سقطت جدرانهم ... فمتى تسقط جدراننا
الأثنين 25 يناير 2010
والغربي والمناطق المحيطة في ألمانيا الشرقية كان الغرض منه تحجيم المرور بين برلين الغربية وألمانيا الشرقية بدأ بناؤه في 13 أوت 1961 وجرى تحصينه على مدار السنين ثم تم فتحه في 09 نوفمبر 1989 وهدم بعد ذلك بشكل شبه كامل، سقط هذا الجدار بعد 28 عاما وسقطت معه أحقاد الشرق والغرب وأبت الألمانيتين إلا الوحدة على حساب التفرق والمحبة بدل العداوة والتجاذب بدل التنافر، فآلت ألمانيا اليوم إلى ما آلت إليه من رفعة وسؤدد ورقي وتقدم وازدهار، أما جدراننا العربية فما تزال شاهقة كالجبال وتزداد حجاراتها البائسة تماسكا ووحدة، فهل هذا الواقع آيل إلى زوال؟
كثيرة هي الجدران العربية التي تفصل بين محمد في الجزائر وأحمد في مصر وزيد في سوريا وعمر في العراق... وكثيرة هي الجدران التي تفصل بين عائشة في الصومال وبين أختها فاطمة في ليبيا...إلخ نعم إنها جدران العار التي قسمت الأمة العربية والإسلامية إلى طوائف وملل ونحل متناحرة يضرب بعضها بعضا ويتآمر بعضها على البعض الآخر, جدران ورثت الخلاف للأجيال العربية المتعاقبة حتى أصبح الإيمان بهذه الجدران وعبادتها يكاد يكون شرطا من شروط المواطنة
والانتماء, بل وكلما أضفت أيها العربي لبنة على هذه الجدران صرت مواطنا عربيا بامتياز بل وأصبحت العربي الحر الممدوح صباح مساء, بل وسر تحت رعاية وحراسة وتشجيع بناة هذه الجدران ومشيديها ولا ضير أن تكرم على أعلى المستويات وتستدعى إلى الملتقيات والمحافل ليقلدوك وسام العروبة على المجهودات التي بذلتها في بناء هذه الجدران, أما من يحاول تهديم جدار واحد أو كل الجدران فسيصنف لا محالة في خانة الأعداء والمعكرين للصفو العام بل ويعتبر خصما أو عربيا غير مرغوب في عروبته وانتمائه.
إنها جدران جلبت لأمتنا العربية الخذلان و الذل والهوان والصغار ميعت الثقافة في مقابل ثقافات ونظم اجتماعية غربية تطبق علينا مرة باسم العولمة ومرة أخرى باسم حوار الحضارات وباسم التكامل الثقافي في مرات أخرى وفي ظل هذا الواقع المتردي ورغما علمنا به ما نزال نبني ونشيد الجدار تلو الجدار.
أوروبا التي ضربت أروع الأمثلة في الوحدة رغم ما يشوب هذه الأخيرة من نقائص وتحديات وعقبات كثيرة إلا أن وحدتها في التصورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بل وحتى العسكرية والرياضية جعلت من تجربتها مثالا يحتذى بها وأنا هنا لست مادحا أو منبهرا في هذه التجربة بقدر ما أنا منبهر كيف لأعضاء هذه الدول المختلفين جغرافيا ومذهبيا ولغويا أن يصبروا على بعضهم البعض بل ويتجاوزوا خلافاتهم التاريخية وماضيهم الدموي الملئ بالمآمرات والمجازر والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان وما الحرب العالمية الأولى والثانية عنا ببعيد وإلا ما الذي يجمع الألماني المتعصب لعرقه وبنو جنسه الناطق بالألمانية بالفرنسي الناطق بالفرنسية والمتعصب هو الأخر للغته وتاريخه الإمبراطوري التوسعي الاستعماري كما تجاوز البلدان مشاكلهم الحدودية الكبيرة بل ما الذي يجمع الايطالي الذي تحتضن أرضه عرش الفاتيكان مهد المسيحيين الكاثوليك والناطق باللغة الايطالية بالبريطاني الناطق بالانجليزية والذي يستهويه هوى الأمريكيين وحبهم كثيرا بل ما الذي يجمع الأوربيتين الشرقية والغربية رغم الاختلافات الهائلة بينهما في شتى المجالات والميادين المختلفة إنها وحدة غريبة فعلا تجعل من الإنسان يقف كثيرا عندها والاتحاد الأوروبي رغم تشدقه بالعلمانية وإبراز الوجه الاقتصادي لهذا الاتحاد إلا أنه وكما وصفه الكثير من عقلاء وحكماء هذا العالم أنه نادي مسيحي رفض وما يزال وسيظل يرفض انضمام تركيا المسلمة إليه في إعلان صارخ للتعصب الديني لهذا النادي المسيحي.
