الخميس، أبريل 29، 2010

ولا تفسدوا فى الأرض بعد إصلاحها رسالة أ.د. محمد بديع المرشد العام

29/04/2010


بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد..

فقد أصبح ضروريًّا أن يُفكِّر كل إنسانٍ عاقل- فضلاً عمن يحمل هَمَّ الإصلاح في زماننا هذا في أي مكان في العالم- تفكيرًا جديًّا حول مستقبل كوكب الأرض الذي نعيش على سطحه، وكيف أنه تحيط به الكوارث من كل حدب وصوب، سواء كنا مسئولين عنها بسبب مباشر أو غير مباشر.. تهدِّدنا وتهدِّد كل مقدَّرات البشرية، فمن تلوث بيئي إلى احتباس حراري، إلى خطر نووي، إلى استعمار حديث خبيث بكل صوره العدوانية والاستغلالية؛ يستهدف الطوائف الضعيفة والدول المتخلفة ليمتصَّ دماءها ويستولي على مقدراتها ويحتكر القرار في مصيرها.

فإذا ما أضيف إلى ذلك مناخ قيمي مادي شهواني أدَّى إلى انهيارٍ في الخلق وانتهاك للحرمات وطغيان على الحقوق وغفلة تامة عن يوم الحساب الذي كان الخوف منه شيئًا فطريًّا يحدُّ من ظلم البشر بعضهم ويقلل من تغول السلطات.

ألا يستدعي هذا من كل الحكماء والعقلاء، من كل جنس ولون ودين، أن يتنادوا بأية وسيلةٍ من وسائل الاتصال الحديثة ليقفوا وقفةً واحدةً، وينادوا بصوتٍ واحدٍ ليقفوا في وجه الظلم والاستبداد والفساد والإفساد؟!

وها نحن نناديهم: يا حكماء العالم.. يا عقلاء العالم.. يا أمناء على حقوق الإنسان.. كل الإنسان.. اتحدوا وتعاونوا ولتتضافر جهودكم في كل منظمات المجتمع البشري المدنية لإنقاذها مما هي فيه وما هي منحدرة إليه إذا استمرَّ الحال على ما هو عليه.. ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ (الروم: من الآية 41).

ولو ألقينا نظرةً شاملةً لأهمِّ أسباب هذه الحالة المعقَّدة المتشابكة الأسباب لتدهور البشرية؛ نجد أن الله عزَّ وجلَّ قد خَلَقَ الكون صالحًا منذ نشأته، وأعدَّه للإنسان قبل أن يوجده من آدم وحواء "وأصبحوا كلهم أبناء أب وأم"، وأمدَّ الإنسان بكل مقوِّمات حياته ليكون خليفةً في الأرض مسئولاً عنها ليعمرها.. ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود: من الآية 61)، ومن كرم الله وفضله على كل جنس البشر أنه خلق الأرض في يومين، وقدَّر فيها أقواتها في أربعة أيام سواءً للسائلين؛ أي أن الناس شركاء في كل مقومات الحياة الضرورية، فهل هناك رعايةٌ للإنسان كل الإنسان بني آدم من ربهم الرحمن.. أكثر من هذا؟!

إنه سبحانه ادَّخر للجنس البشري بل لكل الكائنات مقومات حياتها ورزقها.. ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (هود :6)، فعلى سبيل المثال ادخار البترول بما احتاجه ذلك من إعداد رباني معجز على مدى مئات الملايين من السنين في باطن الأرض حتى إذا نضج العقل البشري وتطوَّر في اختراعاته حتى وصل إلى آلات الاحتراق الداخلي هداه الله إلى استخراج هذا الكنز لينتفع به، وغيره من الكنوز كثير، كان وما زال وسيبقى مدخرًا إلى قيام الساعة ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (الحجر: 21)، فماذا كان دور الإنسان بعد كل هذا الفضل الرباني عليه، وبعد كل هذا النداء المنبه له: ﴿يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ (الانفطار:6)؟!

لقد حوَّل هذه النعمة إلى وسيلة للصراع، ونشر الظلم والحرب والطغيان، محاولاً السيطرة على منابع البترول وأوقد نيران حروب تهلك الحرث والنسل؛ من أجل هذا الاحتكار البغيض لهذه الثروة وغيرها من الثروات وتقاسموها للأسف بقوانين واتفاقيات جائرة، كما توزع العصابات مناطق النفوذ، فكانت اتفاقيات "سايكس بيكو" والانتدابات التي أعقبتها وعود كوعد بلفور لاحتلال فلسطين، ورأينا كونغو فرنسي وآخر بلجيكي، وثالث برتغالي، وسمعنا عن صومال إيطالي وصومال بريطاني وصومال فرنسي ورابع أمريكي.

وما زالت هذه الحروب الساخنة والباردة من أجل فرض السيطرة والاحتلال لتوسيع مناطق النفوذ؛ فإذا لم نوقف هذه المطامع، ونطالبْ بتحريم كل صور الاستغلال والاستعمار فسيلتَهِمُ هذا الوحش الجشع كلَّ المقدَّرات، وليقف الإنسان العاقل الحكيم ضد الإنسان المستغل لينقذ السفينة التي نركبها جميعًا في هذا الكون؛ لأن الغاية من خلقنا أن نتعاون لا أن نتصارع.. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: من الآية 13)، ومهمتنا أن نصلح ولا نفسد ولا نترك المفسدين؛ لأن فسادهم خطر على الجميع.

ومن زاوية أخرى نجد أن المتأمل في خلق الله يجد بكل وضوحٍ لكل عين منصفة وعقل راجح أنَّ الله قد خلق توازنًا في كل دورات الحياة، فمن دورة للأكسجين وللنيتروجين ولثاني أكسيد الكربون يتبادل فيها النبات والحيوان مع الإنسان المنافع كما يتبادلون الاستفادة من بعضهم، وكذلك دورة متوازنة للمياه من بحار ومحيطات وتبخر وسحُب وأمطار وأنهار ثم إلى البحار والمحيطات مرةً أخرى، ودورة كذلك للمعادن والأملاح من التربة وإلى التربة ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ (الحجر: من الآية 19).

فماذا كان دور الإنسان الجاهل الذي لم يفهم سنن الله في الكون فاصطدم بها وأفسدها وعطَّل كثيرًا من دورات الحياة وبعدها جلس يشكو مما صنعت يداه؟!

ها هي تلوثات البيئة ناتجة من نواتج أخطبوط الصناعات ومافيا رءوس الأموال، يجامل بعضها بعضًا في دنيا المصالح والمنافع على حساب صحة الإنسان وحقوق الإنسان؛ الذي تمَّ طحنه وسحقه بلا رحمة.

