الخميس، أغسطس 12، 2010

رمضان.. شهر بناء الإرادة وتحريرها[12/08/2010][12:37 مكة المكرمة]

رمضان.. شهر بناء الإرادة وتحريرها[12/08/2010][12:37 مكة المكرمة]














رسالة من أ. د. محمد بديع- المرشد العام للإخوان المسلمين



الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد..



فمع إشراقة رمضان ونسماته العطرة، تفوح في الأفق فضائله التي منَّ الله علينا بها، فهو شهر القرآن؛ دستور الأمة.. ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: من الآية 185).







وفيه تضاعف الحسنات، وتفتح أبواب الجنة، وتغلق أبواب النار.. "إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين"، وفيه ليلة القدر؛ التي هي خير من ألف شهر، كما قال المعصوم: "فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم"، وفيه تتحقق التقوى بأجلِّ صورها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾ (البقرة)، ولقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أدرك رمضان ولو مرة ولم يغفر له بقوله: "رغم أنفه"، وهو شهر الانتصارات العظيمة في التاريخ الإسلامي قديمًا وحديثًَا، ففيه غزوة بدر الكبرى، وفيه فُتحت مكة، وغيرهما من الانتصارات المجيدة، كان آخرها نصر العاشر من رمضان الذي دخل الجنود معركته وهم صائمون، ولعل من أهم أسباب هذه الانتصارات هو التحلِّي بالمعاني الحقيقية التي يرسِّخها الصيام في النفوس، ومن أهمها وأبرزها تحرير الإرادة بكلِّ معانيها وعلى كل مستوياتها، فكما أن الصوم يهدف إلى تحقيق التقوى في النفوس، فهو كذلك يبني الإرادة الحرة، وكما أن جوهر الإخلاص وحقيقته هو التحرر من الخضوع لكلِّ قوة من دون الله مهما بلغت؛ فإن الصوم وسيلة لتحرير الإنسان من عبودية الإنسان والعادات والشهوات، فمن تدرَّب على أن يمتنع- باختياره- عن شهواته وملذاته، ويصرُّ على الامتناع عنها؛ لا لشيء إلا طاعة لله، فلا بد أن تخرَّ أمامه الأهواء والعادات، ويشعر بالنصر عليها.







فالمحرمات على الصائم شديدة الصلة بحياته اليومية، وذلك لتعميق الأثر في تربية الإرادة في نفسه لتجعله أقوى على ترويضها، والتحرُّر من سطوة الغريزة ومكايدها، ولتقوية عزيمته وشحذ همته، فالصوم يحدُّ من طغيان الجسد على الروح، والمادية على الإنسانية، والعبودية على الحرية، فإرادة الإنسان عندما تخضع لإرادة الله سبحانه وتعالى لا تذوب لتموت، وإنما تذوب لتحيا وتدوم، فكيف بإنسان انتصر على شهواته الحلال الضرورية أن ينهزم أمام شهوات حرام.







لذا يعدُّ الصيام من أكثر العبادات دعمًا للروح في الإنسان؛ لأن الصيام يضعف الشهوات التي يزكيها إفراطه في الطعام والشراب، وبذلك يحقق الغاية في الارتقاء بروحه إلى مرتبة كمال الخشية من الله، وتمام الالتزام بما تقتضيه تلك العبادة من ضوابط وأخلاق وآداب؛ بحيث يقيم الصائم من نفسه رقيبًا على نفسه، فلا يرائي الناس بصومه فيعالجه الصيام من هذا الداء الذي هو أخوف ما يخافه علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسماه الشرك الأصغر حتى يؤدي صومه على الوجه الأكمل الذي يريده ربنا ويرضاه، حتى يصل إلى منزلة الربانيين الذين يعظِّمون شعائر المولى عزَّ وجلَّ قولاً وعملاً، فتصير حركاتهم وسكناتهم وصلاتهم ونسكهم ومحياهم ومماتهم لله رب العالمين ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)﴾ (الأنعام:).







وهذا هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم"، الذي يربي في المسلم قوة الإرادة ويجعل من الصوم وسيلةً لتحسين الأخلاق، وكظم الغيظ، ومواجهة الأذى والجهل بالعفو والصفح.







والمسلم في رمضان يخالف عاداته ويتحرَّر من أسرِها، ويترك مألوفاته التي أحلَّ الله له؛ فتراه ممتنعًا عن الطعام والشراب والشهوة في نهار رمضان امتثالاً لأوامر الله عزَّ وجلَّ، وبذلك يصبح الصوم عند المسلم مجالاً رحبًا لتقوية الإرادة؛ فيستعلي على حاجيات الجسد، إيثارًا لما عند الله تعالى من الأجر والثواب.







بين الإرادة والحرية:



فالإرادة إذن هي القوة التي تُمَكِّن الإنسان من أن يقول: (نعم) أو (لا) بكامل حريته النابعة من عبوديته لله وحده لا شريك له عندما تدعوه شهوة أو عاطفة، أو يحاول ظالم أن يوظِّفه لخدمة أغراضه ومطامعه، ويكون إمامه وقائده في ذلك تقوى الله ورضاه، فالقدرة على الرفض والامتناع أقوى من القدرة على القبول والإيجاب؛ لذا فعندما تحرَّرت إرادة المسلمين الأوائل من جواذب نفوسهم الأرضية وحققوا في أنفسهم المعاني الحقيقية للصيام استحقوا نصر الله، ودانت لهم الدنيا، فإذا كنا نريد تحقيق النصر فعلينا تحرير أنفسنا وإرادتنا كما فعل أسلافنا.







وهكذا الصيام يربي الإنسان على أن يكون حرًّا في حياته كلها؛ بحيث لا تستعبده شهوة، ولا تقهره عاطفة، ولا يملك مصيره إنسان، أيًّا كان ذلك الإنسان. وهكذا يكون سيِّد نفسه، ويملك أن يريد أو لا يريد، كما أنه ينمي استقلال الإرادة، ويمرِّن الصائم على اعتياد التحرر ليواجه التحديات والصعاب بمزيد من الثبات والعزم والجلد، فلا يذلُّ ولا يستكين، فالصوم إلى جانب كونه ترويضًا للنفس لتربيتها على الإرادة، فهو عبادة لله، يتقرب بها المسلم إلى الله.