تقدموا وتأخرنا للأسف الشديد توحدوا وتفرقنا غلبوا الحكمة وغلبنا العصبية أثاروا التسامح وآثرنا الحقد والانتقام إنها جدران العار التي حالت دون تقدمنا وهي جدران كثيرة لا يسع المجال إلى ذكرها جميعا وسنقتصر على أهمها:
جدار الخلافات الحدودية
إنه جدار شاهق عمق الخلافات بين الدول العربية والإسلامية وهو أحد العوامل الرئيسية في منع الوحدة ورسم مشروع إسلامي واحد لمواجهة باقي التكتلات على غرار أوروبا ودول آسيا... بل ووصلت الخلافات حتى إلى تجنب الجلوس إلى طاولة واحدة وطرح هذه الخلافات بكل صراحة ومكاشفة ضمن مؤسسات عربية وإسلامية خالصة فلا يعقل أن تتدخل أوروبا وأمريكا وآسيا لحل مشاكل الإخوة المتخاصمين ومؤسساتنا مغيبة على غرار منظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية... فمشكلة الصحراء الغربية مثلا وترت العلاقات ليس بين المغرب والجزائر فحسب بل امتدت ظلالها إلى عرقلة الاتحاد المغاربي برمته وعصفت بكل المجهودات المخلصة للنهوض بهذا الاتحاد الذي لم تم تفعيله لصنع المعجزات كونه يمتلك كل مؤهلات الوحدة: فالجغرافيا موحدة والموقع استراتيجي والدين واحد واللغة واحدة واللهجة متقاربة بل وحتى المذهب واحد وهو المذهب المالكي رغم كل هذه المؤهلات مازال المشكل قائما والخلاف حادا ضف إلى ذلك مشكلة الجزر الإماراتية مع إيران وإدعاء كليهما أحقيته بها مرورا بالمشاكل الحدودية بين العراق والكويت قديما وحديثا وصولا إلى المشاكل الحدودية بين سوريا ولبنان وانتهاء إلى مشاكل حدودية قد تنشأ بين الفينة والأخرى متناسين حديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم في ما يعرف بمبشرات النصر التي ساقها نبينا الكريم في الكثير من المناسبات: "يا مسلم يا عبدالله هذا يهودي خلفي تعال فاقتله" فورد النص ب: يا مسلم ولم يقل يا مصري أو يا جزائري أو يا عراقي أو يا سوري فصلى الله على سيدنا محمد.
جدار التآمر
لم تقر كل التشريعات والملل والنحل سابقا ولاحقا مشروعية أن يتآمر الأخ على أخيه أو الصديق على صديقه أو الجار على جاره وتاريخنا العربي للأسف الشديد ملئ بالتآمر وسوف أقتصر فقط على ذكر الجدار الفولاذي أو ما سمي بجدار العار الذي تبنيه الحكومة المصرية فهل يعقل أن قطاعا محاصرا وضعيفا وفقيرا ومخنوقا يهدد دولة عظمى بحجم ومساحة مصر التي تربطها بعض الكيلومترات مع قطاع غزة في حين تربطها بالكيان الصهيوني المحتل أضعاف أضعاف أضعاف الكيلومترات لتقضي بذلك مصر على آخر شريان ومنبع حياة كان يعتمد عليه شعب غزة المسكين في مأكله ومشربه وملبسه في ضرب صارخ لأدنى معاني الجيرة والأخوة وأبناء الدين الواحد واللسان الواحد, فهل يمكن أن نصدق أن ممثلة أمريكية تبيع بعضا من ممتلكاتها وأثاثها لتتبرع به لصالح أطفال غزة اليتامى والمشردين بينما يقف الإخوة الأشقاء في وجه هؤلاء المنكوبين الذين لا يجدون ما يأكلون فضلا عن امتلاكهم لأسلحة تهدد ما يسمى بالأمن القومي، أم هل نصدق أن نائبا بريطانيا اسمه "جورج غالاوي" يتحدى الكل ويفارق عائلته ومشاغله في لندن ليوصل شيئا من حياة لقطاع تآمر عليه الصديق قبل العدو والقائمة مفتوحة للمتعاطفين اليهود والنصارى وكثير من عقلاء وحكماء العالم الذي قلت فيه الحكمة والعقل.