ونموذج آخر لتلويث كل مقومات الحياة، من هواء وماء ونبات وحيوان والإنسان في نهاية كل هذا؛ باستخدام المبيدات الحشرية، وكثير منها مسرطن، وكذلك المخصبات غير المأمونة، وهي كثيرة، ثم بعد انتشار هذا الاستخدام الخاطئ المبني على فهم خاطئ للسنن الكونية كانت الكوارث السرطانية؛ مما جنى الإنسان على الإنسان، وتعتبر مصر من أعلى دول العالم إصابةً بهذه السرطانات.

بعد كل هذا يعود الإنسان إلى الزراعة العضوية (الأوجانيك) وإلى المقاومة (الحيوية) بعد أن دفع ثمنًا باهظًا في التجربة الأولى من خسائر بشرية ومالية وثمنًا آخر أبهظ في التجربة الثانية والإنسان هو الضحية في الحالتين.

والنموذج الأخطر هو التلوث النووي؛ الذي عُقد المؤتمر الخاص به في نيويورك الولايات المتحدة (رغم أنها الدولة الوحيدة التي استخدمت هذا السلاح في التاريخ)، وكنا نأمل أن تكون هذه بدايةً لترشيد هذه الطاقة الخطيرة كسلاحٍ ذي حدَّين، فيتم تأمين البشرية من خطرها المحدق، فإذا بالضغوط الصهيونية الخبيثة تعيق ذلك، فلا هم حضروا ولا التزموا بل تحوَّل الموضوع إلى أمان المواد النووية فقط، وتبقى البشرية كل البشرية رهن خطر في يد قوى غاشمة فاسدة مفسدة، تبغي الفساد في الأرض، والله لا يحب الفساد، ولا يحب المفسدين.

وهناك خطر آخر يُحذِّر منه كل العقلاء؛ إذ إنه في مراحله الأولى، ولن تدرك البشرية جرمه إلا بعد فوات الأوان؛ ألا وهو التلاعب بالخريطة الجينية واستخدام الهندسة الوراثية الضارَّة بعيدًا عن الأخرى النافعة؛ حيث إن علمنا في هذه الدائرة ما زال محدودًا، وقد يترتب على هذا العلم المحدود الذي يقترب من الجهل كوارث لا يعلم مداها إلا الله، فليتَّحِدْ كل العقلاء في هذا التخصص ليوقفوا هذا العبث، وننتظر حتى يكتمل علمنا فننطلق بعد ذلك على علم وبينة ونور من الله.

أما عن التلوث القيمي الذي هو من صنع الإنسان أولاً وأخيرًا فحدِّث ولا حرج؛ لأن هذا هو أُسُّ الفساد والإفساد؛ (فإنما الأمم الأخلاق ما بقيت.. فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا).

ومن أوجه الخلل في التفكير الإنساني إذا ما جرى وراء شهواته بلا ضوابط من قيم الرسالات السماوية التي أجمعت عليها وسجّلت في التوراة والإنجيل والقرآن وحتى بلا تحكيم عقل ناضج.. فالله عز وجل قد خلق الجنس البشري من ذكر وأنثى وبثَّ منهما رجالاً كثيرًا ونساء، بل خلق من كل شيء زوجين ليستمر النوع بالتناسل للبقاء، فكيف تدخَّل الإنسان بجهله واتباعه لشهواته المنحرفة، وقلَّد الارتكاسة الأولى للفطرة في هذا المجال في قوم لوط.. ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ (الأعراف: من الآية 80)، ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ (الأعراف: من الآية 81).

ورغم ما جلبوه على البشرية من ارتكاس للفطرة وانتشار لأمراض ما كانت في أسلافنا من البشر بجريمتهم هذه التي توقف سنن التناسل البشري كما خلق الله، فإنهم ما زالوا لا يستحون بل نجد مَن يطالب لهم بحقهم، فأي عقل هذا؟ وأي حرية هذه؟!

وها هم الإخوان المسلمون يحملون قبسًا من نور الله بحمل رسالة الإسلام الشاملة؛ هم وكل المسلمين في كل بقاع الدنيا، بل وكل المصلحين المدركين لخطر ترك مقدرات البشرية تتلاعب بها المصالح والأهواء، وهم واثقون أن الله سيعين كل المصلحين؛ لأنه يحب الصالحين والمصلحين ويبغض الفاسدين والمفسدين.. ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: من الآية 251)، ولكن الله ذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون.

ولنكن جميعًا على ثقةٍ من أن ظلام الدنيا كلها لا يقوى على إطفاء ضوء شمعة، بل تبدِّد هذه الشمعة البسيطة هذا الظلام الدامس.

وأيضًا لا نستقل أي مجهود مخلص تتضافر معه كل الجهود الصادقة؛ لأن أنهار الدنيا هي مجموع قطرات المطر.

وفي الختام.. ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (الطلاق: من الآية 3).



القاهرة فى : 15 من جمادى الأولى 1431هـ الموافق 29 من إبريل 2010م



الخميس، أبريل 22، 2010

رسالة أ د/ محمد بديع المرشد العام للإخوان المسلمين : وإن جندنا لهم الغالبون

رسالة أ د/ محمد بديع المرشد العام للإخوان المسلمين : وإن جندنا لهم الغالبون


22/04/2010

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، ومَن تبعه بإحسان إلى يوم الدين..

الاستبداد إلى زوال
يحاول الباطل دائمًا أن يقلب الحقائق، فيحوِّل الظالم إلى مظلوم، والجلاَّد إلى ضحية، والضحية إلى مجرم، فالداعي إلى الخير خارج عن القانون، والقائم بالإصلاح مآله الاعتقال، بل ويطالب البعض بضربه بالنار!!، فهل بات الإصلاح والمطالبة بالحريات جريمةً في عالمنا الإسلامي؟ وهل أصبحت خطابات الاستجداء ولافتات التأييد نضالاً وبطولةً؟!.

