء وتنطق إيليا، ونادرا إليا، أو بيت المقدس، ولكل اسم من أسماء قصة وحكاية قلكثرة الغزاة على المدينة كثرت أسماؤها وتعددت فكل غاز كان يسميها باسم والجامع أو العامل المشترك بينهما هذه الأسماء أنها كلها مقدسة كل اسم كان مقدسا عند من أطلقوها وذلك دليل على مكانتها.



الأربعاء، مايو 26، 2010

نقاش المستخدم:Admin - Ikhwan Wiki موسوعة الاخوان المسلمين إخوان

الأحد، مايو 23، 2010

أليس الصبح بقريب؟![20/05/2010][10:37 مكة المكرمة]

أليس الصبح بقريب؟![20/05/2010][10:37 مكة المكرمة]

د. محمد بديع- المرشد العام للإخوان المسلمين    فلسطين قلب الأمة:
الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد..
فقد كانت فلسطين ولا تزال محورَ الصراع العالمي منذ أن فتح الله القدسَ وتسلم مفاتيحَها عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه، منذ ذلك الوقت وأعداء الأمة يديرون الصراع من وقت لآخر، همُّهم وهدفُهم أن يُخرجوا أهل فلسطين مرَّةً أخرى من الأرض التي بارك الله حولها.
  
حاول الصليبيون في حروب صليبية استمرت قرابة قرنين من الزمان، ذهبوا بعدها كما ذهب غيرهم من الظالمين، ثم جاءت العصابات الصهيونية التي غرسها الغربُ الاستعماريُّ في قلب الأمة في فلسطين، وعملوا على تفريغها من أهلها، والاستيلاء على ممتلكاتهم مسلمينَ ومسيحيينَ وتهديد مقدساتهم.


الكيان الصهيوني لا يمكنه البقاء إلا بحبل من الناس:

الحقيقةُ أن الصهاينةَ أذلُّ وأضعف من أن يكونوا قوةً لا تُقهر، كما يحاولون أن يروِّجوا لأنفسهم ويروِّج لهم المنهزمون نفسيًّا من بني جلدتنا، وقد وصف القرآن الكريم جُبْنَهم وصفًا واضحًا ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنْ اللهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ﴾ (آل عمران: من الآية 112).

ولولا هذا الحبل من الناس المذكور في القرآن لكان للأمة مع هذا الكيان اللقيط شأنٌ آخر، فما هذا الحبل من الناس؟ إنه اسم جنس يأخذ صورًا متعددةً:


1- أول ذلك: حبل أعداء الإسلام قاطبة، فالدولة الصهيونية لا تملك مقومات الدولة المستقرة الآمنة، وإنما تعتمد على الدعم المعنوي، والسياسي، والإعلامي، والاقتصادي، والعسكري من الغرب والشرق، والأموال تُصبُّ على الكيان الصهيوني صبًّا، والمواقف السياسية الظالمة المدافعة عنهم تُعلن علنًا، وهذا سببٌ عظيمٌ من أسباب قوتهم وبقائهم، رغم ضعف بنيانهم، وجُبْن نفوسهم، ورغم كثير من مشكلاتهم.

لقد رأينا وعد "بلفور" الذي أعطاه من لا يملك لمن لا يستحق، ورأينا تدريبهم في كتائب جيوش الحلفاء في الحرب الثانية، ورأينا المسارعة الأمريكية والسوفيتية بالاعتراف بدولتهم قبل مرور ثلاث دقائق على إعلانها، إلى غير ذلك من صور الدعم العسكري والسياسي اللا محدود.

ولكن مهما بدا حبل أمريكا وأوروبا لهم ممدودًا طويلاً فإنه لا يلبث أن ينقطع ليرجعوا إلى ما كتبه الله عليهم من الذلة والمسكنة والعجز بإذن الله؛ بسبب ما يرتكبون من مظالم ومخازٍ يندى لها جبين الإنسانية.


2- أما الحبل الثاني- للأسف- فهو حبل الضعف والخور والذل والخنوع وزعزعة اليقين والإيمان في نفوس العرب والمسلمين، ثم ما نشأ عنه من ممالأة ومداهنة بعض أنظمة الحكم لهم، بل المعاونة والاشتراك معهم في بعض جرائمهم، بل الأخطر من ذلك تسويق التصور الخاطئ بأن الصهاينة المغتصبين يمكن أن يتم التعايش معهم فعلاً، في الوقت الذي يكشف لنا القرآن العظيم ما يؤكده الواقع المشاهد- فضلاً عن التاريخ البعيد والقريب- عن طبيعتهم وحقيقة مشاعرهم تجاهنا ﴿هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الأَنَامِلَ مِنْ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120)﴾ (آل عمران).