فلكم الله يا شعب فلسطين
جدار العصبية
عندما بعث "النبي صلى الله عليه وسلم" وجد التعصب عادة جاهلية مقيتة تم تشييد جدارها وتقويته لبنة لبنة ليكون عاليا وشاهقا فالعصبية كانت مصدرا للرزق عند بعض المرتزقة جاء الإسلام ليهدمه بلا عودة فقضى على القبلية والطبقية والزعاماتية ليرصخ مبادئ المساواة وألا فرق بين عربي أو أعجمي إلا بالتقوى فتعايش عمر العربي مع سلمان الفارسي وبلال الحبشي وصهيب الرومي.
يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: "لم يرسخ محمد صلى الله عليه وسلم مبدأ الإخوة الإسلامية فحسب بل الإخوة العالمية والإنسانية وكان يقول عليه الصلاة والسلام أشهد أنك الله لا إله إلا أنت وأشهد أن العباد كلهم إخوة."
لكننا نرى وللأسف الشديد أن العصبية والتعصب عاد من جديد ودب في جسم أمتنا العربية والإسلامية فأصبحنا نسمع عن الشيعي والسني العربي والكردي الفارسي والأحوازي التركي والعجمي فهل يعقل أن يخاطب مسلم أخاه المسلم بالقول أنني مسلم أكثر منك أو عبي أبلغ منك وهل يصدق أن يخاطب العربي أخاه العربي بأوصاف يأبى الإنسان ترديدها وذكرها أم هل يعقل أن يختلف العرب والمسلمون عن أكثر القضايا تعقيدا في هذا الزمان وهي القضية الفلسطينية أم هل بلغ الخلاف والتردي وضيق الحسابات إلى درجة الاختلاف والخلاف حول المبادئ والمقدسات؟
لا يمكنني أن أصدق أبدا أن كرة القدم وهي مجرد لعبة لا تتجاوز منطق الربح والخسارة أن توتر العلاقة بين شعبين وبلدين عربيين ومسلمين ولماذا لم يحدث هذا مع الايرلنديين والفرنسيين الذين تأهلوا وأقصد هنا الفرنسيون إلى المونديال ولكن بطعم الخسارة ولماذا لم ينتفض الايرلنديون على ظلم الفيفا
لهم وما أدراك ما الأيرلنديون التي كانت أرضهم ولا تزال مسرحا لأشهر الحروب دموية وعنفا وتطرفا بين أبناء الدين الواحد الكاثوليك والبروتستانت. يجب أن نراجع حساباتنا ونعود إلى جذورنا التي ارتقى بتطبيقها أجدادنا وسادوا أمما كانت قبل مجئ الإسلام عصية على المواجهة لقوتها وجبروتها ليرسخ المسلمون آنذاك مبادئ المساواة والمحبة والتسامح والرقي ونبذ العنف والتطرف والتخلف مبادئ لم يجمع العالم عليها إلا مأخرا فيما أصبح يعرف بالميثاق العلمي لحقوق الإنسان.
أمل النهوض ممكن
لم نشأ في هذه الإطلالة الاكتفاء بوصف ما تعانيه أمتنا وإن كان الوصف عبارة عن صرخة لا بد منها لكل عربي أو مسلم يحب أمته ودينه فرغم الجدران التي ذكرناها والكثير من الجدران الأخرى التي لم نذكرها إلا أننا نقول في الأخير أن الخير في الأمة باق فهي أمة قد تمرض نعم, كما قد تنام نعم, كما قد تتعب وتفتر نعم, ولكنها لن تموت وستصحو في يوم موعود وفق الآيات والأحاديث الشريفة ستصحو بطاقاتها وثرواتها وشبابها وبالكثير من المواهب الكامنة التي ينقصها الاكتشاف والاستخراج والاستعمال.