هذه إشاراتٌ لسوءة عصرنا الذي انتشر فيه الاستبداد، خاصةً أمام الشعار الرباني الذي يرفعه الشرفاء: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود: 88).
فهذه السجون التي تلفُّ عالمنا بخيرةِ أبناء الأمة، وهؤلاء الأسرى من مجاهدي ومجاهدات فلسطين في سجون الاستبداد الصهيوني؛ ما هي إلا المخاض للأمل القادم بإذن الله؛ ليبدّد ظلام الاستبداد: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ (الرعد: من الآية 17).
فهذا الاستبداد وإن طال ليله فهو إلى زوال، وسيقف المفسدون بين يدي ربهم: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ* وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ* سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ* لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (إبراهيم: 48-51).
فماذا جنى قائد المستبدِّين: يوم أن قال: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (غافر: من الآية 29)، ويوم أن ردَّ على المؤمنين: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ (طـه: من الآية 71)، ألم تكن نهايته: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾ (الإسراء: 103).
سنة الله في الخلق
وهذه سنة الله التي لا تتبدَّل ولا تتحوَّل.. إنها السنة الماضية إلى يوم الدين، في الوعد الحق من الله تعالى، لكل الدعاة والأحرار والشرفاء، وهم يواجهون العوائق، ويتجاوزون الصعاب؛ بإيمان عميق، وفهم واضح، وعقيدة راسخة، تسيطر على قلوبهم وعقولهم وتصرفاتهم، يقول تعالى: ﴿ولقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ* إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ* وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ* فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ* وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ* أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ* فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاء صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ﴾ (الصافات: 171- 177)، هذه سنة عامة، وهي مستمرة في جميع بقاع الأرض وفي جميع العصور، إن أخلص الجند، وتجرَّد المصلحون، فهي غالبةٌ منصورةٌ، مهما كانت الصعاب والعراقيل، وهل يقف أمام وعد الله شيء؟! وهل يوقف سنة الله شيء؟! قد يؤجِّلها الله إلى حين ولكنها لا تتخلَّف، وقد يُمهل الله الظالم ولكنه لن يفلته أبدًا من الحساب والعقاب، وكل ذلك بتقدير الله، لا بما يريده البشر أو بما يتصوره الناس، فالأمر من الله أكمل وأبقى وأشمل وأحكم، وما يريده الله هو الغالب؛ لأنه سبحانه الفعال لما يريد: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21)، ونداؤنا إلى كل الساعين للإصلاح أن يخلصوا لله ويجعلوا الوجهةَ له سبحانه، ويستمروا في العمل الجادِّ لإنقاذ الأمة من المصير المجهول الذي يدفعه إليها الاستبداد والفساد.

﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾

فما يكون في الكون إلا ما أراده الله، وقد يُهيئ الله للبشرية آياتٍ لا يعلمها إلا الله؛ من أجل أن نعرف قدرته وسلطانه ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ (الزمر: من الآية 16) لعل البشرية تفيء إليه، في مجال أوسع، وفي أثر أدوم، فما زال بركان أيسلندا يعوِّق حركة الطيران في معظم أنحاء دول أوروبا، رغم مرور أكثر من أسبوع على ذلك؛ بسبب الرماد أو الغبار البركاني المتصاعد، الذي يحجب الرؤية ويهدِّد الملاحة الجوية، فدخانه يحتوي على جسيمات ضئيلة من السيليكون، وكل المصهور في جوف البركان يتحوَّل إلى دخان يمكن أن يتلف محركات الطائرات وهياكلها وجميع الأجهزة الإلكترونية الدقيقة، فضلاً عن إصابات رئوية خطيرة لجميع الكائنات الحية.
ل هذه الآية لأهل الأرض جميعًا للعود الحثيث إلى رب العزة؟ يقول تعالى: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ (الزخرف: من الآية 48)، وهل هي دعوة إلى التصدِّي للفساد والمفسدين والطغيان والطاغين؟! يقول تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون﴾ (الروم: 41)، وقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم عندما نرى آياتِ الله في كسوف أو خسوف الشمس؛ أن نلجأ إلى الله بالصلاة والدعاء، ونتحصَّن بالاستعداد لليوم الآخر؛ لنكون قدوةً للناس جميعًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ* يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (الحج: 1-2)، وهذه العودة إلى الله تعني العودة إلى الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها، ومعرفة قدرته القاهرة سبحانه فوق عباده، بالامتثال لأمره ونهيه، وليس مجرد الخوف من بطشه وعقابه.

الطوارئ لن تدوم
رضي الله عن حاكم الأمة العادل عمر بن الخطاب وهو يقول: "نحن قوم أعزَّنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله"، فالإسلام يطالبنا بالعزة لا بالاستضعاف.. والقوة لا بالهوان.. والحرية لا بالاستبداد؛ الذي هو يهوى ويتساقط بكل أنواعه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يوم أن نمارس حياتنا بالإسلام، ويوم أن يكون الولاء لله وحده لا للمستبدِّين، ويوم أن نكون عبيدًا لله وحده لا لأصحاب السلطة.
فأمجاد أمتنا لم تصنعها في يوم ما قوانين طوارئ، ولا محاكم استثنائية ولا أحكام عرفية، ولا شرطة ترهب الأحرار، ولا سجون تقمع الشرفاء، وإنما صنعها العدل، وصاغتها الحريات، وأنتجتها المساواة، فكانت بحقٍّ أمة الحق والعدل والمساواة والحرية قبل أن تعرف الحضارات الحديثة هذه المصطلحات.
فيا قومنا..
أقيموا دولة الإسلام في نفوسكم تقُم على أرضكم، إن بداية الإصلاح هو إصلاح هذه النفس البشرية بتمام العبودية لله، ومراقبته في كل شأن وكل حال، واستشعار المسئولية "كلكم راع ومسئول عن رعيته، المرأة راعية ومسئولة عن رعيتها وكذلك الحاكم راع ومسئول عن رعيته"، ففي البيت لا يُبرَم أمرٌ من فطام الوليد فما فوقه إلا عن تراضٍ وتشاور ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ (البقرة: من الآية 233)، وعلى مستوى الدولة أمر المسلمين شورى بينهم ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: من الآية 38) والأمر الإلهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكل مسئول بعده ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: من الآية 159).
نطالب بإطلاق الحريات؛ حتى تتمكن أمتنا من نهضة حقيقية لاستعادة مجدها العظيم، وأن تمتلك الإفصاح الحر، عن رأيها في اختيار ممثليها وحكامها، كما تريد، ونحب أن يعلم الجميع أنهم سواءٌ في تحمُّل هذا العبء من الاضطلاع بمسئولية الإصلاح؛ فلا تستصغروا شأنكم أو جهدكم أو رأيكم؛ لأن مالك القوى والقدر هو الذي يؤتي الملك مَن يشاء وينزع الملك ممن يشاء، وما نحن إلا أسباب نستر القدرة ونأخذ الأجرة من الله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ* وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (القصص: 5-6).
نطالب بإنهاء استئثار الحاكم بالسلطة دونما محاسبة من الأمة تحت مسمَّى الطوارئ أو درء الفتن أو الحفاظ على الأمن القومى، فكل ذلك مفسدة مطلقة هي عين الفتنة، حيث تربَّى في أغلب دولنا الإسلامية جيلٌ كاملٌ لا يعرف إلا قيود الطوارئ على الحريات العامة أو التقاضي والحبس والاعتقال، بدلاً من مواجهة الفساد والمخدرات والانحلال والإرهاب والاحتلال!.. فهل ألفت الشعوب وتعايشت مع قوانين الطوارئ بحكم الزمن؟ وإذا كانت حالة الطوارئ الاستثنائية هي القاعدة، فما القانون الطارئ أيام الحرب أو الوباء أو الكوارث، جنبنا الله ويلاتها؟ وأين هي القوى الشعبية التي تواجه التمديد المستمر لمواده، التي باتت سيفًا مصلتًا على الرقاب، خاصةً أمام الوعود المؤخَّرة بإلغائه، والتي تبخرت ولم يكن لها أي وجود؟!