فضلاً عن دأبهم في تبادل الأدوار في نقض العهود ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (100)﴾ (البقرة)، ولكن بعض العرب لا يتعظون ولا يتعلمون ولا يعقلون.

الكيان الصهيوني إلى زوال:


إن هذا العلو الصهيوني مؤقت، وهو استثناء من القاعدة، ولو تُركوا لأنفسهم دون حبل من الناس لعادوا إلى طبيعتهم من الذلة والمسكنة, والضعف والعجز، فهم لم يظهروا على أمتنا بقوة ذاتية فيهم، بل ما انتصروا إلا بضعفنا وخورنا، وقد قيل: إذا وضعت يدك على جدار متصدع فسقط فليس ذلك دليلاً على قوة اليد، بل هو من تصدع الجدار.

 
لقد كشف القرآن عن جُبنهم في وضوح فاضح ﴿لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنْ اللهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (13) لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ (الحشر).


كلما أتيح للمجاهدين من أبناء الأمة أن يدخلوا حربًا حقيقيةً معهم لم يثبتوا أمام جنود الحق ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمْ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (111)﴾ (آل عمران)، وما فعله ويفعله أحفاد البنا والقسّام وأبناء ياسين والرنتيسي وكل قوى المعارضة الأطهار الأبرار مع العدو الصهيوني من أقوى البراهين المعاصرة على نهاية هذا العلو، وتعرية المزاعم بقوة الكيان الصهيوني التي لا تُقهر!.

 
الطريق إلى إنقاذ القدس وفلسطين:
لا شك أن صبحَ النصر قريبٌ، وساعة الخلاص من هذا الجسد الغريب المغروس ظلمًا في قلب أمتنا آتيةٌ لا ريب فيها، بعد أن بدأت الأمة تستعيد وعيها، وصارت جماهير الأمة في كلِّ مكان قادرةً على تمييز الطيب من الخبيث، ولن يكون من السهل على الأنظمة المتخاذلة أن تستمر كثيرًا في تضليل الجماهير، بعد أن انكشف في جنوب لبنان وغزة أن النمر الصهيوني هو نمر من ورق، لكن علينا:

 
1- البدء بعملية التغيير في نفوسنا أولاً, ببناء إنسان العقيدة المسلم, الذي يُحقق العبودية لله تعالى في نفسه، ويثق بوعد الله، فترتبط الأمة بالله تعالى ارتباطًا إيمانيًّا قويًّا ثابتًا، تستمدّ من قوته قوةً تزيل ضعفها، ومن عزَّته عزةً تَذهب بذلَّتها، ومن إرادته إرادةً تقوِّي بها عزيمتها وتتغلَّب بها على عجزها، وتواجه الطابور الخامس من المثبطين والمخذلين، وبهذا الأساس الصلب يستطيع جيل النصر إنقاذ بيت المقدس, وذلك هو الوصف الذي وصف به النبي صلى الله عليه وسلم جيل النصر حين قال: "لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ" (مسلم).


يا مسلم.. يا عبد الله.. فلا يحقق وعدَ الله إلا مسلمٌ استحق وصف العبودية الخالصة لله، وسبيل ذلك: التربية المتوازنة على العقيدة الصافية التي لا تكدرها شائبة, وعلى الإسلام الشامل، دون تجزئة, أو نسيان حظ مما ذُكِّرْنا به.


2- السعي الدءوب لوحدة الأمة على كلمة سواء ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: من الآية 103)، وقد أثبت الإسلام صلاحيته لتوحيد شعوب مترامية المسكن, مختلفة الأجناس, صَهَرَهم في بوتقة واحدة, وأبدع بهم حضارة أسعدت الشرق والغرب، ونشرت الخير في الدنيا، وحفظت الحقوق العربية والإسلامية.

 
ولنا في تاريخنا الوسيط العبرة والدرس عندما قام صلاح الدين الأيوبي بتحرير القدس وتطهير البلاد من الوجود الصليبي الذي استمر نحو مائتي سنة.