الأثنين 25 يناير 2010
والغربي والمناطق المحيطة في ألمانيا الشرقية كان الغرض منه تحجيم المرور بين برلين الغربية وألمانيا الشرقية بدأ بناؤه في 13 أوت 1961 وجرى تحصينه على مدار السنين ثم تم فتحه في 09 نوفمبر 1989 وهدم بعد ذلك بشكل شبه كامل، سقط هذا الجدار بعد 28 عاما وسقطت معه أحقاد الشرق والغرب وأبت الألمانيتين إلا الوحدة على حساب التفرق والمحبة بدل العداوة والتجاذب بدل التنافر، فآلت ألمانيا اليوم إلى ما آلت إليه من رفعة وسؤدد ورقي وتقدم وازدهار، أما جدراننا العربية فما تزال شاهقة كالجبال وتزداد حجاراتها البائسة تماسكا ووحدة، فهل هذا الواقع آيل إلى زوال؟
كثيرة هي الجدران العربية التي تفصل بين محمد في الجزائر وأحمد في مصر وزيد في سوريا وعمر في العراق... وكثيرة هي الجدران التي تفصل بين عائشة في الصومال وبين أختها فاطمة في ليبيا...إلخ نعم إنها جدران العار التي قسمت الأمة العربية والإسلامية إلى طوائف وملل ونحل متناحرة يضرب بعضها بعضا ويتآمر بعضها على البعض الآخر, جدران ورثت الخلاف للأجيال العربية المتعاقبة حتى أصبح الإيمان بهذه الجدران وعبادتها يكاد يكون شرطا من شروط المواطنة
والانتماء, بل وكلما أضفت أيها العربي لبنة على هذه الجدران صرت مواطنا عربيا بامتياز بل وأصبحت العربي الحر الممدوح صباح مساء, بل وسر تحت رعاية وحراسة وتشجيع بناة هذه الجدران ومشيديها ولا ضير أن تكرم على أعلى المستويات وتستدعى إلى الملتقيات والمحافل ليقلدوك وسام العروبة على المجهودات التي بذلتها في بناء هذه الجدران, أما من يحاول تهديم جدار واحد أو كل الجدران فسيصنف لا محالة في خانة الأعداء والمعكرين للصفو العام بل ويعتبر خصما أو عربيا غير مرغوب في عروبته وانتمائه.
إنها جدران جلبت لأمتنا العربية الخذلان و الذل والهوان والصغار ميعت الثقافة في مقابل ثقافات ونظم اجتماعية غربية تطبق علينا مرة باسم العولمة ومرة أخرى باسم حوار الحضارات وباسم التكامل الثقافي في مرات أخرى وفي ظل هذا الواقع المتردي ورغما علمنا به ما نزال نبني ونشيد الجدار تلو الجدار.
أوروبا التي ضربت أروع الأمثلة في الوحدة رغم ما يشوب هذه الأخيرة من نقائص وتحديات وعقبات كثيرة إلا أن وحدتها في التصورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بل وحتى العسكرية والرياضية جعلت من تجربتها مثالا يحتذى بها وأنا هنا لست مادحا أو منبهرا في هذه التجربة بقدر ما أنا منبهر كيف لأعضاء هذه الدول المختلفين جغرافيا ومذهبيا ولغويا أن يصبروا على بعضهم البعض بل ويتجاوزوا خلافاتهم التاريخية وماضيهم الدموي الملئ بالمآمرات والمجازر والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان وما الحرب العالمية الأولى والثانية عنا ببعيد وإلا ما الذي يجمع الألماني المتعصب لعرقه وبنو جنسه الناطق بالألمانية بالفرنسي الناطق بالفرنسية والمتعصب هو الأخر للغته وتاريخه الإمبراطوري التوسعي الاستعماري كما تجاوز البلدان مشاكلهم الحدودية الكبيرة بل ما الذي يجمع الايطالي الذي تحتضن أرضه عرش الفاتيكان مهد المسيحيين الكاثوليك والناطق باللغة الايطالية بالبريطاني الناطق بالانجليزية والذي يستهويه هوى الأمريكيين وحبهم كثيرا بل ما الذي يجمع الأوربيتين الشرقية والغربية رغم الاختلافات الهائلة بينهما في شتى المجالات والميادين المختلفة إنها وحدة غريبة فعلا تجعل من الإنسان يقف كثيرا عندها والاتحاد الأوروبي رغم تشدقه بالعلمانية وإبراز الوجه الاقتصادي لهذا الاتحاد إلا أنه وكما وصفه الكثير من عقلاء وحكماء هذا العالم أنه نادي مسيحي رفض وما يزال وسيظل يرفض انضمام تركيا المسلمة إليه في إعلان صارخ للتعصب الديني لهذا النادي المسيحي.