وفي مصرنا خصوصًا نطالب مع كافة القوى الوطنية التي أجمعت على إلغاء العمل بها، برفع حالة الطوارئ قبل نهاية شهر أبريل الحالي، والاستجابة في ذلك لتوصيات كافة المجالس الدولية والمحلية لحقوق الإنسان، التي أعلنت سقوط مبرِّرات العمل بها؛ نظرًا لانتفاء وانقضاء الشروط التي حدَّدها الدستور لاستمرار حالة الطوارئ، وتعارضها مع المواثيق الدولية المعنية، بحقوق الإنسان، وفي قوانيننا المدنية الكفاية لكل ما نحتاجه، فلا قانون طوارئ ولا قانون إرهاب.. فهل تتحقق هذه المطالب؟!



يا قومنا..



قانون التطهير العرقي في فلسطين زيادة في فُجر الصهاينة، لا يردعه إلا وحدة الصف الإسلامي، سنةً وشيعةً، عربًا وعجمًا، على اختلاف ألواننا وألسنتنا وفصائلنا، فالحقُّ الفلسطيني في كل أرضهم حقٌّ مقدسٌ في كل الرسالات والأعراف والقوانين، وحقوق الإنسان في الشرق أو الغرب، فإما أن ننال حقوقنا وإلا فليس للفلسطينيين أو العرب أو للأمة الإسلامية إلا المقاومة بكل الوسائل المشروعة، بما فيها المقاومة المسلَّحة، فذلك العلاج الناجع لهذا الاستبداد الصهيوني المدعوم أو المسكوت عنه غربيًّا وعالميًّا ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (الأنبياء: 18).



القاهرة فى : 8 من جمادى الأولى 1431هـ الموافق 22 من إبريل 2010م



الثلاثاء، أبريل 13، 2010

إلى الأحباب.. نظرة وعبرة

إلى الأحباب.. نظرة وعبرة


[13/04/2010][12:48 مكة المكرمة]





بقلم: الشيخ/ محمد عبد الله الخطيب

الصحوة الإسلامية وما تملكها من وسائل ربانية ورثتها عن الأنبياء والرسل..

منذ سنوات وقف أحد العلماء العاملين يقول: الناس رجلان: رجل استيقظ في الظلام ورجل نام في النور.

وهذا كلام كله حق وواقع، فمنذ أكثر من مائة سنة تقريبًا استيقظ الغرب في الظلام، لا مصباح بيده، ولا أنوار تضيء له الطريق، لكنه رغم الظلام أخذ يعمل ويجرِّب ويبتكر، ويغيِّر ويبدِّل في أمر المادة في جميع شئون الحياة، فاستطاع أن ينتقل إلى عالم البخار، وأن ينشئ المطابع والمصانع، وأن يطوِّر ما عنده من سلاح حتى وصل إلى ما وصل إليه اليوم.

أما الرجل الذي نام في النور فهم المسلمون؛ فقد تكاسلوا وقعدوا وتواكلوا، إلا من رحم الله وهم قليل، بينما هم في منطقة النبوات والرسل، وبيدهم المصباح المنير، والتاريخ الناصع الحافل بالبطولات، بيدهم المصابيح التي أضاءها من سبقوهم على الدرب، لكنها لم تغنِ عنهم شيئًا، وهذا ما صوَّره الشاعر المسلم وهو يقول:

استرشد الغرب بالماضي فأرشده ونحن كان لنا ماضٍ نسيناه

ويقول آخر وهو يوصي الحاج الذي يزور مهبط الوحي ومصدر النور، ومصانع الرجال الأفذاذ، يوصيه بقوله: فقل لرسول الله يا خير مرسل أبُثَّك ما تدري من الحسرات

شعوبك في شرق البلاد وغربها كأصحاب كهف في عميق سبات

بأيمانهم نوران ذكر وسنة فما بالهم في حالك الظلمات؟!

وفي وسط هذا الظلام قامت الصحوة الإسلامية ترفع في يد القرآن الكريم كمنهج رباني فريد لإخراج العالم من الظلمات إلى النور، وفي اليد الأخرى سنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وتنادي بالعودة إلى منهج الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بالعودة إلى الربانية الخالصة بالعودة إلى التسامي بالنفس الإنسانية ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾ (الشمس)، وبالعودة إلى اليقين باليوم الآخر وإلى اليقين بعقيدة الجزاء، وبإعلان الأخوَّة العالمية بين الناس جميعًا، وإلى النهوض بالرجل والمرأة جميعًا، وإلى إعلان التكافل والمساواة بينهما، وتحديد مهمة كل منهما تحديدًا دقيقًا، وإلى تأمين المجتمع بتقرير حق الحياة والملك والعمل والصحة والحرية والعلم، والأمن والأمان لكل فرد، وتحديد موارد الكسب، وضبط الغريزتين؛ غريزة حفظ النفس وغريزة حفظ النوع، وتنظيم مطالب الفم والبطن، والشدة في محاربة الجرائم الأصلية، وتأكيد وحدة الأمة والقضاء على كل مظاهر التفرقة وأسبابها، وإلزام الأمة بالجهاد في سبيل مبادئ الحق التي جاء بها هذا النظام واعتبار الدولة ممثلةً للفكرة وقائمةً على حمايتها ومسئولة عن تحقيق أهدافها في المجتمع الخاص، وإبلاغها إلى الناس جميعًا (راجع رسالة بين الأمس واليوم) بتصرف.