3- دعم ما يقوم به شباب الجهاد في فلسطين من عمليات فدائية، أفزعت الصهاينة، وأقضّت مضاجعهم، حتى أبلغت قلوبهم حناجرهم، وها هم الصهاينة في تراجع، والحق في تقدُّم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ، على عَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلا مَنْ نَاوَأهُم" (لا يضرهم أن إخوانهم يخذلونهم، والدول القريبة منهم تخذلهم، بل تقف ضدهم وتناوئهم)، وهذه بشارة للمجاهدين في أرض الرباط "حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: "بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ" (أحمد)، إن دعم أهل القدس بالمال والعتاد وكل صور الدعم واجبٌ مقدسٌ، وليس بالتطبيع مع العدو الصهيوني والسعي إلى ممالأته.

 
4- السعي إلى كسب رأي عام عالمي شعبي لصالح القضية الفلسطينية، عَبْر شرح أبعاد القضية لشعوب العالم، والعمل مع كافة منظَّمات المجتمع المدني في سائر الدول، والعمل على بناء قاعدة إعلامية قادرة على مواجهة الإعلام الصهيوني المضاد، وهو أمر صار يؤتي أُكُله، وفي هذا الصدد فإننا نحيي الأحرار في أوروبا وفي العالم الذين يقودون حملات شريان الحياة، ويصرُّون على الوصول إلى غزة هاشم، وإعلان الوقوف إلى جوار الفلسطينيين أصحاب الحق.


إن التضحيات العزيزة والدماء الزكية الطاهرة التي قدَّمها شباب فلسطين هي ضريبة النصر القريب بإذن الله ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (51)﴾ (الإسراء).

 
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين... والله أكبر ولله الحمد.









الأحد، مايو 16، 2010

رسالة إلى العمال في عيدهم.. مايو 2010م[13/05/2010][09:36 مكة المكرمة]

رسالة إلى العمال في عيدهم.. مايو 2010م[13/05/2010][09:36 مكة المكرمة]












رسالة من د. محمد بديع- المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد..



فالعمل في الإسلام سنة الحياة، وقانون الوجود، وطريق السعادة في الدنيا والآخرة، وقد حثَّ الإسلام على العمل والسعي والنشاط والحركة حتى تمضيَ سنة استخلاف الإنسان في الأرض وتعميره لها في يسرٍ وسهولةٍ وفي وضوحٍ وجلاءٍ.







ولقد رفع الإسلام العمل إلى منزلة رفيعة سامية؛ حيث جعل العمل الصالح في المرتبة الثانية بعد الإيمان بالله فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (30)﴾ (الكهف).







ولم يفرِّق الإسلام بين العمل الفكري والعمل اليدوي؛ بل اعتبر الأخير أساسًا للحياة وأفضل أنواع الرزق، فقال صلى الله عليه وسلم: "ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده"، ومما أشارت إليه السنة أن الأنبياء عليهم السلام- مع علوِّ درجتهم- كان العمل طريقهم، فآدم احترف الزراعة، ونوح احترف النجارة، وداود احترف الحدادة، وموسى احترف الكتابة، فكان يكتب التوراة بيده، وكلٌّ منهم قد رعى الغنم، وكان زكريا عليه السلام نجَّارًا، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ حياته راعيًا للغنم وفي شبابه عمل في التجارة.







وقد تأصَّل حب العمل عند المسلمين حتى لنرى قادة الفكر منهم يلجئون إلى العمل اليدوي ولا يجدون غضاضةً في ذلك، فكان الفقيه القُدُّوري يشتغل بصناعة القُدُور، وكان الفقيه الخصاف (الذي ألَّف كتاب الخَرَاج) يعيش من خصف النعال، ونسب الثعالبي- رأس المؤلفين في زمانه- إلى الثعالب لأنه كان فرَّاء، والزّجّاج عالم اللغة كان يعمل خراطًا للزجاج.







وفي الحديث الشريف يقول صلى الله عليه وسلم: "من أمسى كالاًّ من عمل يده أمسى مغفورًا له"، وأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد عامل خشنة وهو يقول: "هذه يد يحبها الله ورسوله".







ولقد كانت ساحة العمل والعمال من الساحات التي أولاها الإخوان المسلمون- ولا يزالون- اهتمامًا كبيرًا وعنايةً عظيمةً، انطلاقًا من تأكيد الإسلام أهمية العمل والعطاء، والبذل والتضحية ومن منطق تكريمه الأيدي العاملة ودفعه الناس للسعي في الأرض يبنون ويشيدون وينشرون الخير والنور ويبذلون العرق والجهد، وصولاً إلى العيش الكريم الحلال، ويعطون البشرية المثال والقدوة ويجمعونها على البر والتقوى.