تقدموا وتأخرنا للأسف الشديد توحدوا وتفرقنا غلبوا الحكمة وغلبنا العصبية أثاروا التسامح وآثرنا الحقد والانتقام إنها جدران العار التي حالت دون تقدمنا وهي جدران كثيرة لا يسع المجال إلى ذكرها جميعا وسنقتصر على أهمها:
جدار الخلافات الحدودية
إنه جدار شاهق عمق الخلافات بين الدول العربية والإسلامية وهو أحد العوامل الرئيسية في منع الوحدة ورسم مشروع إسلامي واحد لمواجهة باقي التكتلات على غرار أوروبا ودول آسيا... بل ووصلت الخلافات حتى إلى تجنب الجلوس إلى طاولة واحدة وطرح هذه الخلافات بكل صراحة ومكاشفة ضمن مؤسسات عربية وإسلامية خالصة فلا يعقل أن تتدخل أوروبا وأمريكا وآسيا لحل مشاكل الإخوة المتخاصمين ومؤسساتنا مغيبة على غرار منظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية... فمشكلة الصحراء الغربية مثلا وترت العلاقات ليس بين المغرب والجزائر فحسب بل امتدت ظلالها إلى عرقلة الاتحاد المغاربي برمته وعصفت بكل المجهودات المخلصة للنهوض بهذا الاتحاد الذي لم تم تفعيله لصنع المعجزات كونه يمتلك كل مؤهلات الوحدة: فالجغرافيا موحدة والموقع استراتيجي والدين واحد واللغة واحدة واللهجة متقاربة بل وحتى المذهب واحد وهو المذهب المالكي رغم كل هذه المؤهلات مازال المشكل قائما والخلاف حادا ضف إلى ذلك مشكلة الجزر الإماراتية مع إيران وإدعاء كليهما أحقيته بها مرورا بالمشاكل الحدودية بين العراق والكويت قديما وحديثا وصولا إلى المشاكل الحدودية بين سوريا ولبنان وانتهاء إلى مشاكل حدودية قد تنشأ بين الفينة والأخرى متناسين حديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم في ما يعرف بمبشرات النصر التي ساقها نبينا الكريم في الكثير من المناسبات: "يا مسلم يا عبدالله هذا يهودي خلفي تعال فاقتله" فورد النص ب: يا مسلم ولم يقل يا مصري أو يا جزائري أو يا عراقي أو يا سوري فصلى الله على سيدنا محمد.
جدار التآمر
لم تقر كل التشريعات والملل والنحل سابقا ولاحقا مشروعية أن يتآمر الأخ على أخيه أو الصديق على صديقه أو الجار على جاره وتاريخنا العربي للأسف الشديد ملئ بالتآمر وسوف أقتصر فقط على ذكر الجدار الفولاذي أو ما سمي بجدار العار الذي تبنيه الحكومة المصرية فهل يعقل أن قطاعا محاصرا وضعيفا وفقيرا ومخنوقا يهدد دولة عظمى بحجم ومساحة مصر التي تربطها بعض الكيلومترات مع قطاع غزة في حين تربطها بالكيان الصهيوني المحتل أضعاف أضعاف أضعاف الكيلومترات لتقضي بذلك مصر على آخر شريان ومنبع حياة كان يعتمد عليه شعب غزة المسكين في مأكله ومشربه وملبسه في ضرب صارخ لأدنى معاني الجيرة والأخوة وأبناء الدين الواحد واللسان الواحد, فهل يمكن أن نصدق أن ممثلة أمريكية تبيع بعضا من ممتلكاتها وأثاثها لتتبرع به لصالح أطفال غزة اليتامى والمشردين بينما يقف الإخوة الأشقاء في وجه هؤلاء المنكوبين الذين لا يجدون ما يأكلون فضلا عن امتلاكهم لأسلحة تهدد ما يسمى بالأمن القومي، أم هل نصدق أن نائبا بريطانيا اسمه "جورج غالاوي" يتحدى الكل ويفارق عائلته ومشاغله في لندن ليوصل شيئا من حياة لقطاع تآمر عليه الصديق قبل العدو والقائمة مفتوحة للمتعاطفين اليهود والنصارى وكثير من عقلاء وحكماء العالم الذي قلت فيه الحكمة والعقل.