استيقظ بعض المسلمين على هذا الصوت.. الصوت الحبيب.. صوت الصحوة الإسلامية يدعوهم إلى العودة إلى هذا الذي ذكرناه، وإلى كل كلمة نطق بها الوحي، وإلى كل جملة قالها صلى الله عليه وسلم، وفتح الأبواب والنوافذ على ما قدمه الإسلام لإصلاح الإنسانية كلها كما ذكرنا، فرحَّب واستبشر من هداه الله وشرح صدره للإيمان، وسار في الطريق رغم الأشواك والعقبات وما زال يسير، وحمل الراية وما زال يحملها، وآمن بالإسلام دينًا ودولةً، وعبادةً وقيادةً، وشريعةً وقانونًا، وامتلأت القلوب من جديد بحب الله ورسوله، وبعشق رسالته وسيرة نبيه صلى الله عليه وسلم.

ونرجو أن يستيقظ يومًا ليلحق بالركب وليسعد بهذا الدين إن شاء الله.

رصيد فريد لا مثيل له بين الأمم

إن الرصيد الذي يملكه المسلمون بالأمس واليوم والغد رصيدٌ ضخمٌ، رصيدٌ قويٌّ؛ هو الحق، والحق على مدار التاريخ غالبٌ لا مغلوب، ومنتصرٌ لم يعرف الهزيمة، قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمْ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18)﴾ (الأنبياء).

إن هذا الرصيد من شأنه أن يجعل هذه الأمة- لو استيقظت- تخطُّ في التاريخ البشري بإذن الله خطًّا جديدًا موصولاً بخط السلف الصالح عليهم الرضوان، وهو التمكين لدين الله وشريعته ومنهجه على الأرض، وقد وعدنا الحق تبارك وتعالى إن صدقنا وآمنَّا حقًّا، وعملنا بهذا؛ فقال: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ (41)﴾ (الحج).

إن من رصيد هذه الأمة المذخور طويَّة هذه الأمة وفطرتها التي فطرها الله عليها، وهي بحمد الله لا تزال يلمؤها الشوق والحنين والتطلع إلى نصرة دينها، والتسابق إلى مسح دموع أبناء الشهداء والمظلومين، وإن الإحساس بالتقصير ليملأ أقطار جميع النفوس، وهذا دليل الإيمان؛ فإن كلمة الحق لا تزال أقوى في حياة المسلمين من كل هذه الدنيا وما فيها من أشكال وألوان؛ فبمجرد أن تصدر هذه الكلمة صادقةً خالصةً تسيل دموع، وتتحرك مشاعر، ويربو الإيمان، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (14)﴾ (الرعد).

وإن من رصيد هذه الأمة المذخور عظمة الرسالة التي تحملها وهي رسالة النور والخير.. رسالة الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهي رسالة العدل الذي لا يعرف الظلم أبدًا، وهي بذلك تجد طريقها إلى القلوب والعقول باسم الله، حتى ولو تعدَّدت ألوان الضلال والفساد والظلم الذي غشي الناس في كل اتجاه.

ومن رصيدها أيضًا هذا الشباب الطاهر البريء الصادق العفيف الذي أقبل على ربه إقبال المؤمنين، واستجاب لدعوته لا في بلد بعينه، ولا في أمة بمفردها.. إنه نورٌ شاع في القلوب، وأضاء للبصيرة.. إنه يتمثل قول الإمام البنا رحمه الله: "هذا أنا.. أنا ورقة بيضاء، ناصعة البياض لم يمسسْها سوء بإذن الله، أرجو أن يتم الله عليَّ نعمته فألقى الله وأنا على هذه الطهارة، وأن يرزقني الله أيضًا الموتة الطاهرة وهي الشهادة، أنا من ضوء محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى ضوء محمد أسير، وهذا سرُّ ما يدركني من نجاح فهو من توفيق الله وحده، إن توفيقي من الله، فالمجهود ليس لي وحدي، ولكنه مجهود جند الله المجهولين ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ (المدثر: من الآية 31).

هذا الشباب الطاهر الذي أعطى دعوته أغلى وأعزَّ ما يملك، ففطم نفسه عن شهواتها، وبذل لها وقته وماله، وفكره ودمه، فلم تعُد تزيده الأيام إلا رشادًا ونقاءً وصفاءً وعزمًا وإصرارًا.

ومن رصيدها الظمأ النفسي والقلق الدائم الذي يعانيه المسلمون.. لقد سئم الناس من الهبوط والتدلِّي، وعافت نفوسهم الانحطاط في الأخلاق، والخراب في الذمم، وبدءوا يتطلعون إلى الهواء النقي، والحياة الكريمة الفاضلة وهي لا توجد إلا في ظل شريعة الإسلام؛ فهو الشفاء والدواء والسعادة والطمأنينة.

أيها الأحباب خلف القضبان...

شاء الله عزَّ وجلَّ أن تكونوا موضع اختبار وامتحان وتكريم من الله عز وجل، وهو العليم بالقلوب وما فيها وقد جاء في الحديث: "يُبتلى الرجل على قدر دينه؛ فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة".

إن لسان حالكم يقول بصراحة كما قال من سبقوكم بالإيمان: "ماذا يفعل الأعداء بي؟ إن قتلي شهادة، وإن سجني خلوة، وإن نفيي سياحة".

إن ظواهر الأمور تختلف عن بواطنها؛ فما يُرى في الظاهر شدةً وضيقًا وألمًا قد يكون في حقيقته عين الرحمة والسعادة، وما قصة أهل الكهف منا ببعيد، وما واقعة سيدنا موسى عليه السلام مع الخضر منا ببعيد أيضًا فلنرجع إلى القرآن، وما قصة مؤمن آل ياسين في اللحظة التي كان يعبُر فيها إلى الآخرة يسمع المنادى يقول له ﴿قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ﴾ (يس: من الآية 26) منا ببعيد؛ أي فوز هذا وأي عظمة تلك، وفي نفس الوقت ينطق وهو في البرزخ بطبيعة المؤمن الذي لا يكره حتى من آذاه فيقول ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ (27)﴾ (يس)!!.

إنه وهو يخطو إلى الجنة يذكِّر الحيارى، يذكِّر التائهين، يذكِّر الذين ظلموه وقتلوه، ويتمنَّى أن قومه هؤلاء يعرفون سبب المغفرة وسبب النجاة من النار.

والمؤمن الشهيد عند الله غالٍ كريم، ينتقم الله له من أعدائه، فيأخذهم جميعًا انتقامًا له، واسمع إلى باقي الآيات.. ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ (28) إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29) يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون (30)﴾ (يس).