ولقد ربَّى الإخوان المسلمون أجيالاً على كل الساحات، ومنها ساحة العمل والعمال، وتركوا البصمات على صفحات تاريخ هذا البلد خاليةً من الشوائب أروع وأنقى ما تكون؛ فكان من العمال الذين تربَّوا وترعرعوا في مدرسة الإخوان المسلمين مجاهدون ضحَّوا بالأرواح دفاعًا عن الأرض والعرض، كما كان منهم النماذج الرائعة في النهوض برسالة ودور العامل في العطاء والإنتاج والحرص على المال العام وإيثار المصلحة العامة وإنكار الذات.







وقد كتب الإمام البنا رسالةً خاصةً، تحضُّ على العمل عنوانها: "نحن قوم عمليون؟!" أي نعتمد على الأعمال لا على الأقوال، كما وجَّه البنا الإخوان إلى العمل والإتقان فيه، فقال فـي رسالة "التعاليم":



- أن تزاول عملاً اقتصاديًّا مهما كنت غنيًّا.



- وأن تقوم على العمل الحر مهما كان ضئيلاً، وأن تزج نفسك فيه مهما كانت مواهبك العلمية.



- وأن تحرص كل الحرص على أداء مهمتك من حيث الإجادة والإتقان وعدم الغش وضبط المواعيد.







إن الإتقان والأمانة والوفاء بالوعد وتجنُّب الكذب والخداع والغش.. كلُّ ذلك من القيم التي سادت مجتمعات العمال في القديم، والتي يعمل الإخوان على نشرها وترسيخها؛ حتى تصبح سمة المجتمع العمالي على الساحة العالمية.







وإذا كان العالم كله يحتفل في هذا الشهر (مايو) بعيد العمال ويكرِّم العامل ويعتبره أساس الحضارة وباني الأمم؛ فإننا نتألم حينما تنقلب الأوضاع في أوطاننا الإسلامية، وخصوصًا في مصر، فتتبدل القيم الخاصة بالعمال وينقلب الهرم الاجتماعي والطبقي؛ حتى أصبح العمال في الدرجة الأدنى من السلَّم الاجتماعي؛ يعانون الفقر، وضعف الأجور، والخروج إلى المعاش المبكر، وتحكُّم أصحاب المال والثروة في أقواتهم وأرزاقهم؛ حتى أصبحت مصر طاردةً للعمالة الفنية المتميزة، والتي سافرت أو هاجرت وعانت الويلات من سوء المعاملة في البلاد التي نزحوا إليها.







ورغم أن النقابات العمالية هي المنوطة بالدفاع عن حقوق العمال فإنها تخلَّت عن مصالح العمال، بل أصبحت سيفًا مصلتًا على رقابهم.







لقد طالبنا الإسلام العظيم بأن نعطي الأجير حقه قبل أن يجف عرقه، وتناولت المواثيق الحقوقية- سواء الصادرة عن الأمم المتحدة أو منظمة العمل الدولية- حقوق العمال في العمل دون تمييز، مع إعطائهم الأجر الكافي لتوفير الاحتياجات الأساسية لهم من مأكل وملبس ومشرب، وحمايتهم من البطالة، ورعايتهم وتدريبهم لإكسابهم المهارات اللازمة لمواجهة التطور، ولكنَّ العمال في وطننا الإسلامي افتقدوا كل ذلك، خصوصًا في الأقطار التي تمت خصخصة الشركات فيها وبيعها للأجانب بأبخس الأثمان.







لقد أمرنا الإسلام بتوفير الأمن الاقتصادي والمعنوي للعمال، وجعل الله تعالى من مننه على قريش ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)﴾ (قريش).







وإذا كان الجوع لا يزال شبحًا مرعبًا للطبقة العاملة في عالمنا الإسلامي فإن غياب الأمن أشدّ وقعًا على نفوس العاملين، سواءٌ في أوطانهم الأصلية أو في العمالة الوافدة إلى الأقطار التي منَّ الله عليها بالثروة البترولية.







فاستمرار حالة الطوارئ في مصر- والتي تجاوزت الثلاثين عامًا- هو انتهاكٌ خطيرٌ لحقوق الإنسان والعمال؛ حيث مُنعوا في ظلها من الحصول على حقوقهم المسلوبة أو التعبير السلمي بالتظاهر أو الإضراب، فضلاً عن الترشيح لعضوية النقابات، بل تمَّ اعتقال الآلاف والزجُّ بهم في السجون والمعتقلات.







وأخيرًا، أوجِّه ندائي إلى العمال في عيدهم بالحفاظ على قيم الإسلام في العمل، والعمل بمقتضاها، فإن المطالبة بالحقوق لا بد معها من الحفاظ على ما تبقَّى من منشآتنا ومصانعنا، والتي هي سبيل الدفاع عن الوطن وأمنه القومي والتصدِّي لمحاولات إهدار المال العام وإيثار المصلحة العامة على المصلحة الشخصية، مع السعي للحفاظ على حقوق العمال وحمايتهم من الاضطهاد والتعسف.



والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.





الأحد، مايو 09، 2010

رحماء بينهم رسالة فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين:

                                             رحماء بينهم رسالة فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين:


06/05/2010

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.. وبعد؛

فإن أمتَنا الإسلاميةَ مهما ضعُفتْ وتفرقتْ فإنَّ مجموعَها العامَ يظلُّ وفيًّا لدينه ووطنه، رافضًا للمساومة على عزته وكرامته، ومستعصيا على كل محاولات التقطيع والتفريق، على حد وصف الله تعالى لخير أمة ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح:29) وقوله تعالى في وصف الذين يحبهم ويحبونه ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ (المائدة:54)

وهذا المزج بين الشدة واللين، وبين العزة والذلة في الشخصية المسلمة يكشف عن التوازن الرائع، فلا الشدة في كل مقام محمودة، ولا الرحمة، بل المحمود أن يكون الإنسانُ شديداً في موضع الشدة، ليناً في موضع اللين، عزيزاً أبِيًّا حين يقف أمام أعدائه والمتربصين بأمته، فينظر إليهم نظرة العزيز الغالب؛ لا نظرة الضعيف الخانع، ذليلا متواضعا خفيض الجناح حين يتعلق الأمر بإخوانه وبني جلدته، يفيض قلبُه حُنُوًّا وشفقةً عليهم. وبذلك يحقق توجيه النبي صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» (مسلم)

أعداؤنا هم من يعتدون علينا:

إن المسلم مطالب بالإحسان لجميع الناس ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ (البقرة:83). وهذا يعم جميع الناس، مسلمهم وكافرهم، باستثناء الكفار المحاربين للأمة والمعتدين عليها وعلى مقدساتها وحرماتها، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ (التوبة: 123) ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة:190) وكذلك من أجل رفع الظلم عن غيرنا ممن يستنجدون بنا ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ (النساء:75)

أما غير المحاربين لنا والذين لم يعادونا ولم يقاتلونا فإن الله تعالى يقول: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ (الممتحنة: 8). والبر المأمور به في الآية يشمل كل أنواع البر.

وقد تواترت الأخبار من تاريخ هذه الأمة الكريمة عن الإحسان إلى غير المسلمين وخصوصا مواطنينا وجيراننا وشركاءنا من النصارى، حيث اختلطت دماؤنا بدمائهم في الدفاع عن الوطن، وامتزج عرقنا بعرقهم في بناء نهضته وحضارته.

اختلال الميزان وتراجع الأمة:

لقد أهمل كثير من أبناء أمتنا هذه الثوابت الإسلامية والإنسانية الواضحة، فصاروا أعزة على المؤمنين أذلة على الكافرين، أشبه بما وصف به النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج الذين: «يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ» (الشيخان).وهذا مما شجع الصهاينة وغيرهم على استباحة بلادنا ومقدساتنا.

لهذا ترى اليوم دماءنا تُراق رخيصةً بلا ثمن، وديارنا تُهدم بلا ثمن، وأرواحنا تُزهق على وهن ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (الشورى:30). فالذل والهوان الذي تعيشه أمتنا هو بما كسبناه نحن بأيدينا، وفعلناه بأنفسنا، وإذا ما رجعنا إلى ديننا وثوابتنا، وحرصنا على كرامتنا فسيعود لنا مجدنا وعزتنا، على حد قول الفاروق: «إنَّا قَوْمٌ أَعَزَّنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ فَلَنْ نَلْتَمِسَ الْعِزَّةَ بِغَيْرِهِ» (الحاكم).

العفو عن العدو والشدة مع الإخوان:

يستبد بالعقلاء في أمتنا العجب، وهم يرون بعض الحكومات تحرص في برود عجيب على الصفح والعفو عن كل الجرائم التي يرتكبها صهاينة ضدنا وفي عمق بلادنا، ويسرعون بتسليم أي مجرم صهيوني إلى الإدارة الصهيونية معززا مكرما، حتى من دون طلب محاكمة، بل وممارسة أقصى (وأقسى) درجات ضبط النفس مع الاعتداءات الصهيونية المتكررة، بدعوى تشجيع عملية السلام التي تطلق الإدارة الصهيونية عليها يوميا عشرات القذائف القاتلة في استهتار عجيب بحكوماتنا وشعوبنا، بل بكل القوانين والمواثيق الدولية.

ويشتد العجب حين ترى نفس هذه الحكومات اللطيفة جدا مع العدو لا تتوقف عن إظهار القسوة بشكل مستمر ومستفز على شعوبها وبني أوطانها، فتفرض الطوارئ وتصادر الحريات وتعتقل الشرفاء وتلفق القضايا للوطنيين المصلحين، وتقيم المحاكم العسكرية والاستثنائية، وتستصدر الأحكام القاسية على كل من يساعد أو يحاول أن يساعد المجاهدين والمقاومين، وكان من أواخر ذلك تلك الأحكام القاسية المفاجئة ضد المجموعة التي كانت تحاول تقديم الدعم اللوجيستي للمقاومين في غزة، ولئن كانت تلك المجموعة قد أخطأت بالتعدي على سيادة الدولة المصرية، فقد كان مما يشفع للتخفيف عنها حسنُ نيتها ورغبتها الصادقة في مساعدة إخواننا في غزة، لا سيما وأنها لم تمارس أي عمل من أعمال الاعتداء على مصر. لهذا كان من العجيب أن يتضخم الحديث عن السيادة الوطنية (التي نحرص عليها كل الحرص) في الوقت الذي تغيب فيه تلك المصطلحات تماما حين يكون المعتدي صهيونيا ويمارس أدوارا مشبوهة ضد مصر، خصوصا وقد ضبط معهم السلاح فعلا.

دعوة إلى العفو عن كل المظلومين:

لهذا فإننا -مثلما دعونا دولا عربية كالسعودية واليمن وليبيا للإفراج عن بعض المصريين الذين صدرت ضدهم أحكام في تلك الدول- ندعو الرئيس مبارك إلى عدم التصديق على تلك الأحكام القاسية، كما ندعوه لاستخدام صلاحياته الدستورية في العفو عنهم، وفي الإفراج عن كل المحبوسين السياسيين ظلما، بما في ذلك ضحايا المحاكم العسكرية غير الطبيعية.

إن العفو الواجب الذي يحبه الله والذي ندعو إليه هو الذي فيه إصلاح لأحوال الوطن والمواطنين ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (الشورى:40) أي: من كان عفوه مشتملاً على الإصلاح فهو المستحق للأجر من الله.

أما من كان عفوه إفساداً لا إصلاحاً، بأن يعفو عن الصهاينة الذين اغتصبوا بلادنا وقتلوا وشردوا إخواننا؛ فإنه آثم بهذا العفو في حق وطنه ونفسه ودينه.



إننا نسأل العقلاء في أمتنا: هل العفو عن الصهاينة الذين يناصبوننا العداء، ويتجرؤون على انتهاك مقدساتنا واغتصاب بلادنا وإهانة رموزنا بمن فيهم القضاة رموز العدالة في الأمة، يعد إفسادا أم إصلاحا؟

وفي المقابل نسأل العقلاء أيضا: هل أَخْذُ ذوينا وبني ديننا وجلدتنا بالظن والتهمة وبلا بينة، وحرمانهم من المثول أمام قاضيهم الطبيعي وتقديمهم للمحاكم الاستثنائية والمحاكم العسكرية، واستصدار أحكام قاسية بحقهم غير قابلة للطعن، هل ذلك يحقق الإصلاح أم الإفساد؟ قد يتفهم البعض أن نكف أيدينا مؤقتا عن أعداء أمتنا حتى نتهيأ لمواجهتهم، لكن في أي سياق يمكن أن نتفهم هذه الشدة المفرطة مع إخواننا وبني جلدتنا، في الوقت الذي نظهر فيه لينا مفرطا في التعامل مع أعداء الأمة والمحاربين لها.

إنه لن يحفظ لنا هيبتنا، ولن يعيد لنا مكانتنا إلا أن نضع الأمور مواضعها:

حَلِيمٌ إِذَا مَا الحِلْمُ زَيَّنَ أَهْلَه *** مَعَ الحِلْمِ في عَيْنِ العَدُوِّ مَهِيبُ

والله أكبر ولله الحمد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.