فإذا استفاد المسلم من هذا الشهر المبارك فقويت عزيمته وإرادته، وطالت مدة التغيير فاستوعبت الشهر كله، فتترسَّخ الصفات، ويصبح متين الخلق وليس صاحب خلق فقط، ووجد العون من المجتمع؛ بحيث يكون مشاركًا له في هذه العبادات والقربات، فيكون الكل مشاركًا في عملية التغيير؛ مما يعين على امتداد الأثر ليشمل حياته كلها، وهنا فرقٌ بين أن أشارك المجتمع ويشاركني في الخير وبين أن أكون إمَّعة؛ لأن الإنسان في الحالة الأخيرة سيشارك المجتمع في الإساءة إذا وجد الناس يسيئون؛ لذا قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تكونوا إمعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنَّا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطِّنوا أنفسكم؛ إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا أن لا تظلموا".







والإنسان عمومًا تتجاذبه نزعتان: الأولى مادية.. مصدرها العنصر المادي في تكوينه، ومنها تصدر التصرفات غير السوية في سلوكه إذا أرضى ماديته فقط ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ (التوبة: من الآية 38)، والثانية روحية تدفعه دائمًا إلى أن يرتفع في تصرفاته عن كل ما ينتقص دينه أو خلقه، وهي التي يستعلي بها عن الدنايا والخطايا.







والعبادات في الإسلام تستهدف دعم العنصر الروحي في الإنسان حتى تتمَّ له الغلبة على العنصر المادي، وكلما قوِيَ العنصر الروحي فيه كانت صلته بربه أشدَّ رسوخًا وأكثر شموخًا، وهنا يأتي الصوم ليزكي النزعة الثانية ويرسخها في النفس، وبذلك يروِّض الصائم نفسه ويحرِّر إرادته من آثار النزعات والرغبات والشهوات، وبذلك تتحرَّر إرادته ذاتيًّا.







وتلك التجربة العظيمة في ترويض النفس بالجوع وتحرير الإرادة بالحرمان وتقوية العزيمة بالصيام جديرةٌ في ذاتها بالتقدير والاعتبار؛ لما لها من أثر بالغ في تربية شخصية المسلم الصائم، وصقلها، وتنقيتها من شوائب الضعف والوهن والخمول، وبهذا يتحقق فينا "المسلم القوي الأمين" الذي هو أحب إلى الله جلَّ جلاله، كما أخبر عن ذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم في قوله: "المؤمن القويُّ خيرٌ وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف".







تحرَّر في رمضان



فلنجعل من رمضان فرصةً لتقوية الإرادة والاستعلاء على الشهوات والمألوفات، والتحرُّر من أسر العادات، حتى نكون ممن أدركهم الله برحمته فوفِّقوا لصيام رمضان وقيامه إيمانًا واحتسابًا فغُفر لهم، فالصيام رياضة قلبية وليس حرمانًا جسديًّا، فنحن في أمسِّ الحاجة إلى أن نعرج بأرواحنا في رمضان من خلال تعزيز إرادتنا وتقويتها، وأعظم العلامات على ذلك الامتثال لما أمرنا الله به والامتناع عما نهانا عنه، حتى تشف أرواحنا وتقوى فتتعامل بتفاعل مع القرآن: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52)﴾ (الشورى:52).







إن قوة العزيمة والإرادة التي يرسِّخها الصوم في نفوسنا هي ما تحتاجه الأمة في مواجهة الأهواء والشهوات والفتن والتحديات، وتحتاجها لمواجهة ميل النفوس إلى الدعة والراحة وإيثار السلامة على الجهاد والتضحية والبذل والعطاء.







فنحن في حاجة لأن تتحرَّر إرادة الأمة وإرادة قادتها من الجواذب الأرضية والعمل الجادّ والحثيث؛ لتغليب الصالح العام على الخاص، ومناصرة قضايا الأمة والذَّود عنها، وعدم الترخُّص فيها وعدم الركون إلى الدعة وإيثار السلامة على مواجهة التحديات والتغلب عليها.







إن التغيير الذي يحدثه رمضان في النفوس ليس فرديًّا وحسب، ولكنه تغيير جماعي على كلِّ المستويات ويشمل الأمة بجميع عناصرها، فالأمة في أمسِّ الحاجة إلى تحرير إرادتها، وفي المقدمة منها رؤساؤها وزعماؤها، فهم مطالبون بتحرير إرادتهم من تأثير كل تبعية خارجية لا ترجو الخير للأمة ولا لمستقبلها، فهم لا يملكون لكم نفعًا ولا ضرًّا ولا عزًّا، كما قال ربنا عزَّ وجلَّ: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139)﴾ (النساء: 139)، وليعلموا أن في تحرير إرادتهم تحريرًا لإرادة الأمة جمعاء، وإن تثاقلوا وتباطئوا فسوف يبوءون بإثم الأمة جمعاء، وستتمُّ سنة الله في الكون، وسوف يتم التغيير وستتجاوزهم الأحداث، فليقُمْ كلٌّ بدوره المنوط به، وليؤدِّ واجبه المفروض عليه غير متخاذل ولا منكسر، ولتعلموا أن شعوبكم أعظم سند لكم، فانحازوا لهم واحتموا بهم.







أيها الإخوان المسلمون.. أيها الناس أجمعون..



إن الباعث الحقيقي للتغيير داخلي؛ لذلك فمن انهزم داخل نفسه كان أعجز من أن ينتصر على غيره، فلنجعل من رمضان فرصةً حقيقيةً للتغيير والانطلاق الجادِّ نحو تحرير إرادتنا على كلِّ الأصعدة، والتمسك التامِّ بما يأمرنا الله به، والعمل الجادِّ لتحقيق أوامره وتطبيقها على أنفسنا، واعلموا أن تحرير إرادتنا هو سرُّ قوتنا ونصرنا وعدم تحكم أي قوة فينا، وهو الدافع الحقيقي لرفض الإهانة والذلِّ والهوان الذي قد يرضى به بعض ضعاف النفوس ممن لا يَحيون صوم رمضان واقعًا معيشًا.







إن أول الهم إرادة، وآخر الهم همة، فلنتحركْ ولندعُ إلى الله في كلِّ وقت وحين، ولا نهدأ ولا نملّ، ولنجعل من التربية الرمضانية زادًا روحيًّا لنا؛ لتحقيق مستهدفاتنا، ولنبذل أقصى وُسع لنا في تحقيق ذلك، وليكن شعارنا كما قال بعض السلف: "أعظم الناس وسعًا أعظمهم إيمانًا"، واعلموا أن أولى الخطوات على طريق النصر هي تحرير الإرادة من كلِّ الجواذب الأرضية.







أيها القادة والرؤساء والزعماء..



إن رمضان فرصة لتحرِّروا إرادتكم، وتتحلَّوا بأخلاق الصيام وشمائله، وتنحازوا إلى مصالح أمتكم وشعوبكم؛ كي تنالوا رضا ربكم وثقة شعوبكم وأمتكم، فإن ما عليه الأمة من ذلٍّ وهوان هو نتاج سياساتكم البعيدة عن مصالح شعوبكم والمؤْثرة للمصالح الخاصة على العامة؛ فعودوا إلى ربكم في هذا الشهر الكريم، وحرِّروا إرادتكم لله رب العالمين.. ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)﴾ (الحج).







أيها الأحباب خلف الأسوار..



لقد ضربتم بثباتكم وصبركم- ومعكم أسركم وأبناؤكم- أعظم المثل في تحرير إرادتكم، وعدم تحكُّم أحد- أيًّا كان- فيكم، وواجهتم جميعًا ما أنتم فيه بعزم لا يعرف العجز ولا الهزيمة.. اعلموا أن المنهزم هو الذي لم يستطع أن ينال من إيمانكم وفكركم، وهؤلاء هم من ستخور إرادتهم إن لم يفيئوا إلى رشدهم، ويعودوا إلى طريق ربهم.. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21)﴾ (يوسف).







أعانكم الله على طاعته وبرِّه، وعجَّل لكم بفرجه القريب عاجلاً غير آجل، وخَلَفَكم في دعوتكم وأمتكم وأهليكم وأبنائكم وأموالكم بخير ما يخلف به عباده الصالحين.







وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين، والله أكبر ولله الحمد.





السبت، أغسطس 07، 2010

رمضان فرصة فاغتنمها.. الإمام حسن البنا

رمضان فرصة فاغتنمها.. الإمام حسن البنا




03/08/2010

إنه هلال رمضان، الله أكبر الله أكبر، ربي وربك الله، اللهم أهلَّهُ علينا باليُمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى، هلال خير ورشد، آمنت بالذي خلقه، الحمد لله الذي ذهب بشهر شعبان وجاء بشهر رمضان.

فى مثل هذا الوقت من العام الفائت كنا نستقبل رمضان، وها هو قد عاد في هذا العام بعدته المشرقة، وطلعته البراقة المنيرة؛ لنستقبله مرةً أخرى؛ فمرحبًا بشهر الطاعة والتزكية والعبادة والطهر.

وتُرَى هل شعر أحدنا بأنها حلقةٌ من سلسلة الحياة المحدودة الحلقات نقصت، ومرحلةٌ من مراحل الأجل المعدودة قُطعت، وخطوةٌ في طريق الحياة إلى النهاية الغائبة عن كل إنسان لا تدري كم كُتب بعدها لكل منا من خطوات؟! لقد تلاشت هذه الأوقات في محيط الماضي الواسع الفسيح، وذابت في طيات أمواجه كما يذوب الجليد، صهرتْه الشمس، وفَنِيت فناءً لن تعود بعده أبدًا، وهكذا تتلاحق الأعوام وتتابع السنون.

حبَّذا لو كان كل واحد منا يحاسب نفسه إذا أصبح وإذا أمسى عن هذه الساعات التي هي أجزاء حياته: فيم أنفقها؟ وما الذي اكتسبه فيها؟ وإلى أي مصير أدَّته؟ وما من يوم ينشق إلا وينادَى: "يا ابن آدم، أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فاغتنم مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة" (انظر: حلية الأولياء للأصبهاني 2/302).

ما أرخص الوقت في نظرنا وهو أغلى شيء، أليس الوقت هو الحياة؟ لقد قالوا: إن الوقت من ذهب، ولا أراهم إلا قصَّروا؛ فإن الذهب إن ضاع منك عوَّضته، والوقت إن ضاع لم تعوِّضه ولو أنفقت ملء الأرض ذهبًا، ومن ذا الذي يقيس الحياة بالذهب؟! إن الذي جعل الوقت من ذهب بخَسَه حقَّه؛ فالوقت في حياتنا هو كل شيء، وإن كنا لم نعتبره بعدُ شيئًا، وأعتقد أننا في اللحظة التي نقدِّر فيها أوقاتنا، ونعرف كيف ننفقها فيما يتفق مع قيمتها، ويتناسب مع قدرها، نصبح أرقى الأمم، وأسعد الشعوب؛ فهل يقدر هذا لنا، نحن الذين ضبط لنا الإسلام الأوقات ضبطًا، ليس أدقَّ منه ولا أروع، وجعل للذين يراعون الشمس والقمر منزلةً فى الجنة؟!

تعالوا يا أحبائي نرَ الذي استفدناه لأنفسنا أو لأمتنا خلال عام كامل مضى، بدقائقه وساعاته وأيامه ولياليه، هل اهتدينا في رمضان الماضي إلى أسلوب صحيح من أساليب تربية النفوس، وتطهير الأرواح، وتزكية الأخلاق؛ فحرصنا عليه، ونهجنا نهجه حتى جاء رمضان هذا العام، فإذا نحن أزكى نفوسًا، وأصفى أرواحًا، وأطهر أخلاقًا من ذى قبل؟!

هل تمكَّن قطر شرقي إسلامي خلال هذا العام من فرصة سانحة كسَر فيها القيودَ والأغلالَ، وخلص مما هو فيه من الويلات، واندفع في طريق الترقي والكمال؟!

هل وُفِّقَت حكومة إسلامية أو زعامة شرقية إلى وضع ناموس اجتماعي يوقف تيار هذا الفساد الخلقي والاضطراب الاجتماعي والألم النفسي الذي يشمل كل مرافق الحياة، وكان له في النفوس أسوأ الأثر وأعظم الضرر؟!

هل أُجلي خصم من خصوم الإسلام عن ديار الإسلام؟ .. لا.

وهل عادت أحكام الإسلام وتعاليم الإسلام في أمة من الأمم كما يريد الإسلام؟ .. لا.

وهل صلَحت أخلاق أبناء الإسلام كما يريد الإسلام؟

وهل أخذ المسلمون بأحكام القرآن الكريم، وطالما سمعوه ووعوه، وهم يعلمون أنه أساس الإسلام؟ .. لا.

إذن.. لم يَجدَّ علينا جديد نُسَرُّ به ونفرح له، ولا زلنا في موقفنا حيث نحن كما كنا منذ عام، وإذا استمر الحال على ذلك لم يزِدْنا مَرُّ الأيام إلا تأخرًا، وذلك ما يذيب لفائف القلب لوعةً وأسى.

ولئن كان التفريط في الماضي جريمةً فإنه في المستقبل أشدُّ جرمًا وأكبر إثمًا، فهيَّا يا أبناء الإسلام ننتهز فرصة رمضان الجديد لنتجدد.

تجدَّدوا يا شباب الإسلام.. اخلعوا هذه النفوس الرثَّة البالية الخليقة، الماجنة الطاغية، الكاسية الضعيفة، الناعمة الغارقة في الأماني والشهوات، واستبدِلوا بها في رمضان الجديد نفوسًا أخرى، جريئةً في الحق، شاعرةً بالواجب، مقدِّرةً للأمانة، كلها فتوَّة وهمَّة وقوَّة، ونزوع إلى المعالي، وعزوف عن الصغائر، وطموح إلى المجد الذي خلده الله لكم في كتابه؛ إذ يقول: ﴿وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون: 8).

جدِّدوا أنفسكم، وزكُّوا أرواحكم، واستعينوا بالصلاة والصيام والطاعة والقيام، وجدِّدوا توبةً نصوحًا تُرضي ربكم، فيرضى بها عنكم، واحذروا أن يمرَّ بكم رمضان فلا تصقل به النفوس، ولا تزكَّى به السرائر، ولا تُطهَّر به الأرواح، وليس بجميل أن ينادي منادي الحق- تبارك وتعالى- وقد جاء رمضان: "يا باغي الشر أقصر، ويا باغي الخير هلم"؛ فلا يبادر المسلمون إلى الإجابة، ولا يسارعون إلى تلبية الداعي البر الرحيم!!

إنه شهر مناجاة وروحانية؛ ولهذا أوثر أن تخلوَ بنفسك وتستجوبَ أصداء حسّك في خلوةٍ من ليل أو نهار؛ فتسأل نفسك عن واجبها نحو ربِّها ودينها وأسرتها وأمتها ووطنها وقرابتها، وإلى أي حدٍّ قامت بشُعَب هذه الواجبات وفروعها، وثِقْ بأنك ستفهم عن نفسك في هذه الخلوة الربانية أكثر مما تفهم عني، ولو كتبت لك أضعاف هذه الصفحات، وثِق يا عزيزي أن العلم الصحيح إنما ينبع من الروح، ويفيض من القلب، ويتفجَّر من جوانب النفوس الزكية المشرقة؛ فكُنْ عبدًا ربانيًّا معلَّق القلب بالله؛ ترَه يملأ نفسك بهجةً وسعادةً، والله ولي توفيقنا وتوفيقك إلى ما يحبه ويرضاه.

الخميس، أغسطس 05، 2010

رمضان.. منطلق البناء والتغيير

رمضان.. منطلق البناء والتغيير


[05/08/2010][13:57 مكة المكرمة]

رسالة من أ. د. محمد بديع- المرشد العام للإخوان المسلمين

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد..



فإن الأمة الإسلامية عامةً والمنطقة العربية بصفة خاصة تمرُّ بمرحلة عصيبة، لم تمر بها من قَبْل؛ حيث تتألَّب عليها قوى الشر والباطل، وتلقي بكلِّ ثقلها؛ من أجل تثبيت نبتة خبيثة في أرض طيبة مباركة، وبارك من حولها، ولكونها طيبة مباركة فهي تنفي خبثها وتجتثه من جذوره.



وفي تلك الفترة من التاريخ تمَّ غزو أفغانستان، واحتُلَّت العراق، وتُنهب الثروات، وتُشرد الشعوب، ويُقتل مئات الآلاف من الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ، وتُغتصب النساء ويُعْتَدَى على المقدسات، ناهيك عن ما يقع في باكستان وكشمير والصومال واليمن بإيعاز من قوى الشر العالمية، والممثلة في الصهيوأمريكية، ومن يحالفهم من العملاء، ويمنحهم صك التدخل والعدوان..



وكان من ثمار ذلك:

- أزمة اقتصادية عالمية تأتي على الأخضر واليابس، ولا تبقي ولا تذر.. واصطلت البشرية بِنَارِها.. وماذا بعد أن تصير ديون أمريكا بأرقام فلكية.. وتشهر دول إفلاسها، وتعلن المئات من البنوك إفلاسها كذلك.



- يأس قاتل لا يُرَى معه بارقة أمل في الإصلاح.. ألقى بظلاله على الحكام، فجعلهم يستسلمون لكل ما يملى عليهم، ويَقْبَلُون بالذلِّ والعار، ولا ينهضون لمقاومة الغاصب المحتل.. وَلَيْتَهَم حين يستسلمون يتركون لشعوبهم حق الحياة والحرية والمقاومة، بل يضربون على أيديهم بعصا غليظة من حديد؛ لتمنعهم حقهم في المقاومة المشروعة بل وتسلب حريتهم.



- انحدار أخلاقي، وضياع للقيم الفاضلة والمثل العليا.



- ضياع الأمن والأمان في ربوع العالم.



- شقاء ونكد لا يعلم القوم له سببًا، لكن الله أعلمنا ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126)﴾ (طـه).



والواقع خير شاهد على أن هذه القوى العالمية التي تريد أن تسيطر على العالم فاسدة في كلِّ توجهاتها، وهابطة في كلِّ قيمها، وكل مشاريعها منهزمة عسكريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا وأخلاقيًّا، والهزيمة تلاحقهم في كلِّ أرض نزلوا بها، وسوف يخرجون من فلسطين وأفغانستان والعراق تمزق أكبادهم الحسرات على ما أنفقوا من أموال، وتكون عليهم الحسرة مع ما ينتظرهم من عذاب أشد وأبقى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)﴾ (الأنفال).



أيها المسلمون في كلِّ مكان... أيها الناس أجمعون! هذا جانب ضئيل لبعض ما آل إليه حال العالم من ضيق وضنك، والجميع يبحث عن منقذ ينتشله من الردى، ومنفذ يخرجه من الظلمة.. وغاب عنهم أن المنقذ بين أيديهم، وأن علاجهم من بين جنباتهم.



إنه الإسلام دين الرحمة والعدالة والمساواة والحرية.. والقيم العليا والفضائل المثلى.



إنه القرآن الكريم رسالة الله الخالدة: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)﴾ (فصلت).



إنه الرسول الخاتم، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (الأنبياء: من الآية 107).



شهر رمضان منطلق التغيير:

إن طريق الإصلاح يبدأ من النفس، والإصلاح الذي ننشده ليس بعسير، وليس عنَّا ببعيد، إنه يتحقق بإصلاح أنفسنا التي نحملها بين جنوبنا، نصلحها بأن نأخذ بزمامها إلى ما يرضي الله، فيغير الله كل شيء حولنا، وصدق الله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)(الرعد: من الآية 11)، فواجب كل مسلم ومسلمة أن يعرف ربه، وأن يُصْلِح نفسه، وأن يدعو غيره لهذا الخير.



وشهر رمضان الذي بدأت نسماته تطل علينا من بعيد، تحمل في طياتها كل معاني التغيير، وكل مقومات بناء النفس بداية من تطهيرها من ذنوبها وآثامها، ويصل بها إلى أعلى درجات التزكية ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾ (الشمس).



إنه شهر الصوم، وشهر القرآن، وشهر القيام، وشهر الصبر.. كما أنه من أعظم مواسم الطاعات، فيه صنوف من العبادة تختص به، ويختص بها، وهي جمال لأوقاته، وزينة لساعاته، وحلية لأيامه ولياليه، والطاعة مذاقها حلو في كلِّ وقت، وهي في هذا الشهر أحلى، وثوابها عند الله أعظم وأجزل.



شهر رمضان شهر تربية وطهارة ونصر:

- فالصوم تحرير من سطوة الغرائز: لقد فرض الله الصيام، ليتحرر الإنسان من سلطان غرائزه، وينطلق من سجن جسده، ويتغلب على نزعات شهواته، ويتحكم في مظاهر حيوانيته، ويتشبه بالملائكة، فليس عجيبًا أن ترتقي روح الصائم، ويقترب من الملأ الأعلى، ويقرع الصائم أبواب السماء بدعائه فتفتح، ويدعو ربه فيستجيب له، ويناديه فيقول: لبيك عبدي لبيك.



ولعل ذلك يفسِّر لنا أن آية الدعاء تتخلل آيات الصيام: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)﴾(البقرة).



الصوم مُطَهِّر من الذنوب: وكيف لا يستجاب للمسلم والصوم يطهره تطهيرًا.. فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".



في الصوم ارتقاء بالأخلاق: والصوم يزكّي النفس المسلمة، ويسمو بأخلاقها؛ حيث يدعوه إلى الترفع عن الصخب والرفث، وألا يَرُدّ الشتم والمقاتلة بمثلها، بل بالتذكير بقيمة الصوم، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله: "وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ، أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ..".



كما يدعوه إلى الترفع عن قول الزور والعمل به (ومنه تزوير الانتخابات)، وعدم مساعدة الظلم أو دعم الباطل حتى يُجْنِي ثمار صيامه، وبَيَّن أنه كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ".



وفي ذلك يقول الشاعر:

إذا لم يكن في السمع مني تصامم وفي مقلتي غض وفي منطقي صمت

فحظي إذن من صومي الجوع والظما وإن قلت إني صمت يومًا ما فما صمت

ورمضان شهر القرآن الكريم: وفي رمضان نزل القرآن الكريم؛ ليُخْرِج الناس من الظلمات إلى النور؛ وليهديهم إلى الصراط المستقيم، ويضع بين أيديهم المنهج الكامل، والدستور الدائم لكلِّ جوانب الحياة، وفي رمضان يُقْبِل الناس على المساجد والبيوت، على تلاوة القرآن الكريم وترتيله، وكذلك مدارسته وتعليمه وترجمة ذلك إلى عمل، وفي ذلك صقل للنفوس، وتهذيب للأخلاق، وتحلي بالقرآن، وقد كان هذا هو خلق رسول الله، فعَنْ أَبِي الدَّرْدَاء، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ "فَقَالَتْ: "كَانَ خَلْقُهُ الْقُرْآنَ، يَغْضَبُ لِغَضَبِهِ، وَيَرْضَى لِرِضَاهُ".



إن العالم الإسلامي في رمضان المبارك يتحوَّل إلى ما يُشبه المسجد، ويا له من مسجد عظيم تعج كل زاوية من زواياه، بل كل ركن من أركانه، بملايين الحفّاظ للقرآن الكريم. يرتلون ذلك الخطاب السماوي على مسامع الأراضين، ويَظْهَرون بصورة رائعة براقة، مصداق الآية الكريمة: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: من الآية 185).



وفي رمضان قيام الليل: ولقيام الليل فضل عظيم لا يفوقه سوى فضل الصلوات المكتوبة فحسب، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه- يَرْفَعُهُ قَالَ: سُئِلَ أَيُّ الصَّلاَةِ أَفْضَلُ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ؟ وَأَيُّ الصِّيَامِ أَفْضَلُ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ؟ فَقَالَ: "أَفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ الصَّلاَةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ صِيَامُ شَهْرِ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ"، وعَنْ أَبِى مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرْفَةً، يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِمَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَلاَنَ الْكَلاَمَ، وَتَابَعَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى وَالنَّاسُ نِيَامٌ".



وقيام رمضان طهارة من الذنوب، فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ فِي رَمَضَانَ: "مَنْ قَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".



وكان في سالف الأزمان يصعد المؤذن المنارة، وينشد:

يا رجال الليل جدوا رب صوت لا يردُّ

ما يقوم الليل إلا من له عزم وجدُّ

شهر رمضان شهر الجهاد:

ويبقى شهر رمضان؛ ليمنح المسلمين القوة، ويذكرهم ببدر، وإن أعداء الله ليخشون المواجهة مع المسلمين في رمضان؛ لأنهم على يقين من أن رمضان يمدُّ المسلمين بقوة لا تكون لهم في غير رمضان، ولقد كان الروس يتطيرون من رمضان؛ لأنه جرَّ عليهم في السابق ضربات موجعة، ويخشون من أن يهل عليهم شهر الجهاد وهم لا يزالون في مواجهة مع المسلمين فتنزل بهم الهزيمة.



إن رمضان ليس شهر استسلام وخمول، بل هو شهر صبر يمنح المسلم زاد الجهاد، فأول عدة للجهاد هي الصبر والإرادة القوية، فإن من لم يجاهد نفسه هيهات أن يجاهد عدوًا، ومن لم ينتصر على نفسه وشهواتها، هيهات أن ينتصر على عدوه، ومن لم يصبر على جوع يوم، هيهات أن يصبر على فراق أهل ووطن من أجل هدف كبير، والصوم بما فيه من الصبر، وفطام للنفوس من أبرز وسائل الإسلام في إعداد المؤمن الصابر المرابط المجاهد، الذي يتحمل الشظف والجوع والحرمان، ويرحب بالشدة والخشونة وقسوة العيش، ما دام ذلك في سبيل الله.. والتاريخ شاهد أن جُلَّ المعارك الكبرى كانت في هذا الشهر المبارك، بدر الكبرى، وفتح مكة، وموقعة بلاط الشهداء سنة 114هـ - 732م في بواتييه بفرنسا، ومعركة عين جالوت سنة 658هـ - 1260م في فلسطين.



ولقد أدرك هذه الحقيقة أعداؤنا فيعلل المستشرق «نيكلسون» سر انتصار المسلمين في بدر على قِلَّتهم تعليلاً جزئيًّا بقوله: "لقد كان انتصار محمد على قريش الوثنيين أمرًا طبيعيا بدهيًّا؛ لأن الرسول كان يُعَلِّم أتباعه النظام العسكري والجندية الكاملة خمس مرات في المسجد، ولا شك أن الفكرة العسكرية ملحوظة في الصلاة.. ولا شك أن لها آثارها ونتائجها، ولكنْ هناك روح خفيَّة أخرى يرجع إليها هذا الانتصار الباهر، ألا وهي روح الإرادة التي أشعلها في نفوس المسلمين شهر رمضان الذي وقعت خلاله هذه المعركة الإنسانية الكبرى، وأن الأرواح التي حاربت في صفِّها الملائكة لا بد أن تكون قد بلغت من الصفاء والإيمان والتجرد والإخلاص حدًّا ما كان ليستنزل جند السماء من السماء إلا لملائكة البشر الذين ربَّاهم رسول الله في مدرسة الوحي، وفي معهد القرآن، وبين جدران المسجد، وذلك يشع من قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123)﴾ (آل عمران: 123).



ذلكم هو الصوم في الإسلام، لم يشرعه الله تعذيبًا للبشر، وكيف هذا وقد جاء في آيات الصوم قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ (البقرة: من الآية185).



وإنما شرعه الله إيقاظًا للروح، وتصحيحًا للجسد، وتقوية للإرادة، وتعويدًا على الصبر، وتعريفًا بالنعمة، وتربيةً لمشاعر الرحمة، وتدريبًا على كمال التسليم لله رب العالمين.



تقبَّل الله منَّا ومنكم صالح الأعمال، وجعلنا جميعًا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.. وكل عام وأنتم في طاعة.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



رمضان فرصة فاغتنمها.. الإمام حسن البنا

رمضان فرصة فاغتنمها.. الإمام حسن البنا




03/08/2010

إنه هلال رمضان، الله أكبر الله أكبر، ربي وربك الله، اللهم أهلَّهُ علينا باليُمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى، هلال خير ورشد، آمنت بالذي خلقه، الحمد لله الذي ذهب بشهر شعبان وجاء بشهر رمضان.

فى مثل هذا الوقت من العام الفائت كنا نستقبل رمضان، وها هو قد عاد في هذا العام بعدته المشرقة، وطلعته البراقة المنيرة؛ لنستقبله مرةً أخرى؛ فمرحبًا بشهر الطاعة والتزكية والعبادة والطهر.

وتُرَى هل شعر أحدنا بأنها حلقةٌ من سلسلة الحياة المحدودة الحلقات نقصت، ومرحلةٌ من مراحل الأجل المعدودة قُطعت، وخطوةٌ في طريق الحياة إلى النهاية الغائبة عن كل إنسان لا تدري كم كُتب بعدها لكل منا من خطوات؟! لقد تلاشت هذه الأوقات في محيط الماضي الواسع الفسيح، وذابت في طيات أمواجه كما يذوب الجليد، صهرتْه الشمس، وفَنِيت فناءً لن تعود بعده أبدًا، وهكذا تتلاحق الأعوام وتتابع السنون.

حبَّذا لو كان كل واحد منا يحاسب نفسه إذا أصبح وإذا أمسى عن هذه الساعات التي هي أجزاء حياته: فيم أنفقها؟ وما الذي اكتسبه فيها؟ وإلى أي مصير أدَّته؟ وما من يوم ينشق إلا وينادَى: "يا ابن آدم، أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فاغتنم مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة" (انظر: حلية الأولياء للأصبهاني 2/302).

ما أرخص الوقت في نظرنا وهو أغلى شيء، أليس الوقت هو الحياة؟ لقد قالوا: إن الوقت من ذهب، ولا أراهم إلا قصَّروا؛ فإن الذهب إن ضاع منك عوَّضته، والوقت إن ضاع لم تعوِّضه ولو أنفقت ملء الأرض ذهبًا، ومن ذا الذي يقيس الحياة بالذهب؟! إن الذي جعل الوقت من ذهب بخَسَه حقَّه؛ فالوقت في حياتنا هو كل شيء، وإن كنا لم نعتبره بعدُ شيئًا، وأعتقد أننا في اللحظة التي نقدِّر فيها أوقاتنا، ونعرف كيف ننفقها فيما يتفق مع قيمتها، ويتناسب مع قدرها، نصبح أرقى الأمم، وأسعد الشعوب؛ فهل يقدر هذا لنا، نحن الذين ضبط لنا الإسلام الأوقات ضبطًا، ليس أدقَّ منه ولا أروع، وجعل للذين يراعون الشمس والقمر منزلةً فى الجنة؟!

تعالوا يا أحبائي نرَ الذي استفدناه لأنفسنا أو لأمتنا خلال عام كامل مضى، بدقائقه وساعاته وأيامه ولياليه، هل اهتدينا في رمضان الماضي إلى أسلوب صحيح من أساليب تربية النفوس، وتطهير الأرواح، وتزكية الأخلاق؛ فحرصنا عليه، ونهجنا نهجه حتى جاء رمضان هذا العام، فإذا نحن أزكى نفوسًا، وأصفى أرواحًا، وأطهر أخلاقًا من ذى قبل؟!

هل تمكَّن قطر شرقي إسلامي خلال هذا العام من فرصة سانحة كسَر فيها القيودَ والأغلالَ، وخلص مما هو فيه من الويلات، واندفع في طريق الترقي والكمال؟!

هل وُفِّقَت حكومة إسلامية أو زعامة شرقية إلى وضع ناموس اجتماعي يوقف تيار هذا الفساد الخلقي والاضطراب الاجتماعي والألم النفسي الذي يشمل كل مرافق الحياة، وكان له في النفوس أسوأ الأثر وأعظم الضرر؟!

هل أُجلي خصم من خصوم الإسلام عن ديار الإسلام؟ .. لا.

وهل عادت أحكام الإسلام وتعاليم الإسلام في أمة من الأمم كما يريد الإسلام؟ .. لا.

وهل صلَحت أخلاق أبناء الإسلام كما يريد الإسلام؟

وهل أخذ المسلمون بأحكام القرآن الكريم، وطالما سمعوه ووعوه، وهم يعلمون أنه أساس الإسلام؟ .. لا.

إذن.. لم يَجدَّ علينا جديد نُسَرُّ به ونفرح له، ولا زلنا في موقفنا حيث نحن كما كنا منذ عام، وإذا استمر الحال على ذلك لم يزِدْنا مَرُّ الأيام إلا تأخرًا، وذلك ما يذيب لفائف القلب لوعةً وأسى.

ولئن كان التفريط في الماضي جريمةً فإنه في المستقبل أشدُّ جرمًا وأكبر إثمًا، فهيَّا يا أبناء الإسلام ننتهز فرصة رمضان الجديد لنتجدد.

تجدَّدوا يا شباب الإسلام.. اخلعوا هذه النفوس الرثَّة البالية الخليقة، الماجنة الطاغية، الكاسية الضعيفة، الناعمة الغارقة في الأماني والشهوات، واستبدِلوا بها في رمضان الجديد نفوسًا أخرى، جريئةً في الحق، شاعرةً بالواجب، مقدِّرةً للأمانة، كلها فتوَّة وهمَّة وقوَّة، ونزوع إلى المعالي، وعزوف عن الصغائر، وطموح إلى المجد الذي خلده الله لكم في كتابه؛ إذ يقول: ﴿وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون: 8).

جدِّدوا أنفسكم، وزكُّوا أرواحكم، واستعينوا بالصلاة والصيام والطاعة والقيام، وجدِّدوا توبةً نصوحًا تُرضي ربكم، فيرضى بها عنكم، واحذروا أن يمرَّ بكم رمضان فلا تصقل به النفوس، ولا تزكَّى به السرائر، ولا تُطهَّر به الأرواح، وليس بجميل أن ينادي منادي الحق- تبارك وتعالى- وقد جاء رمضان: "يا باغي الشر أقصر، ويا باغي الخير هلم"؛ فلا يبادر المسلمون إلى الإجابة، ولا يسارعون إلى تلبية الداعي البر الرحيم!!

إنه شهر مناجاة وروحانية؛ ولهذا أوثر أن تخلوَ بنفسك وتستجوبَ أصداء حسّك في خلوةٍ من ليل أو نهار؛ فتسأل نفسك عن واجبها نحو ربِّها ودينها وأسرتها وأمتها ووطنها وقرابتها، وإلى أي حدٍّ قامت بشُعَب هذه الواجبات وفروعها، وثِقْ بأنك ستفهم عن نفسك في هذه الخلوة الربانية أكثر مما تفهم عني، ولو كتبت لك أضعاف هذه الصفحات، وثِق يا عزيزي أن العلم الصحيح إنما ينبع من الروح، ويفيض من القلب، ويتفجَّر من جوانب النفوس الزكية المشرقة؛ فكُنْ عبدًا ربانيًّا معلَّق القلب بالله؛ ترَه يملأ نفسك بهجةً وسعادةً، والله ولي توفيقنا وتوفيقك إلى ما يحبه ويرضاه.

الأربعاء، أغسطس 04، 2010

دواء قلبك في .....(5) " وثيابك فطهر"

دواء قلبك في .....(5) " وثيابك فطهر"








بســـم اللـه الرحمـــان الرحيــــــم

دواء قلبك في .....(5) " وثيابك فطهر"

عماري جمال الدين- سدرا ته.

E-Mail: Ammari_08@yahoo.fr

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله تتنزل الخيرات، وبتوفيقه تتحقق الغايات، وأزكى صلوات الله وسلامه على الرحمة المهداة والنعمة المسداة، البشير النذير والسراج المنير، الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، وهداهم إلى صراط الله المستقيم. وبعد: لابد من وقفة أولا مع الآية الكريمة:" وثيابك فطهر " لنقتبس من أنوارها الهادية، وننهل من معينها الطاهر الزلال. نفحات وإشراقات إيمانية تغسل قلوبنا مما علق بها من أمراض وعلل وأدواء، جراء ما اقترفتاه من معاصي وذنوب، وتقصير في جنب الله وفي أداء الفرائض والطاعات، وفي القيام بواجب الدعوة إلى الله، وتعيدها إلى فطرتها الأولى صفاء نقاء، وما ذلك على الله بعزيز.



وأما عن معنى طهارة الثياب في الآية فالمقصود منه، طهارة الثياب الحسي والمعنوي. الطهارة الحسية معلومة، أما الطهارة المعنوية فهي تزكية النفس، لقوله تعالى:" ولباس التقوى ذلك خير."قال ابن كثيرتشمل الآية جميع ذلك مع طهارة القلب.وقال سعيد بن جبير: "وثيابك فطهر"وقلبك ونيتك فطهر.وقال قتادة " وثيابك فطهر " أي طهرها من المعاصي. وفي الآية الكريمة إشارة إلى أن الذي ينذر الناس لابد أن يكون محققا للتوحيد الخالص متنزها عن الشرك، متطهرا من دنس المعاصي وسيء الأخلاق، وإلا لم تكن دعوته مؤثرة.



فحسن المظهر لا يغني عن زكاة المخبر، وما أكثر في عصرنا هذا من يركز على إصلاح ظاهره، ولا يهتم أو يغفل عن إصلاح باطنه وهو الأساس. وقد قيل:" رب قائم محروم، ورب نائم مرحوم. " وقد ثبت في الأثر: " من كتم سريرة ألبسه الله رداءها."وقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:" اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي "فأي صلاح لمن لم يبدأ بتطهير وعلاج قلبه أولا، فصلاح الظاهر أثر ونتيجة عن صلاح الباطن وليس العكس، كما أن الناس كثيرا ما يخدعون بالمظاهر ويقيمون الناس على أساسها، وبعد التمحيص عبر محك التجارب يقفون على الحقيقة، ويكتشفون بأنفسهم الزيف، وأن ما لمسوه أول مرة مجرد طلاء وغطاء، أما الحقيقة فشيء آخر تماما، إنه مرض ازدواج أو انفصام الشخصية، الناتج عن عدم تزكية النفس وعلاج أمراض القلوب، وبالتالي لابد من التوافق والتناسق بين الظاهر والباطن حتى يصلح الحال. ولست أرى محققا لهذا المقصد النبيل إلا الإيمان العميق، والانتماء الحقيقي لهذا الدين ومجاهدة النفس الأمارة بالسوء . وأن يضع الإنسان كشافات على قلبه ، وعلى مشاعره، وعلى نياته يكشف بها كيف يتسلل الشيطان . وأن يستعين بالله في أن يعصمه من هذا العدو اللدود الذي يتربص به في كل حين ولا يغفل عنه لحظة، والعون على هذه النفس الأمارة بالسوء، والاشتغال بما يقرب العبد إلى مولاه. فإنه لا يخاف عليك التباس الطريق، ولكن يخاف عليك غلبة الهوى. قال تعالى: " فلا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا، واتبع هواه وكان أمره فرطا." فاتباع الهوى أصل كل بلاء.



والإنسان مظهر ومخبر، شكل وجوهر، صورة وحقيقة، وهذا أمر معروف تفطن له الناس منذ القدم. ولذلك قال شاعر الجاهلية زهير بن أبي سلمى:" وكائن ترى من صامت لك معجب...زيادته أو نقصه في التكلم" " لسان الفتى نصف ونصف فؤاده"... فلم تبق إلا صورة اللحم والدم"وهو بذلك يلفت النظر إلى أهمية تثقيف الإنسان، بتقوية عقله وتعزيز ذهنه، وتحريك قريحته، وكذلك تدريبه على جودة المنطق وصفاء الكلام، قبل أن يكون الاهتمام بمظهره وشكله الذي هو صورة من اللحم والدم، يستوي فيها الإنسان مع غيره من الحيوان. وهكذا لم يكن المقياس عند الناس حتى في الجاهلية الأولى في الإنسان مقياسا ظاهريا محضا في شكله وهيئته ومظهره، بل كانوا يقيسون الإنسان بباطنه وحقيقته، قبل أن يقيسوه بمظهره وشكله.



فالنبي صلى الله عليه وسلم غير العقول والقلوب والنفوس، قبل تغيير المظاهر، فلم يكن التغيير الذي أحدثه بالأمر الهين اليسير، إنه أكبر وأعظم تغيير في التاريخ كله. حيث بدأ صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى التوحيد وإلى تصحيح العقيدة، فأحدث ثورة في معتقداتهم وقيمهم وأفكارهم، فتغيرت قناعاتهم وتصرفاتهم، وعاداتهم وأخلاقهم، لكن هذا كله كان تبعا للتغيير الداخلي الذي أحدثه الرسول عليه الصلاة والسلام في قلوبهم.



- يقول ابن الجوزي في كتابه " صيد الخاطر" تحت فصل "نهاية العصاة" مؤكدا ما نحن بصدده من ضرورة الاهتمام وبذل الجهد في سبيل إصلاح النفوس من أجل تغييرها نحو الأحسن:" البواطن البواطن، النيات النيات فإن عليكم من الله عينا ناظرة"،



- ويقول الكاتب نفسه في الكتاب نفسه تحت عنوان "صلاح السر": " والله لقد رأيت من يكثر الصلاة والصوم، والصمت، ويتخشع في نفسه ولباسه والقلوب تنبو عنه وقدره في النفوس ليس بذلك. ورأيت من يلبس فاخر الثياب وليس له كبير نفل ولا تخشع، والقلوب تتهافت على محبته. فتدبرت السبب فوجدت السركما روي عن أنس بن مالك، أنه لم يكن له كبير عمل من صلاة وصوم، وإنما كانت له سريرة. فمن أصلح سريرته فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه. فالله الله في السرائر، فإنه ما ينفع مع فسادها صلاح ظاهر ."



- ويقول الدكتور محمد راتب النابلسي : "إن في القلب شعثا لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفي القلب وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفة الله، وفيه قلق لايسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار إليه، وفي القلب نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضى بأمره ونهيه، وقضائه وقدره، والصبر على ذلك إلى يوم لقائه، وفي القلب فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه ودوام ذكره والإخلاص له."



- ويقول الشيخ محمد الغزالي-رحمة الله عليه- في كتابه: " الجانب العاطفي في الإسلام": " إن الأعمال الظاهرة من عبادة ومعاملة ما تصدق وتكمل، إلا إذا اتسقت وراءها هذه المعاني الباطنة، وتخللت مسالك الفؤاد، ولذلك يجب أن تطرق موضوعاتها بكثرة ودقة. وميدان التربية الإسلامية في هذا العصر أحوج ما يكون إلى هذه الدراسات، فالتعاليم المدنية تزحف من كل فج، وتقتحم طريقها إلى النفوس من مسارب لا حصر لها، وإذا لم نحسن البناء الداخلي للنفوس، ورفع الإيمان على دعائمه الفكرية والعاطفية كلها، فإن الأجيال الناشئة لن تنجو من آثار هذا الزحف. وربما شعرت بنقص في كيانها الروحي تسعى كي تستكمله من جهات أخرى، وهذا باب لو انفتح هبت منه شرور كثيرة. فالإسلام دين عبادة تقوم على سلامة القلب، وشحنه بالإخلاص والمحبة والأدب، وتجريده من الهوى والأثرة والغش. وأي تدين لمن لا يستكمل عناصر الإيمان الحق، ولا يحسن فطام النفس من أخبث عللها، بل يداري هذا النقص بتلاوة أذكار، ولو أنه قرأ القرآن كله، وهو يستبطن تلك العلل، ما أفاده شيئا أن يتلو القرآن والسيرة معا، فكل تقصير أو قصور في فهم هذا النهج واستبانه مراحله لا يدل على خير."



- إن القارئ المتمعن لهذه النصوص يدرك لا محالة ما للتربية الإسلامية الروحية الإيمانية الفكرية الخلقية من دور كبير في إعداد الفرد المسلم، إعدادا سليما صحيحا، يؤهله للنجاح في الدنيا والآخرة، ويرتقي به إلى مستوى التحديات ، ويثبت فعلا في مواجهة الرياح والأعاصير. وخاصة ونحن في عصر طغت فيه الماديات، وكثر فيه الخلل والخطل، واستحكمت فيه الشهوات والشبهات، وتحدرت فيه أخلاق الكثير إلى أسفل سافلين إلا ما رحم ربك، وقليل ماهم .



- وعليه فإنه لا مفر من أن نولي هذا الجانب ما يستحقه من عناية وتركيز واهتمام، وأن نسعى جاهدين جادين في إصلاح أحوالنا لأن قلوبنا أمانة يجب أن نقوم بحقها، وكثيرا ما يشتكي المسلم قسوة من قلبه ويقول: أريد أن أعالج هذا القلب المريض فكيف ألينه ؟ وكيف أرققه ؟ وكيف أجعله عامرا بذكر الله ؟ فصلاح القلب بأن يعقل الأشياء، فيعرف ربه ومعبدوه وفاطره، وما ينفعه وما يضره، وما يصلحه وما يفسده، ويعرف أسباب النجاة وأسباب الهلاك، ويميز بين هذا وذاك، ويختار ما ينفعه ويصلحه، ويعتصم بالله ولا يلتفت إلى ما سواه، فإذا فر العبد حقا إلى الله، أكرم الله قلبه بعشر كرامات. بالحياة، والشفاء، والطهارة والهداية، وثبوت الإيمان، والسكينة والألفة، والطمأنينة، والمحبة، والزينة، والحفظ من السوء، وحينها يشرق القلب أيما إشراق، وتتنزل الرحمات والبركات، ويلهم التوفيق والسداد في الأمور كلها. قال تعالى: " ومن يؤمن بالله يهدي قلبه. " صدق الله العظيم، وصلى وسلم على نبيه الكريم.