يقول المفسرون: كان عدد الذين آذوا مؤمن آل ياسين عشرة آلاف، فبعد أن نفَّذوا فعلتهم الشنعاء، صاح عليهم جبريل عليهم السلام صيحةً واحدةً فخمدت هذه النفوس التي دأبت على الشر وآذت المؤمنين، وقتلت رجلاً يقول لهم ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25)﴾ (يس)، فلم يسمعوا، لكنهم تمادوا حتى وصل الأمر إلى استشهاده فاستحقوا هذا المصير، فمن كان يسير منهم في الطريق خمد في مكانه ومن كان نائمًا خمد في نومه إلى الأبد، ومن كان يقضي حاجته خمد على هذه الصورة، أين هذا الذين نزل بهم من الذي نزل بمؤمن آل ياسين من تكريم؛ تفتح له أبواب الجنة وينادي: ادخل الجنة، هلم إلى الفردوس الأعلى.. امرح مع الحور العين.

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: "إن أرواح الشهداء في جوف طيور خضر ترد الجنة فتأكل من ثمارها وتشرب من مائها ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش فتبيت فيها".

أيها الأحباب.. أما أولادكم، أما زوجاتكم، أما أهلكم جميعًا، فهم أمانة لا في ذمة مخلوق- وماذا يملك المخلوق الضعيف؟!- إنهم جميعًا في ذمة قيوم السماوات والأرض الذي نسأله سبحانه أن نكون جميعًا في حفظه وفي كنفه وفي رعايته.. إنه نعم المولى ونعم النصير.

---------

* من علماء الأزهر الشريف.



السبت، أبريل 10، 2010

المرشد العام وحديث من القلب (19)[10/04/2010][10:03 مكة المكرمة]

المرشد العام وحديث من القلب (19)[10/04/2010][10:03 مكة المكرمة]






فضيلة الأستاذ الدكتور محمد بديع











ضريبة العمل الدعوي



بقلم: أ. د. محمد بديع- المرشد العام للإخوان المسلمين



الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.. إخوتي وأخواتي أحبابي في الله.. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.







نستكمل حديثنا من القلب إلى القلوب، وأسأل الله عزَّ وجلَّ أن ينفعنا وإياكم به، وأن يجعلنا من الذين يستمعون إلى القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هدى الله.







حديثنا اليوم عن بعض المواقف المستفادة تربويًّا من سورة البروج، وإنزال ما فيها من عِبرٍ على واقعنا اليوم؛ لأن هذا النموذج أقصى ما وصل إليه أعداء الحق بأن يتصوروا واهمين القضاء على هذا الحق بحرق أصحابه.. واهمين في القضاء على مَن يحملون الحق، فالقضاء على الحقِّ وَهْم.







سخر الله منهم في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8)﴾ (الصف).







إذا أراد الله لهذا النور أن ينتشر، قد ينتشر على أشلاء ضحايا لقوا ربهم شهداء يشهدون على هؤلاء الظالمين ببغيهم وطغيانهم، وقد ينتشر على أيدي حتى أعداء الإسلام بأن يسخرهم الله عزَّ وجلَّ..



إذا أراد الله نشر فضيلةٍ طُويت أتاح لها لسان حسود







هؤلاء المؤمنون حُفِرَ لهم أخدود ليُحرقوا بالنَّار، وكان تصوُّر أعداء الإسلام كما قال رب العزة: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ (الأنفال: من الآية 30)، ولن تجدوا في مكر أعداء الإسلام لأصحاب الحق وحملة هذه الراية وهذا النور إلا هذه الوسائل؛ لأنهم قد يئسوا من هذا الدين ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا﴾ (المائدة: من الآية 3).







هذا الحريق الهائل الضخم، تشير الآيات إلى أن هؤلاء ألقوا بالمؤمنين في النار بغيةَ القضاء على الحق الذي يحملونه، فانظروا إلى الطفل الرضيع على كتف أمه ينطق بالفطرة وبمعجزةٍ أرادها الله عزَّ وجلَّ لتثبيت أمه صاحبة القلب الرءوم، والإيمان القلبي العميق، يقول لها طفلها: يا أماه لا تتقاعسي إنك على الحق.







أبعد هذا تثبيت مادي بعد التثبيت الإيماني والروحي من ربِّ العزة، ثم تعالوا إلى الموقف الآخر هؤلاء الذين يَحرقون أهل الحق ويتصورون أنهم بهذا يقضون على الحق أليس هذا على عين الله عزَّ وجلَّ يراه ويشهده؟.. نعم، والآيات تقطع بهذا: ﴿وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9)﴾ (البروج)، أي أن الله عزَّ وجلَّ قد يرى أن في بقاء أهل الحق حاملين لهذه الراية مهما ضحوا.. هذه إرادته سبحانه وتعالى يتركها تحدث؛ لأن في هذا موقف إشهاد للبشرية، هؤلاء الناس حملة الحق فلولا أنهم يعرفون أن ما يحملون غالٍ يستحق التضحية بالنفس والمال والغالي والنفيس لما فعلوا، لذلك سُمي الشهيد شهيدًا؛ لأنه يشهد على الأمة بل على البشرية أني أحمل حقًّا وأضحي في سبيل الله بما أملك بروحي ونفسي ومالي وكل ما أملك.







الله عزَّ وجلَّ يرى هذا، ويريد أن يحدث ويرضى لعباده ويُعد لهم شهادةً تجعلهم أحياء عند ربهم يُرزقون، ويريد لأهل الباطل أن يقعوا في هذه الجريمة النكراء الشنعاء بأن يحرقوا أهل الحق العُزّل ليقعوا في أكبر جريمة، كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل نفس مؤمنة".







انظروا في واقعنا الحديث إذا أراد الله عزَّ وجلَّ أن يجعل قطرات دم الشهيد لعنةً تتابع هؤلاء الصهاينة، انظروا إلى ما فعل رب العزة بهذه الدماء الزكية؛ حيث تتبع قطرات دم الشهيد محمود المبحوح كل المجرمين الذين شاركوا في هذه الجريمة النكراء في كلِّ بقاع الدنيا، وما زالت أصداؤها تتوالى وما زالت توابع هذا الزلزال بقتل هذه النفس المؤمنة نراها بين يومٍ وآخر، إذًا اللهُ عزَّ وجلَّ يرى هذا الذي يحدث ويعلمه، وقد قدَّره وإن كان لا يرضى بما يقع على المسلمين المؤمنين من جرائم من أعداء الإسلام لكنه يريد بهذا نصرة الدين، ورفعة شأن هؤلاء الشهداء عند الله سبحانه وتعالى.







يقول رب العزة في ختام هذه الآيات: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22)﴾ (البروج)، بعد هذا الابتلاء وهذه الفتنة يكون هذا هو الختام.. نعم الحق الذي يحمله أهل ابتغاء مرضات الله وطمعًا في جنته، لا تقلقوا عليه، اطمئنوا على حفظ الله لهذا المنهاج، اقلقوا فقط على أنفسكم واسألوا الله لكم بالثبات حتى لا تتزعزع عزيمتكم: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)﴾ (آل عمران).







يا أهل الحق في كلِّ مكان وزمان.. احملوا الحق، وأنتم تحملون اسمًا من أسماء الله الحسنى، احملوا الحق وارفعوا رايته عاليةً، وأنتم على يقين أن الله ناصره ومؤيده ومحقّقه، وأن ما يحدث لنا في هذا الطريق ابتغاء مرضات الله أجرُنا قد وقع فيه على الله عزَّ وجلَّ، ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (النساء: من الآية 100)، هذا الحق الذي تحملونه، وهذا المنهاج الذي نتشرف بحمله في جماعة الإخوان المسلمين منهاج الإسلام الشامل الكامل من القرآن والسنة.. هذا الحق.. الله عزَّ وجلَّ تعهد بحفظه، ويطالبنا عزَّ وجلَّ أن نثبت على حمل هذه الأمانة، والله عزَّ وجلَّ بالغ أمره ولكنه سبحانه قد جعل لكل شيء قدرًا، فانتظروا عون الله وتأييده، وتأكدوا من نصرة الله عزَّ وجلَّ للذي تحملونه، وانتظروا أجر الله كما وصَّاكم حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم: "اصبروا حتى تلقوني على الحوض"، ونسأل الله عزَّ وجلَّ أن يثبتنا وإياكم على هذا الحق حتى نلقى ربنا عزَّ وجلَّ غير خزايا ولا ندامى، ولا مبدلين ولا فاتنين ولامفتونين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.







شاهد الكلمة متلفزة











السبت، أبريل 03، 2010

رسالة فضيلة المرشد العام : متى يدرك الحكام أن واجبهم خدمة الأمة؟

رسالة فضيلة المرشد العام : متى يدرك الحكام أن واجبهم خدمة الأمة؟










01/04/2010jb



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه ... وبعد ,,,



فالحاكم في الإسلام له مكانته الرفيعة لما يقوم به من مهمة عظيمة في خدمة أمته، يقول صلى الله عليه وسلم : "إنما الإمام جُنة، يقاتل من ورائه، ويتقى به"متفق عليه، وذلك بشرط أن يحقق العدل في شعبه ومسؤوليته وأمانته، يقول صلى الله عليه وسلم : "إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم مني مجلساً : إمام عادل، وأبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأبعدهم مني مجلساً إمام جائر" الترمذي .



فهل حكام الأمة في حاجة إلى نداء ليذكرهم بما أوجبه الإسلام عليهم من حسن إعداد للأمة، ورد الهجمات المتوالية عليها والتي لا تهدأ ؟ هل حكام الأمة في حاجة إلى تذكير لهم بأن بلدان أمتنا تقع بين الاحتلال أو الهيمنة، في عبث فاضح من المشروع الأمريكي الصهيوني، واستهتاره بنا على شتى الاتجاهات؟ هل حكام الأمة في حاجة إلى من يساعدهم على إدراك أن نصرة المسجد الأقصى، وحماية المقدسات الإسلامية واجبة عليهم، قبل فوات الأوان ؟



يقول الحاكم العادل عمر بن الخطاب في رسالته لحكام الأمة : " أما بعد فإن أسعد الولاة من سعدت به رعيته، وإن أشقى الولاة من شقيت به رعيته "، وبهذا الميزان يُقاس الحكام، وتوزن الشعوب، وتُفهم الأمم، فاليوم قد أدركت شعوب الأمة بأن تقاعس حكامها أصبح مرضاً مزمناً، بعد أن رأت النكبات على يد حكامها بعقد مؤتمرات وندوات وقمم، لا تسفر إلا عن الشجب والتنديد والاستنكار .



وهذا ما جعل أعداء الأمة لا يخشون عقاباً على جرائمهم، ولا يبالون بأحد حتى ولو أعلنت الشعوب أنها سئمت من هذه الأساليب الاستسلامية الانهزامية، التي يمارسها الحكام في مواجهة الهيمنة أو الاحتلال أو الحصار، أو حتى في إيقاف الغطرسة وتدنيس المقدسات، فمتى يفيق الحكام لأداء دورهم ؟ ومتى يدركون أن المواجهة الحقيقية تتطلب منهم : التكاتف والاتحاد وترك الخلاف الذي مزق قوتهم، مع أن نداء الله واضح في قوله تعالى : ( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ) آل عمران : من الآية 103 .



إن حكام المليار ونصف مليار في استطاعتهم أن يواجهوا بضعة ملايين من صهاينة يعبثون بمقدساتنا، كما في استطاعتهم أن يحققوا النصر المنشود، خاصة وفي أيديهم خزائن بلداننا التي يتحكمون في إدارة دفتها .



وإن حكام - هذه الشعوب الأبية - التي وقفت ولا تزال إلى جانب الحق، فهبت ضد الاحتلال، ورفضت الهيمنة - في استطاعتهم التصدي لإيقاف الصهاينة عند حدهم، متدرعين بشعوبهم .



وإن حكام – هذه الأمة التي كتب الله لها العزة – باستطاعتهم إنقاذ المسلمات الأسيرات في سجون الصهاينة، اللاتي يصرخن ويستغثن وينادين برفع الذل والإهانة عنهن .

فيا حكام أمتنا ...



رحم الله الحسن البصري وهو يصف الحاكم العادل كما أراده الله تعالى، فيقول : " إن الله جعل الإمام العادل : قوام كل مائل، وقصد كل جائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف، وهو القائم بين الله وعباده، يسمع كلام الله ويسمعهم، وينظر إلى الله ويريهم، وينقاد إلى الله ويقودهم، وهو الذي لا يحكم في عباده بحكم الجاهلية، ولا يسلك بهم سبيل الظالمين، ولا يسلط المستكبرين على المستضعفين " العقد الفريد .



فيا حكام المسلمين :





إن الإسلام الذي تنتسبون إليه، يناديكم بأن حال الأمة لا يستقيم إلا بالجهاد، يقول تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ )(التوبة: من الآية38)، فنهضتنا ورفعتنا ومجدنا مرهون بهذه الاستقامة، التي لن تتحقق، إلا بالمقاومة وتأييدها بكل ما تملكون من المال والسلاح والإعلام والنفس والنفيس .

واعلموا أن الشعوب ترقب فيكم الخير، فلا تخيبوا آمالها، فأنتم في أعظم مواقف التجارة مع الله، لقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)(الصف: 10 - 11)



وانظروا إلى حكام أمتنا الذين سطروا حروفاً من نور في تاريخها، فطردوا الذل والاستهانة ، على يد القائد صلاح الدين الأيوبي، بعد أن عاث الصليبيون بأمتنا فساداً، لأكثر من تسعين عاماً، وطردوا التتار على يد القائد سيف الدين قطز، بعد مرور أربعة أعوام أهلكوا فيها الأخضر واليابس .



وفي تاريخنا القريب آية الله في نصر العاشر من رمضان، شاهداً على أن النصر محقق إذا أخذنا بكافة أسبابه، ومؤكداً أن استمرار النصر إنما يكون بالمحافظة على هذه الأسباب، وهي متوفرة في أمتنا، فلماذا التهاون؟ ولِمَ نقبل بالتراجع ؟ أمام عدو صفته الأساسية الفرار بين أيدي المؤمنين، لقوله تعالى : (لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ)(الحشر:14)



فمن واجباتكم يا حكام الأمة اليوم :



وقف المفاوضات العبثية المباشرة أو غير المباشرة ودعم جميع أشكال المقاومة لتحرير كل شبر محتل في فلسطين والعراق وأفغانستان، وفي كافة أرجاء عالمنا الإسلامي .

مرجعيتكم كما اتفق العلماء من الكتاب والسنة، وليس من قرارات الأمم المتحدة، أو إملاءات الصهاينة والأمريكان، وتحقيق ذلك يتم بإعلانكم أن قضية فلسطين وقضايا البلدان الإسلامية المحتلة هى جوهر قضيتكم .



دعم شعوبكم الحرة بهيئاتها ومؤسساتها، في مطالبها المتكررة، من : المقاطعة ووقف التطبيع، ودعم المقاومة والمقاومين، والسماح لهذه الشعوب بالتعبير السلمي في إنقاذ وإغاثة الأقصى والغيرة على مقدساتنا، وليس بالتمادي في اعتقال الشرفاء بتهمة نصرة الأقصى، وإطلاق السراح الفوري لكل الذين هبوا لإعلان غضبتهم من كل المهن والطلاب والعمال والبسطاء الذين اعتقلوا مؤخراً، أم أن الأمر كما جاء على لسان أحد حكام العرب : " جيوشنا مجهزة لقمع شعوبنا " ، وتأملوا ما كتبه الخليفة على بن أبي طالب لحاكم مصر : " فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح، وأشعر قلبك بالرحمة للرعية واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم " .



إلغاء كافة معاهدات الاستسلام، فإن باعتداءات الصهاينة المتكررة، وبجرائمهم المستمرة على القدس، نقض للمعاهدات، واعتداء على سيادة بلداننا وأمتنا معاً، خاصة معاهدة كامب ديفيد التي أطلق عليها وزير خارجية مصر آنذاك : مذبحة التنازلات، وقدم استقالته، وقد كشف القانونيين عن أن اتفاقية كامب ديفيد الموقعة في 26 مارس من عام 1979 تمثل مخالفة للدستور المصري وانتهاكاً لقرارات الأمم المتحدة ومن ثم لا يحق للمسئولين المصريين التمسك والالتزام بها، كما كشفوا النقاب عن أن الاتفاقية تخالف اتفاقية " فيينا " المتعلقة بالمعاهدات الدولية في مادتها رقم 35 التي تؤكد : "كل معاهدة تعد باطلة إذا خالفت قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي، وقد خالفت كامب ديفيد في جميع نصوص وثائقها قواعد القانون الدولي الآمرة"، في حين يري بعض الخبراء : كون هذه الاتفاقية لا مدى زمني لها يعد مخالفة صريحة، لأن كل اتفاقية تراجع أو تنتهي من تلقاء نفسها بعد مرور 30 عاما .

فيا حكام أمتنا :





كيف تحكمون الأمة، وأرضها منتهكة ؟





وكيف تصادقون عدواً وهو يدنس المقدسات ؟





هل تغير نتنياهو الذي أعلن في غطرسة عن ضم الحرم الابراهيمي للتراث اليهودي، ويسعى حثيثاً لهدم الأقصى، ويدنس الأرض المباركة بكنيس الخراب - الذى هو تتويج لأكثر من 61 كنيساً يهودياً - ويمنع المصلين من دخول الأقصى، ويقتل الفلسطينيين بالرصاص الحى؟ ويعلن مؤخراً : أن البناء في القدس مثل البناء في تل أبيب لأن القدس عاصمة إسرائيل.



وهل تغير أوباما الذى لم تمنعه كلماته المعسولة – في عواصمنا - من إرسال المزيد من جنوده في أفغانستان، بل ويباركها بزيارة أخيرة لتكريس الاحتلال، ويمد العدو الصهيونى بكل الدعم المادى والمعنوى، ويتمادى في غيه مؤيداً ومسانداً للاستبداد والفساد، في عالمنا العربي والإسلامي ؟ .



وأخيراً :



هذا تحذير ودعاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكل حاكم ينأى عن العدل والحق، ويتخذ الظلم والجور مسلكاً، الذين نراهم يخالفون أوامر الله ورسوله أشداء على المؤمنين ومجاهديهم رحماء بالعدو الصهيونى وجواسيسهم ، ونص الدعاء النبوى الشريف "اللهم من ولى من أمر أمتى شيئا فرفق بهم فارفق به ، ومن ولى من أمر أمتى شيئا فشق عليهم فاشقق عليه" وهذه دعوة مستجابة لا محالة بإذن الله .



فلماذا الانبطاح أمام الهيمنة الصهيونية والجبروت الأمريكي باسم المصالح ؟ ولماذا الانفصال الحاد بينكم وبين شعوبكم، وبين مصلحة بلادكم، مما بات يهدد الأمن القومي لأوطانكم ويفقدنا السيادة؟ ولماذا لا تحتضنون المقاومة ضد الاحتلال، فهى لم تكن يوماً ضدكم أو ضد حكوماتكم؟ ولماذا لا تتوحدون أمام العدو الصهيوني، وتعلنون في قوة : لا للاستمرار في الاستسلام باسم المفاوضات؟ ولماذا لا تشجعون شعوبكم ولجان الإغاثة - الداعمة للمقاومة - في الاستمرار بالقيام بدورها ؟، اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد .



القاهرة فى : 16 من ربيع الآخر 1431هـ الموافق 1 إبريل 2010م