فلكم الله يا شعب فلسطين
جدار العصبية
عندما بعث "النبي صلى الله عليه وسلم" وجد التعصب عادة جاهلية مقيتة تم تشييد جدارها وتقويته لبنة لبنة ليكون عاليا وشاهقا فالعصبية كانت مصدرا للرزق عند بعض المرتزقة جاء الإسلام ليهدمه بلا عودة فقضى على القبلية والطبقية والزعاماتية ليرصخ مبادئ المساواة وألا فرق بين عربي أو أعجمي إلا بالتقوى فتعايش عمر العربي مع سلمان الفارسي وبلال الحبشي وصهيب الرومي.
يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: "لم يرسخ محمد صلى الله عليه وسلم مبدأ الإخوة الإسلامية فحسب بل الإخوة العالمية والإنسانية وكان يقول عليه الصلاة والسلام أشهد أنك الله لا إله إلا أنت وأشهد أن العباد كلهم إخوة."
لكننا نرى وللأسف الشديد أن العصبية والتعصب عاد من جديد ودب في جسم أمتنا العربية والإسلامية فأصبحنا نسمع عن الشيعي والسني العربي والكردي الفارسي والأحوازي التركي والعجمي فهل يعقل أن يخاطب مسلم أخاه المسلم بالقول أنني مسلم أكثر منك أو عبي أبلغ منك وهل يصدق أن يخاطب العربي أخاه العربي بأوصاف يأبى الإنسان ترديدها وذكرها أم هل يعقل أن يختلف العرب والمسلمون عن أكثر القضايا تعقيدا في هذا الزمان وهي القضية الفلسطينية أم هل بلغ الخلاف والتردي وضيق الحسابات إلى درجة الاختلاف والخلاف حول المبادئ والمقدسات؟
لا يمكنني أن أصدق أبدا أن كرة القدم وهي مجرد لعبة لا تتجاوز منطق الربح والخسارة أن توتر العلاقة بين شعبين وبلدين عربيين ومسلمين ولماذا لم يحدث هذا مع الايرلنديين والفرنسيين الذين تأهلوا وأقصد هنا الفرنسيون إلى المونديال ولكن بطعم الخسارة ولماذا لم ينتفض الايرلنديون على ظلم الفيفا
لهم وما أدراك ما الأيرلنديون التي كانت أرضهم ولا تزال مسرحا لأشهر الحروب دموية وعنفا وتطرفا بين أبناء الدين الواحد الكاثوليك والبروتستانت. يجب أن نراجع حساباتنا ونعود إلى جذورنا التي ارتقى بتطبيقها أجدادنا وسادوا أمما كانت قبل مجئ الإسلام عصية على المواجهة لقوتها وجبروتها ليرسخ المسلمون آنذاك مبادئ المساواة والمحبة والتسامح والرقي ونبذ العنف والتطرف والتخلف مبادئ لم يجمع العالم عليها إلا مأخرا فيما أصبح يعرف بالميثاق العلمي لحقوق الإنسان.
أمل النهوض ممكن
لم نشأ في هذه الإطلالة الاكتفاء بوصف ما تعانيه أمتنا وإن كان الوصف عبارة عن صرخة لا بد منها لكل عربي أو مسلم يحب أمته ودينه فرغم الجدران التي ذكرناها والكثير من الجدران الأخرى التي لم نذكرها إلا أننا نقول في الأخير أن الخير في الأمة باق فهي أمة قد تمرض نعم, كما قد تنام نعم, كما قد تتعب وتفتر نعم, ولكنها لن تموت وستصحو في يوم موعود وفق الآيات والأحاديث الشريفة ستصحو بطاقاتها وثرواتها وشبابها وبالكثير من المواهب الكامنة التي ينقصها الاكتشاف والاستخراج والاستعمال.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق