الاثنين، مايو 25، 2009

المتقون واتقان العمل

صفات المتقين

[16:21مكة المكرمة ] [02/02/2008]بقلم: ربيع عبد الباقي
التقوى هي هدف كل مسلم، وهي طريقه للنجاة من الدنيا إلى الآخرة بأمان، والتقوى- كما قال الإمام علي (كرم الله وجهه)-: "محلُّها القلب، الذي هو أمير البدن، والجوارح كلها له خدم؛ فإذا صلح هذا الأمير صلح الخدم"، والتقوى يصدِّقها ويجسِّدها في واقع المسلم العملُ الظاهرُ للإنسان، لكن يبقى ما في القلب، الذي لا يطَّلع عليه إلا علام الغيوب؛ الخالق جل في علاه.
ميزان تفاضل البشر
الناس يتفاضلون على قدر إقبالهم علي الطاعة وبُعدهم عن المعصية؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى الله" (رواه الإمام أحمد)، وقال أيضًا: "إن الله لا ينظر إلى أحسابكم ولا إلى أنسابكم ولا إلى أجسامكم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم؛ فمن كان له قلب صالح تحنَّن الله عليه وإنما أنتم بنو آدم، وأحبُّكم إليه أتقاكم"، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن اليسير من الرياء شرك، وإن الله يحب الأتقياء والأخفياء والأنقياء، الذين إذا غابوا لم يُفتقدوا، وإذا حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، ينجون من كل غبراء مظلمة".ويقول الله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (الفتح: 26)؛ ألزمهم كلمة التقوى، قال مجاهد: "هي لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير"، وقال الزهري: "بسم الله الرحمن الرحيم، يعني أن المشركين لم يقروا بهذه الكلمة، فخصَّ الله بها المؤمنين، و(كلمة التقوى) هي التي يُتَّقَى بها من الشرك"، وعن مجاهد أيضًا أن (كلمة التقوى) الإخلاص، "وكانوا أحق بها وأهلها" أي أحق بها من الكفار؛ لأن الله تعالى اختارهم لدينه؛ فالتقوى ربطها ربُّ العالمين باللجوء إليه تعالى، أي كل النجاة منه سبحانه وتعالى، وأيضًا ربطها بالصدق في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: 119).
بعض صفات المتقين
كلنا يسعى لأن يكون تقيًّا نقيًّا؛ قولاً وفعلاً، فما هي صفات المتقين لنصل إلى التقوى؟!
في سورة "آل عمران" يوضِّح لنا تبارك وتعالى بعض صفات المتقين لنتحلَّى بها؛ فنصل إلى درجةٍ من التقوى ننجو بها من فتن الدنيا إلى رحاب الآخرة؛ فاللهم بلغنا التقوى وارزقنا الإيمان والعمل الصالح:
المسارعة إلى الاستغفار
قال تعالى في سورة "آل عمران": ﴿وَسَارِعُوَاْ إِلَىَ مَغْفِرَةٍ مّن رّبّكُمْ وَجَنّةٍ عَرْضُهَا السّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدّتْ لِلْمُتّقِينَ* الّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السّرّآءِ وَالضّرّآءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللهُ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ* وَالّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوَاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذّنُوبَ إِلاّ اللهُ وَلَمْ يُصِرّواْ عَلَىَ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ* أُوْلََئِكَ جَزَآؤُهُمْ مّغْفِرَةٌ مّن رّبّهِمْ وَجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (آل عمران: من 133- 136) ثم ندبهم إلى المبادرة إلى فعل الخيرات والمسارعة إلى نَيل القربات؛ فقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوَاْ إِلَىَ مَغْفِرَةٍ مّن رّبّكُمْ وَجَنّةٍ عَرْضُهَا السّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدّتْ لِلْمُتّقِينَ﴾، أي كما أُعِدَّت النار للكافرين.
الإنفاق في الشدة والرخاء
والمنشط والمكره والصحة والمرض وفي جميع الأحوال؛ أي في اليسر والعسر، كما قال: ﴿الَّذِيْنَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً﴾ (البقرة: من الآية 274)، والمعنى أنهم لا يشغلهم أمر عن طاعة الله تعالى والإنفاق في مراضيه، والإحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البر والخير (ابن كثير- تفسير آل عمران).
والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس
إذا انتابهم الغيظ كظموه وكتموه فلم يُعملوه، وعَفَوا مع ذلك عمن أساء إليهم، فلا يُعملون غضبهم في الناس، بل يكفون عنهم شرَّهم, ويحتسبون ذلك عند الله عز وجل؛ لذا قال تعالى فيهم: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النّاسِ﴾، وعن ابن عباس رضي الله عنهما, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أنظر معسرًا أو وضع له وقاه الله من فيح جهنم, ألا إن عمل الجنة حزن بربوة- ثلاثًا- ألا إن عمل النار سهل بسهوة، والسعيد من وُقي الفتن, وما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد ما كظمها عبد لله إلا ملأ الله جوفه إيمانًا" (انفرد به الإمام أحمد, وإسناده حسن)، وعن سهل بن معاذ بن أنس, عن أبيه أن رسول الله قال: "من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رءوس الخلائق حتى يخيِّره من أي الحور شاء" (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: حسن غريب)، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تجرَّع عبدٌ من جرعة أفضل أجرًا من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله" (رواه ابن ماجة).وعن أبي هريرة رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" (رواه الإمام أحمد والشيخان).
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟" قال: قالوا: يا رسول الله، ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه, قال: "اعلموا أنه ليس منكم أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله، ما لك من مالك إلا ما قدمت, ومال وارثك ما أخرْتَ" قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تعدون الصرعة فيكم؟" قلنا: الذي لا تصرعه الرجال، قال "لا.. ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب" قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "ما تعدون فيكم الرقوب؟!" قلنا: الذي لا ولد له، قال: "لا, ولكن الرقوب الذي لم يقدم من ولده شيئًا" (الحديث بعضه في البخاري وبعضه في مسلم).
المخرج من حالات الغضب
يتعرَّض الإنسان لمواقف تثير غضبه وتدفعه إلى الخروج عن شعوره، فيتصرَّف بلا وعي، فتصدر عنه تصرفات لا تليق بخلق المسلم المتقي، فما العلاج من ذلك؟ وكيف المخرج؟.
عن جارية بن قدامة السعدي, أنه قال لرسول الله- صلى الله عليه وسلم-: يا رسول الله، قل لي قولاً ينفعني وأقلل عليَّ لعلي أعيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تغضب"، فأعاد عليه حتى أعاد عليه مرارًا كل ذلك يقول "لا تغضب" (رواه الإمام أحمد).
وعن أبي ذر- رضي الله عنه- أنه كان يسقي على حوض له، فجاء قوم فقالوا: أيكم يورد على أبي ذر ويحتسب شعرات من رأسه؟ فقال رجل: أنا, فجاء الرجل فأورد عليه الحوض فدقَّه, وكان أبو ذر قائمًا فجلس ثم اضطجع، فقيل له: يا أبا ذر، لم جلست ثم اضطجعت، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: "إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس, فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع" (رواه الإمام أحمد)، وعن عطية بن سعد السعدي قال: قال رسول الله: "إن الغضب من الشيطان, وإن الشيطان خُلِقَ من النار, وإنما تُطفأ النار بالماء، فإذا أغضب أحدكم فليتوضأ" (رواه الإمام أحمد).
العفو ومقام الإحسان
ظُلمتَ وقَدَرتَ على ردِّ الظلم، لكنك عفوت وأنت قادر على رد هذا الظلم، إنه خلُقٌ يرتقي بالمسلم إلى مقام الإحسان، وهو أعلى المقامات؛ حيث تعفو عمن ظلمك، لا عجزًا عن القصاص، ولكن سموًّا بالأخلاق، وسعيًا إلى الوصول إلى مقام الإحسان.. قال تعالى في المتقين: ﴿وَالْعَافِيْنَ عَنِ النَّاسِ﴾، أي مع كفِّ الشر يعفون عمن ظلمهم في أنفسهم، فلا تبقَى في أنفسهم موجدةٌ على أحد, وهذا أكمل الأحوال, ولهذا قال تعالى ﴿وَاللهُ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فذلك من مقامات الإحسان.
وفي الحديث: "ثلاث أقسم عليهن: ما نقص مال من صدقة, وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا, ومن تواضع لله رفعه الله", وروى الحاكم في مستدركه عن عبادة بن الصامت, عن أُبَي بن كعب أن رسول الله قال: "من سرَّه أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات, فليعفُ عمن ظلمه, ويعطِ من حرمه, ويصلْ من قطعه" ثم قال: صحيح على شرط الشيخين.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ يقول: أين العافون عن الناس، هلموا إلى ربكم، وخذوا أجوركم, وحق على كل امرئ مسلم إذا عفا أن يدخل الجنة".
مذنبون لكن تائبون
نعم.. يذنبون، لكنهم يتوبون، بل يسارعون ويهرعون إلى ربهم تائبين، منيبين إليه بالذكر والاستغفار، قال تعالى: ﴿وَالّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوَاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذّنُوبَ إِلاّ اللهُ﴾ فإذا صدر منهم ذنبٌ أتبعوه بالتوبة والاستغفار، بل سارعوا إلى التوبة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن رجلاً أذنب ذنبًا فقال: رب إني أذنبت ذنبًا فاغفره, فقال الله عز وجل: عبدي عمل ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به, قد غفرت لعبدي, ثم عمل ذنبًا آخر فقال: رب إني عملت ذنبًا فاغفره, فقال تبارك وتعالى: علم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به, قد غفرت لعبدي, ثم عمل ذنبًا آخر فقال: رب إني عملت ذنبًا فاغفره لي, فقال الله عز وجل: علم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنبًا آخر فقال: رب, إني عملت ذنبًا فاغفره, فقال عز وجل: عبدي علم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به, أشهدكم أني قد غفرت لعبدي، فليعمل ما شاء" (مسند الإمام أحمد).
عن أبي هريرة, قلنا: يا رسول الله, إذا رأيناك رقَّت قلوبنا, وكنا من أهل الآخرة, وإذا فارقناك أعجبتنا الدنيا, وشممنا النساء والأولاد, فقال: "لو أنكم تكونون على كل حال على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة بأكفِّهم, ولزارتكم في بيوتكم، ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون كي يغفر لهم"، قلنا: يا رسول الله, حدثنا عن الجنة؛ ما بناؤها؟ قال: "لبنة ذهب ولبنة فضة، وملاطها المسك الأذفر, وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت, وترابها الزعفران, من يدخلها ينعم ولا يبأس, ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابه, ولا يفنى شبابه, ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل, والصائم حتى يفطر, ودعوة المظلوم تُحمل على الغمام وتُفتح لها أبواب السماء, ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين" (رواه أحمد والترمذي وابن ماجة من وجه آخر من حديث سعد).
بعض صفات التوبة
من أبلغ صفات التوبة الإسراع فيها مع الوضوء وصلاة ركعتين عند التوبة لما رواه الإمام أحمد بن حنبل من حديث عن علي رضي الله عنه, قال: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه غيره استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وإنَّ أبا بكر رضي الله عنه حدثني- وصدق أبو بكر- أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال "ما من رجل يذنب ذنبًا فيتوضأ فيحسن الوضوء، قال مسعر، فيصلي، وقال سفيان: ثم يصلي ركعتين, فيستغفر الله عز وجل إلا غفر له".
وما رواه مسلم في صحيحه عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ- أو فيسبغ- الوضوء, ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله, إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية, يدخل من أيها شاء" وفي الصحيحين عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه توضأ لهم وضوء النبي صلى الله عليه وسلم, ثم قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول "من توضَّأ نحو وضوئي هذا ثم صلَّى ركعتين لا يحدِّث فيهما نفسه, غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه".
عدم الإصرار على المعصية
الإصرار هو أحد نواقض التوبة؛ فلا توبة مع إصرار على فعل المعصية بالانغماس فيها وربما استحلالها، وكأنها شيء حلال، فيعيش العاصي دائمًا ومعصيته لا تفارقه ولا يفارقها؛ أي في معية المعصية، وهنا ينبغي أن نفرِّق بين تكرار فعل المعصية والتوبة منها وبين فعل المعصية بصورة مستمرة؛ بحيث تصبح جزءًا من حياة المرء فلا يستغفر منها ولا يندم بعد اقترافها، فيقع في شرك الإصرار، وهذا ليس من سلوك المتقين؛ فهم منيبون لله دائمًا.
روى الإمام أحمد عن الأسود بن سريع أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بأسير، فقال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "عرف الحق لأهله".
وقوله ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي تابوا من ذنوبهم ورجعوا إلى الله عن قريب, ولم يستمروا على المعصية ويصرُّوا عليها غير مقلعين عنها, ولو تكرَّر منهم الذنب تابوا عنه ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللهَ يَجِدْ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110)﴾ (النساء).
وقوله ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال مجاهد وعبد الله بن عبيد بن عمير (وهم يعلمون) أن من تابَ تاب الله عليه, وهذا كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104)﴾ (التوبة).
جائزة المتقين
إنها جائزة التقوى؛ قال تعالى في حقِّهم: ﴿أُوْلََئِكَ جَزَآؤُهُمْ مّغْفِرَةٌ مّن رّبّهِمْ﴾ أي جزاؤهم على هذه الصفات ﴿مّغْفِرَةٌ مّن رّبّهِمْ وَجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾، أي من أنواع المشروبات ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي ماكثين فيها ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ مدح لذلك النعيم (تفسير ابن كثير).

----------

* Bakr15@hotmail.com


العمل الدءوب
[15:58مكة المكرمة ] [14/10/2008]بقلم: جمال ماضي
كيف تنجح في لمح البصر؟
لا شيء كالعمل يجعل الإنسان ينطلق في الحياة بلا تعقيدات؛ فهو الأمر الذي يرتقي بصاحبه في هذه الحياة؛ حتى يعتليَ في لمح البصر كل فوز، ويمتلك في غمضة عين كل نجاح، وحينما نقول: "العمل الدءوب"، فمعناه العمل المتصل دون انقطاع؛ فحلقاته تكاد تسلِّم بعضها لبعض.
والعمل الدءوب يحمل في طياته الانضباط الشديد، ومن هنا فليس كل عمل يجعل الإنسان ناجحًا ويحوز كل سبق، والعمل الدءوب لا يأتي من فراغ، بل من نفس قوية وإرادة فتية وهمة سابقة، وسر ذلك كله في التفكير الإيجابي، وطرد كل مظاهر السلبية الداخلية، التي تحول بينه وبين الاستمرار؛ فربما تواصلت الأعمال، ثم فجأةً تتوقف أو يختفي الحماس لها، هنالك يجب أن نفتش في طريقة تفكيرنا؛ هل هي دافعة ومتفائلة ومتحمسة؟ أم هي يائسة محبطة تؤثر السلامة وتخشى من المغامرة؟!
لقد سئل النمساوي أرنولد شوارتزينجر الذي كان صبيًّا ضعيفًا وأصرَّ على تمارين كمال الأجسام وقضى لذلك ساعات في البيت، حتى أصبح بطلاً في كمال الأجسام، ثم أصبح أعلى نجوم السينما أجراًً، ثم أخيرًاُ حاكمًا لولاية أمريكية.. لقد سئل في لقاء تليفزيوني عن سبب هذا النجاح المستمر فقال: "العمل الدءوب، والانضباط الشديد، والتفكير الإيجابي".
العمل الدءوب من سنن الحياة
وهذا ما دعانا إلى أن نتعرف على سرٍّ من أسرار الحياة، وهي سنة ربانية لجميع البشر: "من أراد الاستمرار في العمل فعليه بالاستمرار في العمل، ومن أراد الطاعة فعليه بالالتزام بالطاعة، ومن أراد النجاح فعليه بالعمل الدءوب".
إن ذئب الكسل متربص بكلٍّ منا، في انتظار غفوة أو شهوة أو غفلة، فينقضُّ على النجاح الذي يؤرِّقه ولا يجعله ينام لحظةً أو يهدأ برهةً.
فهل يُفهم من هذا أن السُّنة الماضية على البشر؛ لا تتأثر بإيمان أو جحود، ولا تهتم بالالتزام أو غير التزام؟
إن النماذج الكاملة في توظيف هذه السنة هي التي كانت مثل عملة لوجهين معًا؛ الوجه الإيماني الذي هو الزاد والطاقة لقوله تعالى: ﴿وتزوَّدوا فإنَّ خيرَ الزادِ التقوى﴾ (البقرة: من الآية 197)، ثم الوجه المادي في الأخذ بكل أسباب النجاح والترقي والعلو؛ ولذلك فغرض المؤمنين أقرب وأيسر؛ لتوفر الطاقة الداخلية بطريقة طبيعية، أما غيرهم فهم يحتاجون إلى جهد داخلي مُضْنٍ وتدريب مستمر؛ حتى تتكون لديهم بعض من الطاقة، سواءٌ في التفكير أو الزاد أو التنفيذ.
جدد حياتك بالعمل الدءوب
إن قطع أشواط النجاح يتوقف على قوة التغلب على العقبات ، ومواجهة المشكلات، وتذليل الصعاب، وتحمل الآلام، وامتصاص التعب والإرهاق، وتجاوز كل فشل بجعله نقطة انطلاق جديدة؛ مما يعمل على تجديد الحياة، وبعث الحيوية في الأعمال، ومن ثم جنى الثمار بأقل جهد، وبأسهل الطرق، وبأيسر تكلفة، وبأسرع وقت، وربما حينما نضرب المثل بالمشهورين من الناجحين على مستوى العالم يقرب إلينا الصورة؛ بغض النظر عن فكرهم أو خلقهم أو نهجهم، فهذه كونداليزا رايس التحقت بالجامعة وهي تبلغ من العمر 15 عامًا وتخرجت وهي في سن 19 عامًا، وعندما بلغت 41 عامًا كانت رئيسًا للجامعة، ثم اختيرت مستشارًا للأمن القومي في أمريكا ثم وزيرة خارجية، ومن العجيب أيضًا أن تاريخ عائلتها يقول: إنها الوحيدة التي سلكت في جيلها طريق التعليم!.
هل العمل الدءوب موهبة خارقة؟
فهل الذين يحرزون أعلى المراتب في كل مجال هم أصحاب مواهب خارقة؟
أم هم المثابرون المكبّون على العمل بلا كلل ولا ملل؟
أترك لكم الإجابة..
ولكن أضع بين أيديكم دراسة قد تساعدكم في الإجابة؛ فقد أجريت دراسة على فريقين أحدهما حصل على درجة ممتاز، والآخر حصل على درجة جيد، وُجد أن الفريق الأول كانت ساعات تمرينه أعلى من الآخر، فقد بلغ الأول 10000 ساعة أي ما يقرب من السنة كاملة من التمارين، بينما الآخر 7500 ساعة.ولذلك فهناك فرق بين العمل الدءوب والعمل الصعب؛ فالاثنان يختلف بعضها عن الآخر شكلاً وتفضيلاً؛ فالعمل الدءوب ليس معناه أبدًا العمل بلا توقف أو بدون راحة أو أخذ قسط من الترفيه، وإلا كان جهدًا نفسيًّا بلا فائدة، وهذا هو الفرق الجوهري بين العمل المدروس المثمر والعمل المجهد المتعب؛ فالأول هو العمل الدءوب، والثاني هو العمل الصعب المرهق.
كيف تحقق العمل الدءوب؟
وأراك تقول: كيف تحقق هذا العمل المدروس المثمر الذي اقتنعنا بأنه العمل الدءوب؟!
تعال معًا نخطو هذه الخطوات العملية؛ حيث نستطيع بهذه الخطوات الخمسة أن نحقق العمل المدروس المثمر.
الخطوات الخمسة لتحقيق العمل الدءوب:
*الأولى: التبكير
متى نتخلص من أزمة آخر الوقت؟
متى نتخلص من التسويف والتأجيل؟
لماذا نربك أحوالنا في آخر لحظة؟
ثم نجعل من ذلك شماعة للإخفاق؟ ومبررًا للفشل؟
إن أهم ما في التبكير أن يمنحك فرصةً من الاستيعاب لا تعوَّض؛ بما تجعلك على استعداد دائم، وفي جاهزية مستمرة، ويقظة عالية، تنقذك من المآزق والمفاجآت، ولعل كل هذه الأثار الرائعة هي بعض من معاني (البركة) التي تحدث عنها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "بورك لأمتي في بكورها"، فكان التبكير سببًا من أسباب جلب البركة التي هي: (نماء الشيء وزيادته واستمراره دون قصد أو دراية)، وهي لا تأتي خبطًا عشوائيًّا، مثلما يظن البسطاء من الناس، وإنما هي استعداد وجاهزية واستيعاب واجتهاد في أن يكون الإنسان دائمًا في المقدمة لا يسبقه أحد.
*الثانية: التركيز
وصفة التركيز لا تأتي مرةً واحدةً، ولا تتحقق في زمن واحد، وإنما هي كالدواء يؤخذ في مدد قصيرة يومية، وعلى مراحل زمنية محددة، ولذلك فالتركيز على عمل ما يحتاج من صاحبه، أن يتدرج يوميًّا، ولو لمدة قصيرة، وصولاً إلى التركيز، ولذلك كان هذا التدرج هو أحب الأمور إلى الله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل"؛ لأن ذلك هو الطريق الوحيد إلى التركيز الذي هو نقطة الاستمرار ومحطة التواصل.
*الثالثة: الفهم قبل العمل
ونعني به (فهم العمل) مما يضمن له الاستمرار، وذلك بفهم نقاط العمل ومصطلحاته ومفاهيمه وتصوراته؛ حتى يسهل فهمها واستيعاب دقائقها؛ فلكل عمل أسراره وخباياه، ولذلك فمن أراد أن يحقق هذه الخطوة، عليه ببذل المزيد من المجهود في القراءة والمطالعة عن العمل والتعرف على تفاصيله، واكتساب الخبرات ممن نجحوا في هذا العمل، ولا يخجل من السؤال الدائم، والتزود بالعلم؛ مصداقًا لقوله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: من الآية 114).
*الرابعة: التحديد بعد العمل
قد يعمل بعضنا العمل ثم ينسى تفاصيله، فإذا أعاده لسبب ما فكأنه مبتدئ يفعله لأول مرة!.
وقد يعمل بعضنا العمل ثم تختفي معلوماته كسحابة مرت، فلا يستفيد منه أحد! وقد يعمل بعضنا العمل ويحاول أن يتعرف على ملامحة فلا يتذكر منه إلا القليل، الذي يكون كالسراب، لا يجده شيئًا!.
فما المخرج بعد أدائك للعمل؟ هل تحتفظ به في ذاكرتك، فتستمر عليه، وتدرب غيرك على الاستمرار عليه؟
للإجابة ينصح الخبراء بتجديد المعلومات أولاً بأول، واكتبها حتى لا تخونك الذاكرة؛ فإنك تستطيع بتجديد المعلومات أن تواجه النسيان الطبيعي في حياة كل إنسان؛ مما يضمن لك العمل الدءوب المستمر.
*الخامسة: التحسين
من منا وهو يعمل لا يكتشف أنه يحتاج إلى أن يتزود في جوانب كثيرة تنقصه؟
من منا وهو يعمل يكتشف أنه درج على عادات وآراء خاطئة تحتاج إلى تعديل؟
من منا وهو يعمل يتمنى لو يعطى جوانب كثيرة مفتقدة فيه؟
فالعمل مصفاة، ومن أجل أن يستمر على كل منا أن يكتشف الجوانب التي تنقصه، والجوانب المفتقدة، وحاجته إلى التعديل والتحسين والتطوير.
وكلما قطع شوطًا في تغطية هذه الجوانب أو تحسينها أو تعديلها، استطاع أن يكتسب خبرة بالعمل تضمن له التواصل، وأن يضع قدمه على أول طريق العمل الدءوب.
أربع أفكار عملية لعمل دءوب
*الفكرة الأولى: التقسيم :من الأقوال المأثورة في تحقيق فكرة التقسيم:
(3 ساعات عمل صباحًا، و3 ساعات عمل مساءً، أفضل من 6 ساعات متواصلة).
ولذلك ننبه إلى أهمية نوم القيلولة، وهي أن تأخذ قسطًا من النوم بعد الظهر، فكأنك تبدأ حياة جديدة، وبذلك يصبح عندك اليوم يومين لا يومًا واحدًا، وهي من سنن النبي صلى الله عليه وسلم.
الفكرة الثانية: التعقل :من الأقوال المأثورة في تحقيق التعقل: (العمل والعقل متعب، مضيعة للوقت) ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها"، فهل نحن مصرون على إضاعة الأوقات دون أن نستثمرها ونستفيد منها؟ فهي مقطوعة بأي حال، فتقطع باستفادة خير من أن تقطع بلا فائدة!.
*الفكرة الثالثة: الصعب:من الأقوال المأثورة في تحقيق التعامل الصحيح مع العمل الصعب: (ابدأ بالأعمال الصعبة حين نشاط العقل، بل في أوج نشاطه).
ولذلك يجب تأجيل الأعمال الصعبة لحين نشاط العقل، فكلما كان في أوج نشاطه تفتح الملفات التي صعب التعامل معها من قبل، ونشاط العقل يرتبط بحبك للعمل، أو مرونة العمل وبساطته، أو سهولة طرق أدائه، وبهذا التحايل يمكن للإنسان أن يتعامل بنجاح مع أصعب الأعمال، تنشيط العقل أولاً، ثم استدعاء المؤجل من الأعمال الصعبة ثانيًا، والاجتهاد في تنفيذ بعضها، فكل مرحلة نجاح هي إيذان بالوصول إلى النجاح الكامل.
*الفكرة الرابعة: لا تنظر إلى النتائج
من الأقوال المأثورة في تحقيق هذه الفكرة: (علينا أن نسعى ولا ننظر إلى النتائج:
وعليَّ أن أسعى وليس عليَّ إدراك النجاح).. بل قالوا: حين يقول أحدهم: (وصلت إلى غايتي في الحياة) فاعلم أنه يبدأ في الانحدار، أو قد بدأ فعلاً ينحدر.
التخطيط.. فنٌّ وعِلم
بمجرّد أن تعمل فأنت تخطط، حتى وإن غاب التخطيط الورقي فإنه باقٍ في الذهن، فلا تستطيع الانفكاك عنه، وقد جاءت التطورات العلمية بإسهامات في التخطيط حتى حوّلته إلى علم وفن. . تتكامل لتصبح مهارة.
يُعدّ التخطيط مهمة إدارية عليا في سلم المهام، و في الوقت ذاته وظائفه إدارية من أهم وظائف علم الإدارة القائمة على: التخطيط، والتنظيم، والتمويل، والموارد البشرية، الرقابة. . والتخطيط هو المحور في هذه العناصر كلها؛ لأنه يبدأ بها وينتهي، ويمر في أثنائها، فهو المحور بينها. . فمهمته لا تنتهي إلاّ بتحقيق الهدف.
ويعرّف التخطيط بأنه: "عملية أو مجموعة عمليات تتضمن وضع مجموعة من الافتراضات حول الوضع في المستقبل، ثم وضع خطة تبين الأهداف المطلوب الوصول إليها خلال فترة محددة، والإمكانات الواجب توفرها لتحقيق هذه الأهداف، وكيفية استخدام هذه الإمكانات بالكفاءة والفاعلية المطلوبة". فالمخطّط يكون أمام عدة طرق ويبحث في أحدها. . أو في الموائمة بين بعضها عن الملائم لتنفيذ الأهداف، وهو ما يجب عليه اختباره كأساس لتنفيذ الهدف المراد تحقيقه.
إجابات واضحة. . مستقبل واضح :حينما توضع الأوراق والأفكار للتخطيط، فإنه يُجاب عن أسئلة تحدد ملامح التخطيط، فتعلم (ماذا تعمل، كيف تعمل، من يعمل)، وبالإجابة عليها تشكل الجسر الرابط بين الحاضر والمستقبل، ويعبر عنه بعضهم بأنه: تقرير حاضر لسلوك المستقبل. . فبجمع الحقائق والمعلومات تستطيع تحديد الأعمال الضرورية للوصول إلى النتائج والأهداف المرغوب فيها. وكلما كانت هذه المعلومات أدق وأوضح وأصدق كانت القرارات المترتبة عليها أقرب للصواب والواقعية، مع الأخذ بمعطيات الظروف الخارجية والمؤثرات.
يضيف بعض الإداريين سؤالاً مهماً، وهو: (ماذا لو؟). . ويقصدون به فتح خط جديد ومسار بديل فيما لو حصل خلل في التنفيذ، ويعارضه بعض الإداريين العالميين والإسلاميين خصوصًا؛ لأن وجود احتمال يعني التفكير في خطين متوازيين، وقد يورث الكسل والإهمال.
أهمية التخطيط :يذكر علماء التاريخ والحضارة أن جميع الحضارات السائدة والبائدة وُجد في بعض آثارها ملامح تخطيطية، على جميع أصعدتها السيادية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية. . والحال ذاته الآن على مستوى الدول والمؤسسات والشركات الكبرى والمتقدمة، وتزداد أهمية التخطيط عندما يستشعر الإنسان أنه بالتخطيط سيحقق النتائج الكبيرة في أزمنة وتكاليف أقل، وبالجملة فإن التخطيط يقود إلى:
أولاً: معرفة المحيطين بالمسار. . مما يؤدي إلى قيادة واضحة ووصول سريع.
ثانيًا: تحديد الإمكانات المادية والبشرية اللازمة لتنفيذ الأهداف، وبالتالي توفير الكميات والنوعيات المطلوبة، والوصول إليها بأدق المواصفات وأجودها، وأفضل العروض المتاحة.
ثالثًا: الانسجام العملي بين الأفراد والإدارات، من خلال المشي بيد واحدة إلى هدف واحد.
رابعًا: يتيح رقابة داخلية وخارجية فاعلة، ويمكن من قياس دقيق للأداء والإنجاز، ووضوح معايير الرقابة والتقييم لدى الموظف والمدير.
خامسًا: الجانب النفسي للموظف والمنظمة سيكون عاليًا لمعرفة كل الأمور وأخذها في الحسبان.
طويل. . متوسط. . قصير
ويصنف علماء الإدارة التخطيط على ثلاثة مراحل:
تخطيط طويل الأجل، برسم السياسات العامة للمنظمة، وتحديد أنواع الأهداف المطلوب تحقيقها، وهذا من مهام الإدارات العليا.
وتخطيط متوسط يترجم هذه الأهداف إلى برامج عمل من حيث توزيع المهام والواجبات على الإدارات المختلفة، ووضع الجداول الزمنية اللازمة للتنفيذ، وفي المستويات الإشرافية تتمثل مهمة المشرفين الرئيسة في تحويل هذه الخطط والبرامج العامة إلى التطبيق العملي، وذلك بتوجيه العاملين نحو تحقيق الأهداف عن طريق تحويل الخطط والبرامج العامة إلى برامج تفصيلية.
التخطيط مهمة تكاملية إن معايشة التخطيط واقعًا في كافة شؤون الحياة يجعل الإنسان يحس بقيمته الكونية التي جعلها الله له، فهو منتظم في سياق الفطرة التي فطر الله عليها الكائنات؛ فالشمس تجري لمستقر لها، والقمر مقدر منازل، وكل الكائنات تمشي وفق نظام واحد لا تحيد عنه، وتبنّي مشروع التخطيط أسريًا واجتماعيًا يحل الكثير من المشاكل، ويجنب الكثير من التكاليف ويربي العائلة، ويجعل المسؤولية متقاسمة، كما أنه يساعد على التكيف مع أصعب الظروف المعيشية والزمانية والمكانية، وتبقى العوارض الطارئة أمر مقدر على كل بني البشر لا محيص لهم عنه، ولكن الحكم للأعم الأغلب.
كيف توازن بين روح العمل وآليته
هل سألت نفسك: ما هو الميزان الذي يجب أن تزن به مختلف أنشطتك في الحياة، هل هو مقدار ما تستهلك، أم مقدار ما تزيد في عملك وإنتاجك؟ .. لنأخذ الطعام الذي تأكله مثالاً، فإننا نجد أن الذي ينفع الإنسان منه ويعطيه القوة والطاقة ليس هو ما يأكل الشخص، بل هو ما يهضم منه.
وهذا يعني أن مايزداد فينا هو الميزان وليس ما نستهلك، وكما في الطعام كذلك في الأمور الأخرى، فما يجعل المرء غنياً ليس ما يجنيه، بل ما يوفره، وما يجعله مثقفاً ليس هو مايقرؤه، بل ما يتذكره. وبناء على هذه القاعدة فإن ما يجعل الشخص مؤمناً ليس هو ما يدعيه، بل ما يؤديه من عمل.إن معراجك هو في تقولك، وأن علمك في معرفتك، كما أن قوتك في استيعاب عضلاتك القوة مما تأكل، وهكذا فإن الميزان ليس هو المقدار الذي تأخذه من الأشياء، بل هو ما تستوعبه ثم تفرزه على شكل نشاط وإنتاج.
وللعمل جانبان: روح العمل، وآليته.
وتعتمد روح العمل على أمور ثلاثة هي: الرؤية الصائبة للهدف، ومعرفة الطريق الصحيح، واتخاذ القرار المناسب.
أما آلية العمل فهي تقوم على أمور ثلاثة أيضاً هي: وجود إطار مناسب، ووجود قنوات سليمة للعمل، والتحرك بالحجم المطلوب.فإذا كانت الرابطة بين روح العمل وآليته سليمة، فإن النجاح بلا شك سيكون من نصيب العامل، وإلا فقد تتعثر الأمور وتتعرقل القضايا ويضيع الجهد، والمشكلة مع الفاشلين قد تكون في فقدان الرؤية الصائبة، وقد تكون في فقدان الإرادة مع توفر الرؤية الصائبة، وقد تكون المشكلة في الأداء. فمن رأى خللاً في عمله، فلا بد أن يراجع نفسه ويحاسبها ويستقصي الأمور، ويحاول أن يكتشف مكان الخلل، إذ إننا قد نعالج في الآلية بينما نحتاج إلى علاج الخطأ في الروح، فالذين لا يملكون الإرادة للعمل لن ينفعهم وجود قنوات سليمة وأطر مناسبة، لأن مشكلتهم كامنة في روح العمل. مثل فقدان الإرادة أو فقدان الرؤية، أو فقدان هدف محدد.. وربما تكون المشكلة في الطريق الخطأ الذي يسلكه الفرد، بالرغم من وجود الروح، وتحديد الهدف، فهو كمن يريد الوصول إلى مكة ولكنه يسلك طريق بغداد.
ومع وجود أي خلل، فإن علينا أن ندرس المشكلة لنتعرف على مكمن الخلل، فمن يفتقد الإرادة، ولا يتخذ القرار المناسب في الوقت المناسب، لن ينفع معه توفر الوسائل اللازمة للنجاح، وإن كان معظم الذين يعانون من الخلل في الروح يعلقون أسباب إخفاقهم على مشجب فقدان الوسائل، فكم من وسائل تراكمت في الإدارات والمكاتب، لكنها بمرور الزمن أصبحت عقبة أمام الإنجازات، وليس وسيلة لتحقيقها.
أما من يمتلك الإرادة، ولا ينقصه تحديد الهدف الواضح في الحياة، ولكنه يعاني من فقدان الوسائل، فإن توفير بعض الوسائل له قد تفيد في تصحيح وضعه تماماً.وعلى كل حال، فإن من لديه التصميم على النجاح فهو مهما خسر من الفرص فهو يتهيأ لاقتناص فرص أخرى.
وما أكثر الفرص المتاحة التي تذهب مع الريح، لا لأن الناس غير راغبين في اقتناصها، بل لأنهم لم يخططوا للاستفادة منها، فالتخطيط المسبق جزء من الآلية المطلوبة للنجاح.
إن الأقدار تساعد أولئك الذين يمتلكون روح العمل، ويسعون بجد لامتلاك وسائل النجاح، ولكي تنجح أنت بحاجة إلى إتباع الخطوات التالية:
أولاً: حدد الهدف الذي تريد الوصول إليه.
ثانياً: ارسم في ذهنك خطة لتحقيق ذلك الهدف.
ثالثاً: ضع تفاصيل تنفيذ الخطة على الورق، ولتكن ضمن إطار (سأعمل هذا العمل بهذه الصورة) بدل أن يكون الإطار (سوف اعمله ) فقط.
رابعاً: كن متحمساً لانجاز خطتك.
خامساً: استشر الخبراء الذين تثق بهم.
سادساً: قم بقياس مدى تقدمك على ضوء الخطة التي وضعتها، وانظر إلى الوراء بين فترة وأخرى، لترى كم قطعت من المسافة لتنفيذ الخطة.
سابعاً: لا تحاول تنفيذ الخطة دفعة واحدة، بل اجعلها خطوات متتابعة.
ثامناً: أعط كل جزء من الخطة حقه من النشاط والعمل، بشكل متساو مع بقية الأجزاء، والمطلوب قبل كل ذلك ومعه.
كما أن عدم التأجيل أيضاً ضروري، وبمثل هذه الخطة يكون لديك (ميزان) تستطيع أن توزن به الأشياء وتقدر مختلف الأمور.
إتقــــــــــــــــان العـــــــــــــمل

عناصر الموضوع
1- مفهوم العمل
2- نظرة الإسلام للعمل
3- لماذا نعمل ؟؟
4- ماهية الإتقان
5- أهمية الإتقان
6- عوامل تساعد على الإتقان
7- صور تنافي الإتقان !!
---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
أولا : مفهوم العمل :
هو كل فعل يكون من الإنسان أو الحيوان فهو أخص من الفعل لان الفعل قد ينسب إلى الحيوانات التي يقع منها فعل بغير قصد " " 1 "
وهذا التعريف يفهم منه أن الحركة المقصودة والفعل المتعمد يطلق عليه لفظ " عمل " وهو لا يكون إلا من الإنسان صاحب العقل والإرادة وقد جاءت الآيات والأحاديث بهذا المعنى قال الله تعالى : " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ..." ويقول – صلى الله عليه وسلم - : " إنما الأعمال بالنيات " رواه البخاري و مسلم في صحيحهما .
وبهذا القصد في الفعل يترتب عليه أثره ونتيجته فيحمد الإنسان على عمله الصالح ويذم ويلام على عمله الطالح
وقد جاء العمل في اللغة بمعنى المهنة ولقد تطور مفهوم المهنة بمجيء الإسلام فهي كانت تعني في لغة العرب قديما " الخدمة والابتذال قال الجوهري : " امتهنت الشيء أي ابتذلته ورجل مهين أي حقير " وكان العرب يكرهون العمل باليد وينظرون إليه بتدن ويفضلون عليه التجارة وأوكلوا أمر المهن إلى الموالي وجاء الإسلام ليغير هذه النظرة القاصرة الخاطئة للعمل الشريف فشجع كثيرا على العمل ، ووعد عليه بالأجر العظيم كما سنرى لاحقا وقد جاء في المعجم الوسيط ما يشير إلى هذه التطور في مفهوم المهنة الذي عرفها : بأنها العمل والعمل يحتاج إلى ومهارة وحذق بممارسته يقال : ما مهنتك أي عملك "
فالعمل المثمر المنتج الذي يرقى بالأمة هو ما كان أساسه الخبرة وعموده العلم والحرفية العالية في الأداء
ثانيا : نظرة الإسلام للعمل :
1 - لقد اعتنى الإسلام بالعمل المهني وجعله نعمة تستحق الشكر قال تعالى : " ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون "
فالآية تشير أن ما يتغذى عليه الإنسان هو من كسبه وكده سواء كان بزراعة الأرض وهو ما أومأت أليه الآية : " من ثمره " أو بالتجارة المشروعة كما في قوله : " وما عملته أيديهم " وهذه القدرة التي منحها الله تعالى للإنسان والعلم الذي وهبه إياه لاستخراج ما في بطن الأرض من الخيرات والثمرات وإدارة موارد الطبيعة وحسن توظيفها هو نعمة عظيمة تستحق الشكر الجزيل والاعتراف بالجميل
2 – اعتبر الإسلام العمل نوعا من الجهاد ينال به درجة المجاهدين وشرف المرابطين " وقد رأى الصحابة شابا قويا يسرع إلى عمله فقالوا : لو كان هذا في سبيل الله ؟! فقال النبي – صلى الله عليه وسلم – : " لا تقولوا هذا فإنه إن كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل الله ، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله ، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان " ولما لا يعد العمل جهادا ؟ وهو الذي يوفر الطعام والشراب والكساء والسلاح والمال للمرابطين في أرض المعركة ولولا العمال الكادحين والصناع المهرة ما قامت لنا قائمة ، وبعث عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – " سفيان بن مالك " ساعيا بالبصرة فمكث حينا ثم استأذنه في الجهاد فقال له عمر : أولست في جهاد ؟
3 – والعمل الجاد مكفر للذنوب ومطهر للآثام فقال – صلى الهه عليه وسلم - : " من بات كالا من عمله بات مغفوراله " وقال : " من بات وانيا من عمله بات والله عنه راض "
4 – والعمل مهما كان حجمه إذا نوى صاحبه إطعام الجائع وكساء العاري وشفاء المرض وإغناء الفقير كان له بذلك صدقة جارية وأجر غير ممنون ما انتفع الناس والحيوان بثمرة عمله قال – صلى الله عليه وسلم – " من بنى بنيانا من غير ظلم ولا اعتداء أو غرس غرسا في غير ظلم ولا اعتداء كان له أجر جار ما انتفع به خلق الله "
وقال أيضا : " ما من رجل يغرس غرسا إلا كتب الله عز وجل له من الأجر قدر ما يخرج من ثمر ذلك الغراس " وقال أيضا : " ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة "
5 – كما رفع الإسلام من قيمة العمل وأعلى قدر العاملين وحرم التبطل وحارب الخمول والكسل وهناك أحاديث تنهى عن القعود وتشحذ همم العاملين كقوله صلى الله عليه وسلم – : " لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه " وكان عبد الله بن مسعود يقول : " إني لأكره الرجل فارغا لا في عمل الدنيا ولا في عمل الآخرة "
6 – ومما يؤكد على قيمة العمل أن القرآن الكريم أشار إلى كثير من الصناعات التي لا يستغني عنها الناس مثل صناعة الحديد : " وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس "
وصناعة الأكسية " ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين "
والصناعات الحربية : " وألنا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر في السرد "
وصناعة الجلود : " وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم
وصناعة الملابس : " وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم " والسربال : القميص من أي شيء
وصناعة السفن والمراكب : " فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا "
والصناعات المسكنية : " وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا " ، كما كان كثير من الأنبياء لهم حرف يرتزقون منها فآدم – عليه السلام – حراثا ، وداود صناعا للسرد والدروع ، وموسى راعيا ، وكذا نبينا اشتغل بالرعي ، فقد حث الإسلام المسلم على أن يكون ديدنه في حياته كلها العمل والعطاء وتعمير الأرض وبناء الحياة حتى يدركه الموت أو الساعة قال – صلى الله عليه وسلم _ : " إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها "
لماذا نعمل ؟؟ :
أولا : العمل مهما كان قدره ومهما كان ربحه وعائده فهو يمنع صاحبه من التبذل وسقوط ماء الوجه وضياع هيبته بالسؤال وبذلك ينال العامل توقير المجتمع واحترامه ويحيى عزيزا كريما ويموت جليلا حميدا واليد العليا خير من اليد السفلى وفي حديث البخاري عن أبي هريرة – رضي الله عنه : " لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحدا فيعطيه أو يمنعه "
ثانيا : أن تقدم الأمة في الصناعات المختلفة وريادتها في الأعمال المبتكرة يحقق لها المنعة من الأعداء المتربصين بها والطامعين في ثرواتها وكنوزها ، وقد رأينا يوم أن أصبحنا عالة على غيرنا في ما نأكل ونشرب ونلبس ونركب ونحن لا حول لنا ولا قوة نهبت أموالنا وصودرت أراضينا ومقدساتنا ؛ ولذا كان من مخطط الغرب لنا أن يبقينا شعوبا جاهلة متسولة لكل تقنية تعيش وتقتات على صناعات غيرها يقول أحد القساوسة الفرنسيين : " إن العالم الإسلامي يقعد اليوم على ثروة خيالية من الذهب الأسود والموارد الأولية الضرورية للصناعة الحديثة ؛ فلنعط هذا العالم ما يشاء ولنقو في نفسه عدم الرغبة في الإنتاج الصناعي والفني فإذا عجزنا عن تحقيق هذه الخطة وتحرر العملاق من قيود جهله وعقدة الشعور بعجزه عن مجاراة الغرب في الإنتاج فقد بؤنا بالإخفاق السريع وأصبح خطر العالم العربي وما وراءه من الطاقات الإسلامية الضخمة خطرا داهما يتعرض به التراث الغربي لكارثة تاريخية ينتهي بها الغرب وتنتهي معه وظيفته القيادية "
لذا فإن العمل والإنتاج لسد حاجة المجتمع وتقوية بنيته ، وتحقيق تقدمه وريادته في شرعنا فرض تأثم الأمة كلها إذا لم يتحقق لها ذلك ، يقول ابن تيمية – رحمه الله تعالى -: " لهذا قال غير واحد من الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما كأبي حامد الغزالي ، وأبي الفرج ابن الجوزي وغيرهم : إن هذه الصناعات فرض على الكفاية فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بها "
ضوابط العمل :
1 – أن لا يكون هذا العمل مما نصت الشريعة على حرمته وبان ضرره وعظم خبثه كزراعة المخدرات والاتجار فيها وتعاطي الربا في المعاملات المالية وغير ذلك ، والمحرمات في ديننا معروفة ومحدودة ودائرة الحلال واسعة تستوعب كل النشاط الإنساني
2 – العمل ليس هدفا في حد ذاته ؛ وإنما هو وسيلة تغني المسلم وتكفل له حياة كريمة فينبغي أن لا تشغله عن آخرته وتعطله عن ربه وتعوقه عن خدمة دينه بل ترفعه إلى العطاء ورعاية واجباته الدعوية ؛ ولذا جاء في وصف المؤمنين الصادقين : " رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله " وقال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله "
فالمؤمنين ليسوا عالة على غيرهم تشغلهم عبادتهم عن العمل والكسب ، وليسوا طلاب دنيا وعبيد مال تحجزهم مصالحهم وتلهيهم تجارتهم عن أداء حقوق الله تعالى ، " ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك .. " ، ودخل عبد الله بن عمر- رضي الله عنه - السوق ، فأقيمت الصلاة فأغلق التجار حوانيتهم ودخلوا المسجد فقال : فيهم نزلت : " رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله .. " ، وقال مطرف الوراق : " كانوا يبيعون ويشترون ولكن كان أحدهم إذا سمع النداء وميزانه في يده خفضه وأقبل إلى الصلاة "
3 – أن يقنع المسلم بما قسمه الله له ويرضى برزقه وهذا يمنعه من التطلع إلى ما في أيدي الناس ، وسلوك طرق محرمة لزيادة دخله كالرشوة والسرقة والتزلف لذوي الأموال
هي القناعة لا تبغي بها بدلا فيها النعيم وفيها راحة البدن
انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير القطن والكفن
4 – في المال حق لله تعالى إذا بلغ النصاب يجب إخراجه بتمامه في موعده دون تلكأ أو تأخير : " وآتوا حقه يوم حصاده " ،" خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها " وبذلك يساهم العامل في سد حاجة الفقراء وإغاثة الملهوفين ونجدة المحرومين ويساعد بماله الذي من كده وتعبه في بناء مجتمعا قائما على التكافل والرعاية
ماهية الإتقان :
يقول الفيروز أبادي في معجمه : "أ تقن الأمر أحكمه والتقن الرجل الحاذق ورجل من الرماة يضرب بجودة رميه المثل " والإحسان يرادف كلمة الإتقان وهو " يقال على وجهين :
أحدهما : الإنعام على الغير يقال : أحسن إلى فلان
والثاني : إحسان في فعله ، وذلك إذا علم علما حسنا أو عمل عملا حسنا " وعلى هذا قول أمير المؤمنين علي – رضي الله عنه - : " الناس أبناء ما يحسنون ، أي منسوبون إلى ما يعملونه من الأفعال الحسنة " وفي ضوء التعريف اللغوي لكلمتي الإحسان والإتقان ندرك أن اللفظين يتفقان على ممارسة النشاط الإنساني بمهارة عالية ودرجة كبيرة من الإحكام والجودة ، وفي تعريف الإحسان بأنه " الإنعام على الغير " ندرك أن المحسن في عمله والمميز في مهنته والبارز في صنعته بالإضافة أنه يضيف إلى مهنته ويرتقي بها هو في ذلك الوقت ينال شرف آخر وهو الإحسان إلى أمته وكل من يستفيد من صنعته إذ يقدم لها منتجا جيدا سواء كان في أمر الدين أو الدنيا أو العلم والعمل
وقد حضنا ديننا على إتقان العمل فقال – صلى الله عليه وسلم - : " إن الله كتب الإحسان على كل شيء ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته " والنبي – صلى الله عليه وسلم – ضرب مثلا في الحديث بأعمال يجب فيها الإحسان وهي أمور هينة لا يترتب على عدم الإحسان فيها آثار بالغة ليؤكد أمرين :
الأول : إذا كان الإحسان مأمورا به شرعا في الأمور البسيطة فإنه أشد وجوبا وأكثر إلزاما في الأعمال الجليلة التي تتوقف عليها حياة الناس وتتحقق بها ضرورياتهم
الثاني : أن يصير الإحسان في الأعمال ثقافة عامة في المجتمع وخلقا واقعا وسلوكا حيا تجده متجليا وبارزا على كل كلمة أو قول أو فعل أو مهنة أو شريحة أو مؤسسة عامة أو خاصة ؛ هذا هو غاية الإسلام في تعاليمه وأحكامه ، إيجاد أمة محسنة وهي إذ تتخلق بهذا إنما تتصف بما وصف الله به نفسه القائل : " صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون " ، ولو دققت النظر في قوله – صلى الله عليه وسلم - : " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه " لوجدت كلمة " عملا " جاءت مطلقة من غير تحديد لنوع معين من الأعمال يجب الاهتمام به والإحسان فيه دون غيره لتشمل أعمال الدنيا والآخرة ، وهذا ما أشار إليه الحديث السابق : " إن الله كتب الإحسان على كل شيء " وقوله : " إن الله يأمر بالعدل والإحسان "
أهمية إتقان العمل :
أولا : على مستوى الفرد :
1 – أن المسلم الذي يحسن في صنعته ويتقن حرفته ويخلص في أداء عمله ينال حب الله تعالى ورحمته ففي الحديث الصحيح : " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه " وفي رواية " إن الله يحب من العمل إذا عمل عملا أن يحسن "
2 – ينال المتقن احترام الآخرين ويكسب تقديرهم لمهارته وينال ثقتهم فيه يقول الإمام علي –رضي الله عنه - : " قيمة كل امرء بما يحسن ، وما لا يحسن لا يحمد " بالإحسان تتفاوت أقدار الرجال وأسوق إليك هذه القصة التي تؤكد هذه الحقيقة " (تعطلت ماكينة ضخمة متطورة في سفينة تجارية كبيرة؛ فقام أصحاب السفينة بإحضار خبراء لإصلاحها واحدا وراء الآخر، ولكن دون جدوى ولا نتيجة ولعدة أيام، ولم يعرف أحد من هؤلاء الحرفيين ما هي العلة في عطل ذلك المحرك الضخم المطور!!، وبالطبع فإن تعطل مثل هذه السفينة الضخمة عن العمل يؤدي إلى خسارة آلاف الدولارات يومياً وبلا مبالغة؛ لذا قام أصحاب السفينة باستدعاء خبير قد تجاوز الستين من العمر، والذي قضى عمره في إصلاح محركات السفن الضخمة، وجاء معه حقيبة كبيرة مليئة بالعدد والأدوات، وكان أول ما فعله عند وصوله مباشرة هو تفحصه للماكينة الضخمة بدقة من أعلاها لأسفلها، وكان هناك اثنان من ملاك السفينة يتابعون هذا الخبير العالمي بشغف، ويتمنون في أنفسهم أن يعرف العلة في عطل ذلك المحرك العنيد العاصي على الإصلاح!!. بعد أن انتهى هذا الرجل من تفحص الماكينة أو المحرك اتجه لحقيبة معداته وأخرج منها مطرقة صغيرة وطقطق برقة على مكان معين من سطح المحرك فعلى صوته بالحركة مجلجلاً، لقد دار المحرك الضخم العنيد بعد عناء، وبعد تعطل لمدة أسبوعين كاملين عن العمل، خسر خلاله أصحاب السفينة العملاقة عشرات الآلاف من الدولارات، قام ذلك الخبير بإصلاح ذلك المحرك بهدوء بوضع المطرقة في مكانها وتأكد ملاك السفينة من إصلاح ذلك المحرك بعد أن قامت تلك السفينة برحلة تجارية تجريبية قصيرة نسبياً في عرض البحر بنجاح. بعد أسبوع استلموا فاتورة من ذلك الخبير المخضرم بعشرة آلاف دولار قيمة الإصلاح!!؛ فصرخ ملاك السفينة العملاقة قائلين (بينهم وبين أنفسهم): ماذا فعل هذا الشائب العجوز ليطلب هذا المبلغ الضخم؟! وقاموا على الفور بإرسال رسالة له يطلبون فيها فاتورة مفصلة عن تكاليف الإصلاح؟!؛ ماذا تتوقعون عن رده عليهم؟!، لقد أرسل لهم فاتورة كتب فيها تفاصيل التكاليف: الكشف على المحرك خمسمائة دولار. الضرب بالمطرقة على موضع الخلل عشرة دولارات. معرفة مكان الطرق بالمطرقة 9490 دولاراً. المجموع: عشرة آلاف دولار أمريكي فقط لا غير. هذا هو ثمن الخبرة النادرة، والتي قد يضطر بعض أصحاب رؤوس الأموال إلى دفع الكثير والكثير ليستفيدوا من تلك الخبرة النادرة فيما يخصهم!!"
وعلى الوجه الآخر فإن الإنسان المهمل المتهاون في عمله أول من يجني أثر ذلك ويصطلي بنار التسيب ويكتوي بلهيب الفوضى وإليك هذه القصة " كان هناك نجار تقدم به العمر، وطلب من رئيسه في العمل وصاحب المؤسسة أن يحيله على التقاعد ليعيش بقية عمره مع زوجته وأولاده. فرفض صاحب العمل طلب النجار ورغّبه بزيادة مرتبه إلا أن النجار أصر على طلبه!! فقال له صاحب العمل إن لي عندك رجاءً أخيراً وهو أن تبني منزلاً أخيراً وأخبره أنه لن يكلفه بعمل آخر ثم يحال للتقاعد فوافق النجار على مضض وبدأ النجار العمل ولعلمه أن هذا البيت هو الأخير فلم يحسن الصنعة واستخدم مواداً رديئة الصنع وأسرع في الإنجاز دون الجودة المطلوبة..!! وكانت الطريقة التي أدى بها العمل نهاية غير سليمة لعمر طويل من الإنجاز والتميز والإبداع!!
وعندما انتهى النجار العجوز من البناء سلّم صاحب العمل مفاتيح المنزل الجديد وطلب السماح له بالرحيل، إلا أن صاحب العمل استوقفه وقال له: إن هذا المنزل هو هديتي لك نظير سنين عملك مع المؤسسة فآمل أن تقبله مني !! فصعق النجار من المفاجأة لأنه لو علم أنه يبني منزل العمر لما توانى في الإخلاص في الأداء والإتقان في العمل "
ثانيا : على مستوى الأمة :
فبالإتقان ترتقي الحياة وتتقدم الأمة ويحصل لها غنى عظيم وثروات طائلة وريادة في المجالات المختلفة صناعية وتجارية وزراعية وبهذا يفرض الإسلام نفسه على العالم الذي لا يقدر إلا الأقوياء ولا يعترف إلا بأصحاب المال والجاه وللأسف أن المسلمين في ذيل الدنيا ونهاية القافلة ؛إذا ذكرت صناعتهم فلا تذكر إلا بالرداءة والركاكة والهشاشة مع ارتفاع ثمنها فليس عندنا كأمة كتب الله عليها الإحسان في ذبح طائر ما تقدمه للعالم وتبهر به البشرية
عوامل إتقان العمل :
أولا : من جهة العامل :
1 – أن يعتقد المسلم أن عمله محل نظر الله تعالى قال تعالى : " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون "
2 – أن يعلم أن عمله أمانة عنده فلا يضيعها ويفرط فيها وقد قال الله تعالى : " والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون "
3 – الجد والمثابرة في العمل فالإتقان يحتاج إلى مجاهدة ومغالبة لعوامل الكسل والإهمال لذا يقول ربنا : " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين "
ويقول الشاعر :
ذريني أنال ما لا ينال من العلا فصعب العلا بالصعب والسهل بالسهل
تريدين إدراك المعالي رخيصة ولا بد دون الشهد من إبر النحل
4 – أن يختار الإنسان العمل أو المهنة التي يحبها ويقتنع بها وتنسجم مع ميوله وإمكاناته ويعد هذا من الأمور الضرورية لنجاح الإنسان في عمله و الإبداع فيه
5 – التخصص في الأعمال يعين على التميز والتفرد وما رأيناه من تراث ضخم للمسلمين في شتى العلوم كان أحد أسباب وجوده الأساسية التخصص فمنهم من برز في القراءات ومنهم من برز في الحديث أو الفقه ومنهم في الأصول والطب والنحو واللغة ومن أراد أن يأخذ كل شيء يخرج بلا شيء لأن الإنسان له قدرات محدودة إذا فرّقها في كثير من العلوم ضاعت
ثانيا : من جهة المؤسسة أو الدولة :
1 – احترام العمل وحسن معاملته تنفيذا لأوامر الإسلام " وقولوا للناس حسنا " 2 - إعطاء العامل الأجر الذي يتناسب مع جهده فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : " ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ،منهم رجل استأجر أجيرا فاستوفى منه فلم يعطه أجره "
وعن عبد الله بن عمر – رضي الله عنه – قال – صلى الله عليه وسلم : أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه "
3 – أن يكون أجر العامل عادلا بحيث يوفر له الحياة الكريمة من الطعام والشراب والملبس والمسكن ، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – " إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس "
4 – عدم تكليف العامل ما لا يطيق وعدم إرهاقه بالإعمال الشاقة التي لا يقدر على إنفاذها فإن فعلنا شيئا من ذلك أعناه بأنفسنا أو بغيرنا ، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم "
5 – الضمان الاجتماعي فمن حق كل مواطن تأمين راحته ومعيشته كائنا من كان ما دام مؤديا واجبه أوعاجزا عن هذا الأداء بسبب قهري لا يستطيع أن يتغلب عليه ، ولقد مر عمر بن الخطاب على يهودي يتكفف الناس فزجره واستفسر عما حمله على السؤال فلما تحقق من عجزه أرجع على نفسه باللائمة وقال له : ما أنصفناك يا هذا أخذنا منك الجزية قويا وأهملناك ضعيفا أفرضوا له من بيت المال ما يكفيه
6 – التشجيع المستمر والثناء على المجدين في عملهم والمتقنين في مهنتهم والمتفانين في صنعتهم وهذا من أعظم الحوافز للإتقان والجد وزيادة الدقة والإحكام
صور تنافي الإتقان :
1 – أن يذهب العامل إلى عمله متثاقل الخطى خامل النفس متأخرا عن الموعد المحدد وتجده يزاحم زملاءه ليوقع انصرافه فيخسر العمل ساعة في أوله وساعة في آخره
2- في أثناء فترة العمل المحددة تجده يخرج لقضاء مصالحه الشخصية ويعطل مصالح الناس ، يفطر ويشرب الشاي ويقرأ الصحف ويهاتف الأصحاب والبيت
3 – يعامل الناس بغلظة شديدة وبدل أن ييسر لهم مصالحهم ويسعى في إنجازها يضع العراقيل حتى ييأس الناس ويدركوا أنهم لا محالة سيرجعون خائبي الرجاء يفعل ذلك ليجبر الناس على البحث عن حلول ملتوية كالرشوة والوساطة وقد لعن رسول الله – صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي " كما في الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجة عن عبد الله بن عمرو
إنه بهذا يرتكب جريمتين عظيمتين : الخيانة في العمل وأكل أموال الناس بالباطل
4 – غش الصنعة ومداراة ذلك طمعا في الربح السريع ألا يعلم ذلك المحتال أن فعلته الشنعاء تلك تخرجه من جماعة المسلمين لقوله – صلى الله عليه وسلم - : " من غشنا فليس منا "
ووجود مثل هذه الصور البغيضة التي لا تحتكم إلا إلى المنفعة الذاتية والمصلحة الشخصية الضيقة عقبة كأداء في نمو الحياة وتطورها بل إنها تفرز عللا وأمراضا تنخر في عظام المجتمع وتهد بنيانه كالقضاء على الفقر والاحترام والتقدير وانتشار الكذب والنفاق واللعن والسب والدعاء بالشر
وأخيرا أد أخي المسلم عملك وراقب ربك وأحسن إلى إخوانك حتى وإن لم يكافئك أرباب العمل حتى وإن كان الراتب زهيدا ويكفيك أن الله سيعطيك " هل جزاء الإحسان إلا الإحسان "
هذا وبالله تعالى التوفيق والسداد
د / شبل عسكر



في ذكرى تحرير سيناء

[16:38مكة المكرمة ] [23/04/2009]رسالة من محمد مهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين
الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومَن اتبع هديه وسار على دربه إلى يوم الدين، وبعد..
فإنَّ للأمم والشعوب مناسباتٍ خاصة تحتفي بها وتُحيي ذكراها، وخاصةً تلك المتعلقة بالانتصارات العسكرية وحسم الصراعات فيما بينها وبين أعدائها، وكما هو معروفٌ فالشعوب التي ليس لها تاريخ ليس لها حاضر أو مستقبل؛ ولذا حرص أعداء الشعوب دائمًا على طمسِ معالم تاريخها ومحاولة تشويه ذاكرتها ووعيها.
وللأمة العربية والإسلامية تاريخ طويل وممتد ومشرف بما وقع فيه من انتصارات على الظالمين والمستبدين في الشرق والشمال والغرب؛ وذلك نظرًا لما تحمله الأمة من خيرية وحق وعدل وحرية ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110)﴾ (آل عمران)، ومنذ أن بزغ فجر الإسلام كان الكيد والمكر والدس والتآمر بكل أنواعه من أعداء الإسلام حسدًا وطمعًا وبغضًا.. فكانت المعارك في حطين على أرض الإسراء والمعراج، وفي عين جالوت ضد التتار، وكانت فتوح الخير في الشرق كما وقع مع عبدة النار في فارس وفي الشمال ضد الروم والغساسنة.. وغير ذلك الكثير.
ومنذ بدايات القرن الماضي ومع توافد عصابات الصهاينة إلى أرض فلسطين والصراع محتدم والجهاد مستمر لتحرير بيت المقدس وأرض الرباط من دنس العصابات الصهيونية ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (14)﴾ (الحشر)، وكانت حرب 48 بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ضد إيجاد الدولة الصهيونية العنصرية الاستيطانية بمساعدة أمريكا وحلفائها وأعوانها في الخارج والداخل، وكانت النكبة الكبرى لأبناء فلسطين، وكانت مصر- ويجب أن تبقى- الطرف الأكثر تأثيرًا وفعاليةً في صدِّ موجاتِ الغزو الثقافي الفكري والعسكري، ووقعت حروب عديدة بعد عام 48؛ حيث كان العدوان الثلاثي على مصر والمحاولة الفاشلة في اختراق بورسعيد عام 1956م ثم كان بعد ذلك الحرب التي وقعت بعدوان الصهاينة في 5 يونيو 67، وكانت الهزيمة المرة واحتلال سيناء، ومرتفعات الجولان، وما تبقى من أرض فلسطين.
بعدها تحرَّك المصريون شعبًا وقيادةً، وكانت حرب الاستنزاف ثم التحرير عام 1973م؛ حيث ثأر المصريون من أعدائهم، وفي ظلِّ تلك الصيحة المباركة "الله أكبر" عبر جنودنا البواسل قناة السويس وخط بارليف، واستردوا الهيبة، وأزالوا العار في العاشر من رمضان "السادس من أكتوبر 1973م"، وكانت المفاوضات بعد ذلك بين مصر والخارجية الأمريكية- والصهاينة يرقبون الصورة بكل حذرٍ وترقب- وبقيت سيناء تحت الاحتلال الصهيوني ثم خرج الصهاينة منها، ولكن مع شديد الأسف بقي أثرهم وتأثيرهم، وبقيت سيناء منزوعةَ السلاح منقوصةَ السيادة، ولم يتوقف مكر الصهاينة بشأنها حتى يومنا هذا.
وتحتفل مصر في 25/4/2009م بيوم ذكرى تحرير سيناء التي ما زالت تُمنع من تسليحها بواسطة الصهاينة والأمريكان لرصد ومنع أي مساعدةٍ للمقاومين في فلسطين، وخاصةً في قطاع غزة.
* إن تحرير الوطن من كل سلطانٍ أجنبي لا بد أن يسبقه تحرير الإرادة واستقلالية القرار وعدم الرضوخ لأي ابتزازٍ من أي قوةٍ أجنبية صهيونية.
* إن الأمن القومي لا يُصان والسيادة الوطنية لا تتحقق على كاملِ أرض الوطن إلا إذا كان الناس أحرارًا، وامتلكوا إرادتهم، وعبَّروا عن آرائهم، وكانوا سادةً في بلادهم، وتوحَّدت صفوفهم، وكان النظام القائم والحكومة ومؤسسات الحكم تُعبِّر بحقٍّ عن الإرادة الحرة للشعب.
* إن الجياعَ والمقهورين والضعفاء والعبيد لا يمكن أن يحرروا وطنًا ولا يصنعوا حضارةً أو تاريخًا، ولا يحققوا تنميةً وتقدمًا واستقلالية.
هل حقًّا تحررت سيناء؟
وإذا كنا اليوم نحتفل بذكرى تحرير أرض سيناء العزيزة.. فهل حقًّا تحررت سيناء المصرية وامتلك المصريون حقوقهم وقرارهم في إدارة شئونها؟ وهل نستطيع فعلاً أن نُدافع عنها ونمنع الصهاينة من إعادةِ احتلالها في ظل القوات الدولية "الأمريكية" المنحازة للصهاينة داخل سيناء التي نحتفل بتحريرها؟ وهل سيناء حقًّا أصبحت كما كانت تتكامل وتتواصل بأبنائها وسكانها مع الوطن الأم مصر؟ وهل حقًّا عادت كما كانت الأم الرءوم والملاذ الآمن لأشقائنا الفلسطينيين القاطنين على الجانب الآخر؛ حيث تُراق دماؤهم وتُهدم بيوتهم، وتُجرَّف أرضهم، وتُقطع أشجارهم، ويُعتدى على أطفالهم ونسائهم وشيوخهم من الصهاينة المجرمين صباحَ مساء، وعلى مرأى ومسمع من حبَّاتِ رمال أرض سيناء قبل سكانها الذين أعجزتهم السلطة في مصر وحرمتهم حتى من تقديمِ الدعم أو المعاونة في نقله إلى أشقائهم وذويهم على الجانب الآخر حتى في رفح؟!.
إن أرض سيناء تئنُّ، ورمال سيناء تستغيث بأبناء مصر ليطهروها من دنس الصهاينة المتزيين بزي أمريكا وعسكرها.
إن سيناء تتحرق شوقًا لليوم الذي يستيقظ فيه الشعب المصرى وقواه الحية وكافة مؤسسات المجتمع المدني لتمارس دورها في دفع نظامها لتحرير سيناء وإعادتها إلى حضن الوطن مصر كاملةَ السيادة والعزة والانتماء.
إن وجودَ الصهاينة في هذه المنطقة واغتصابهم لأرض العروبة والإسلام في فلسطين، وتهديدهم الدائم بالسلاح الأمريكي لأبناء الأمة حول فلسطين هو الخطر المهدد لأمننا القومي، وهو المعوق الأكبر لقيام الوحدة وامتلاك الإرادة وإقامة نهضة عربية وإسلامية متكاملة تردع الأعداء وتدافع عن التراب والتراث، وتُعيد الأمن والأمان لأبناء دول المنطقة ولأبناء وأرض وأهل سيناء الغالية.
إن السلام- أي سلامٍ- لا يمكن أن يقوم بين أصحاب الأرض والأوطان والغزاة المحتلين من بني صهيون، إن مثل هذا السلام يُمثل مخدرًا للشعوب كي لا تفيق من غفلتها، ولا تستيقظ من سباتها.. فيبقى الأعداء والصهاينة في أمنٍ واستقرار، غير أن المقاومةَ والثبات الأسطوري للشعب الفلسطيني في قطاع غزة الذي أظهره في مواجهة حرب الإبادة التي شنَّها عليه العدو الصهيوني خلال 22 يومًا أثبت أن الشعوب الحيَّة لا تلين ولا تستكين حتى تتحرر الأرض وتتطهر المقدسات، ومن ثَمَّ فالصهيونية والصهاينة إن شاء الله إلى زوال.. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء: من الآية 51).
إنَّ ما أسموه معاهدةَ السلام وقد مضى ثلاثون عامًا على توقيعها لم تحقق- كما نصَّت- أمنًا ولا سلامًا ولا استقرارًا، فأين السلام الشامل؟ أين حقوق الفلسطينيين؟ أين مصر مما يحدث من تهويدٍ للقدس، ومن تخريبٍ أسفل المسجد الأقصى؟ أين التنمية في مصر؟ هل توقَّف نزيف الدم الفلسطيني بفعل القرصنة الأمريكية والإرهاب الصهيوني؟ أين الانتعاش الاقتصادي وتحسين أحوال المعيشة؟ أين مصر وأبناؤها المخلصون ليعيدوا إليها دورها ويستردوا مع أبنائها كرامة الأوطان والإنسان؟ أين حقوق الإنسان؟ أين الحريات العامة؟ أين الصناعة والإنتاج؟ أين العلم والأخلاق والثقافة والتعليم؟ أين لقمة العيش للكادحين الذين يتحول عرقهم إلى أموالٍ تصبُّ في خزائن الظالمين من الحكام وبطانتهم الضالة المضلة والفاسدة المفسدة؟.
هل تحقق السلام في داخل مصر؟ وهل قويت شوكة مصر وتسلَّح أبناؤها بالعلم والإيمان والتنمية والحرية وأصبحوا قادرين بحقٍّ على التصدي للأعداء الصهاينة وتهديداتهم- كما فعل شارون من قبل، وكما هدد ليبرمان منذ أيام قلائل- بغزوها والسيطرة عليها وخاصة سيناء؟.
أيها الظالمون الماضون في غيهم وظلم أنفسهم وأوطانهم وأمتهم هل أنتم بحقٍّ أحرار؟ وهل تشعرون بالأمن والأمان؟
اعلموا أن الظلمَ لا يدوم، وأن دولةَ الظلم ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة، واعلموا أن ربكم لبالمرصاد لكل ظالمٍ متجبرٍ، وباعدوا بين أنفسكم وما قاله ربنا في حقِّ الظالمين ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27)﴾ (الفرقان)، وقوله سبحانه: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ ( 43)﴾ (إبراهيم)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ (القصص: من الآية 8) كانوا خاطئين بظلمهم أنفسهم وظلمهم للناس.
يا أمتنا العريقة اتحدي، ويا أبناء مصر توجهوا للظالمين بوعيكم، وارفضوا الظلم، وأقيموا دولةَ الحقِّ في قلوبكم تقم على أرضكم.
ويا أبناء وادي النيل: إن سيناءَ تُناديكم، وتعميرها وتنميتها لما فيه خير مصر أصبح واجبًا عليكم حكومةً وشعبًا.. إن ترك سيناء هكذا جريمة في حقِّ الوطن سوف تُسائلنا وتُحاسبنا عليها الأجيال والتاريخ، فسيناء فيها من الكنوز الهائلة والإمكانات العظيمة ما يحتاج إلى كل الجهود والطاقات، ومن قبل ذلك وبعده العزيمة القوية والهمة العالية والإرادة الصلبة التي لا يتطرق إليها ضعف ولا يخالطها عجز.. إن الحكومة المصرية مُطالَبة اليوم قبل الغد بوضع إستراتيجية تعمير وتنمية سيناء ضمن أولى أولوياتها ورصد كلِّ الخطط والبرامج والمشروعات للاستفادة القصوى من سيناء ضمانةً للأمن القومي من ناحية وتقدم مصر ورقيها من ناحيةٍ أخرى.

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية21).







أصول الشيعه

د. راغب السرجانى
يقول علماء الأصول: "الحكم على الشيء فرع عن تصوره"، بمعنى أنني لا أستطيع أن أحكم على أمر من الأمور دون أن أتصّوره أو أفهمه؛ ولذلك فلا معنى للحكم على الشيعة دون أن تعرفهم، ولا معنى للإدلاء بالرأي في قضية التقريب بين السُّنَّة والشيعة دون إدراك طبيعة كُلٍّ من الطرفين، ولا معنى كذلك لقبول أو رفض فتح باب الحديث عن الشيعة دون أن تعرف حقيقة الأمر، ودرجة خطورته، وأولويته، وعلاقته بالمتغيرات الكثيرة التي تمر بها الأمة.
باختصار شديد أننا قبل أن نتطوع بانتقاد المهاجمين أو المدافعين عن الشيعة لا بُدَّ أن نفهم أولاً من هم الشيعة؟ وما هي جذورهم؟ وما هي الخلفية العقائدية والفقهية لهم؟ وما هو تاريخهم؟ وما هو واقعهم؟ وما هي أهدافهم وأحلامهم؟ وعندها نستطيع أن نُدلِي برأينا على بصيرة. وكم من الناس غيَّروا تمامًا من آرائهم، وتنازلوا عن كثير من أفكارهم بعد أن وَصَلتهم المعلومة الصحيحة، والرؤية الواضحة.
من هم الشيعة؟!إن القضية ليست قضية قوم يعيشون في بلد من البلاد، لها بعض المشاكل مع الدول المجاورة، إنما للقضية جذورٌ عقائدية وفقهية وتاريخية لا بُدَّ من العودة إليها..يختلف كثير من المؤرخين حول البداية الحقيقية للشيعة، والذي يشتهر عند الناس أن الشيعة هم الذين تشيعوا لعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في خلافه مع معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، ولكن هذا يعني أن أتباع علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-هم الشيعة، وأتباع معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه-هم السُّنَّة. وهذا لم يقبل به أحد، فالسُّنَّة يعتقدون أن الحق في الخلاف الذي دار بين الصحابييْن الجليليْن كان في جانب علي -رضي الله عنه-، وأن معاوية -رضي الله عنه-اجتهد ولم يصل إلى الصواب في المسألة، وعليه فانحياز فكر السُّنة إلى علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-واضح. كما أن الأفكار والمبادئ والعقائد التي يقول بها الشيعة لم تكن من أفكار ومبادئ علي بن أبي طالب أبدًا؛ ولذلك فلا يصح أن يقال: إن بداية الشيعة كانت في هذا الزمن.
ومن المؤرخين من يقول: إن بداية الشيعة كانت بعد استشهاد الحسين رضي الله عنهما. وهذا رأي وجيه جدًّا؛ فقد خرج الحسين -رضي الله عنه-على خلافة يزيد بن معاوية، واتجه إلى العراق بعد أن دعاه فريق من أهلها إليها، ووعدوه بالنصرة، ولكنهم تخلَّوْا عنه في اللحظات الأخيرة، وكان الأمر أن استُشهد الحسين -رضي الله عنه-في كربلاء، فندمت المجموعة التي قامت باستدعائه، وقرروا التكفير عن ذنوبهم بالخروج على الدولة الأموية، وحدث هذا الخروج بالفعل، وقُتل منهم عددٌ، وعُرف هؤلاء بالشيعة. وهذا يفسِّر لنا شدة ارتباط الشيعة بالحسين بن علي -رضي الله عنه-أكثر من علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-نفسه، وهم - كما نشاهد جميعًا - يحتفلون بذكرى استشهاد الحسين رضي الله عنهما، ولا يحتفلون بذكرى استشهاد علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-.ومع ذلك فنشأة هذه الفِرقة لم تكن تعني إلا نشوء فرقة سياسية تعترض على الحكم الأموي، وتناصر فكرة الخروج عليها، ولم يكن لها مبادئ عقائدية أو مذاهب فقهية مختلفة عن أهل السُّنَّة، بل إننا سنرى أن القادة الأوائل الذين يزعم الشيعة أنهم الأئمة الشيعيَّة الأوائل ما هم إلا رجال من السُّنَّة يتكلمون بكل عقائد ومبادئ السُّنة.
استقرت الأوضاع نسبيًّا بعد شهور من استشهاد الحسين -رضي الله عنه-، وظهر في الفترة علي زين العابدين بن الحسين، وكان من خِيار الناس، ومن العلماء الزهَّاد، ولم يكن يُؤثَر عنه - رحمه الله - أيُّ مخالفات عقائدية أو فكرية لما كان عليه الصحابة أو التابعون..
وكان من أبناء علي زين العابدين رجلان عظيمان على درجة عالية من الورع والتقوى، هما محمد الباقر وزيد.. وكانا يتوافقان تمامًا مع ما يقوله علماء السُّنة من الصحابة والتابعين، غير أن زيد بن علي - رحمه الله - كان يختلف في أنه يرى أن علي بن أبي طالب كان أولى بالخلافة من أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، وهو وإن كان يخالف بذلك إجماع الأمة، ويخالف أحاديث كثيرة مباشرة رفعت قدر أبي بكر الصديق وعمر وعثمان -رضي الله عنهم-فوق عليٍّ -رضي الله عنه-، إلا أن هذا الاختلاف ليس اختلافًا عقائديًّا؛ فهو يرى الفضل للخلفاء الراشدين الثلاثة الأُوَل، لكنه يرى عليًّا أفضل. كما أنه يقول بجواز إمامة المفضول، وهو بذلك لا ينكر إمامة الصديق وعمر وعثمان -رضي الله عنهم-، أما غير هذه النقطة فهو يتفق مع أهل السُّنة في كل عقائدهم ومبادئهم وفقههم.ولقد قام زيد بن علي بالخروج على الخلافة الأموية مكرِّرًا تجرِبة جَدِّه الحسين بن علي رضي الله عنهما، وذلك في زمان هشام بن عبد الملك، وانتهى الأمر بقتله سنة 122هـ، وقام أتباعه بتأسيس مذهب على أفكاره عُرف في التاريخ بالزيديَّة نسبة إليه (زيد بن علي)، وهذا المذهب وإن كان محسوبًا على الشيعة إلا أنه يتفق مع السُّنَّة في كل شيء إلا في تفضيل عليٍّ على الخلفاء الراشدين الثلاثة الأوائل، وأتباع هذا المذهب منتشرون في اليمن، وهم أقرب الشيعة للسُّنَّة، وتكاد لا تفرِّقهم عن السنة في معظم الأحوال.ومن الجدير بالذكر أن هناك طائفة من أتباع زيد بن علي سألوه عن رأيه في أبي بكر وعمر، فترحَّم عليهما، فرفضه هؤلاء ورفضوا الترحُّم على أبي بكر وعمر، وانشقُّوا عن فرقته، وهؤلاء عُرفوا في التاريخ بالرافضة؛ لأنهم رفضوا إمامة الشيخين أبي بكر وعمر من ناحية، ورفضوا رأي زيد بن علي من ناحية أخرى، وهؤلاء سيكون منهم من يؤسِّس بعد ذلك مذهب "الاثنا عشرية" أكبر مذاهب الشيعة.ولقد مات محمد الباقر أخو زيد بن علي قبل أخيه بثماني سنوات (في سنة 114هـ)، وترك ابنًا عالمًا جليلاً هو جعفر الصادق، وهو أيضًا من العلماء الأفذاذ، وكان فقيهًا بارعًا، وكان يقول بكل عقائد الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين.
وفي أواخر عهد الخلافة الأموية قامت الحركة العباسية بنشاط لتجميع الناس للانقلاب على الخلافة الأموية، وتعاونت هذه الحركة مع المجموعات التي انشقت عن زيد بن عليٍّ، وتم إسقاط الخلافة الأموية سنة 132هـ، وقامت الخلافة العباسية بقيادة أبي العباس السفَّاح ثم أبي جعفر المنصور، وشعر المتعاونون معها بخيبة أمل؛ إذ كانوا يريدون أن تكون الزعامة في أحد أحفاد علي بن أبي طالب. ومن جديد قام هؤلاء بالانقلاب على الخلافة العباسية مكوِّنين جماعة عُرفت بالطالبيين (نسبة إلى علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-) في مقابل العباسيين المنسوبين إلى العباس بن عبد المطلب t.وإلى هذه اللحظة ليست هناك مخالفات عقائدية وفقهية، اللهُمَّ إلاَّ قضية الحكم على أبي بكر وعمر؛ لأنَّ فريقًا من هؤلاء - وهم الذين انشقوا عن زيد بن علي - كانوا يرفضونهما، بل لا يخفون لعنهما!
توفِّي جعفر الصادق سنة 148هـ، وترك ابنًا اسمه موسى الكاظم، الذي كان عالمًا أيضًا، ولكن ليس على مستوى أبيه، وتوفِّي أيضًا في عام 183هـ، تاركًا مجموعة من الأولاد منهم علي بن موسى الرضا.ولقد أراد الخليفة العباسي المشهور المأمون أن يستوعب فتنة الطالبيين، الذين يطالبون بالحكم لفرع علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، وليس لفرع العباس -رضي الله عنه-؛ فولَّى علي بن موسى الرضا ولاية العهد، وأثار هذا جدلاً واسعًا في العباسيين، غير أن علي بن الرضا مات فجأةً سنة 203هـ، فاتَّهَم الطالبيون المأمون بقتله، ومن جديد توالت ثوراتهم على العباسيين كما كانت على الأمويين.مرت السنوات، وهدأت جذور الثورات نسبيًّا، وإلى هذه الفترة لم يكن هناك مذهبٌ ديني مستقل يُعرَف بمذهب الشيعة، إنما كانت حركات سياسية للوصول إلى الحكم، والاعتراض على الحكام لأسبابٍ كثيرة، ليست منها الأسباب العقائدية التي في مناهج الشيعة الآن.ومن اللافت للنظر أن هذه الدعوات الانشقاقية عن الحكم وجدت لها صدًى واسعًا جدًّا في منطقة فارس (إيران حاليًا)، وكان الكثير من سكان هذه المناطق على مدار السنوات يشعرون بالحسرة لذهاب مُلك الدولة الفارسية الضخمة، وانصهارها في داخل الدولة الإسلامية، وكانوا يرون أنفسهم أعلى نسبًا، وأفضل عرقًا، وأعمق تاريخًا من المسلمين؛ لذلك ظهر فيهم ما يسمَّى بالشعوبيَّة، وهي الانتماء لشعب معيَّن وليس للإسلام، وأظهر بعضهم حبًّا جارفًا لجذوره الفارسية بكل ما فيها، حتى النار التي كانوا يعبدون.ولما كان هؤلاء لا طاقة لهم بمفردهم للخروج على الدولة الإسلامية، ولما كانوا مسلمين على مدار عِدَّة عقود من السنوات، فقد وجدوا في ثورات الطالبيين حلاًّ بديلاً؛ فهم سينضمون إليها ليسقطوا الخلافة الإسلامية التي أسقطت دولتهم قبل ذلك، وهم في نفس الوقت لن يتركوا الإسلام الذي اعتنقوه منذ سنوات طويلة، ولكنهم سيحرِّفونه بما عندهم من تراث الدولة الفارسية، وسيطعِّمونه بما يضمن استمرارية الوضع المضطرب في الأُمَّة الإسلامية، وهم لن يكونوا على قمة الهرم، بل سيأتون بالطالبيين الذين ينتمون إلى علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، وهم جزء من آل بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- ، ولهم مكانة في قلوب الناس، ومِن ثَم سيُكتب لمثل هذه الدعوة الاستمرار.
وهكذا اتحدت جهود الشعوبيين الفارسيين مع طائفة من الطالبيين من آل البيت، لتكوِّن كيانًا جديدًا بدأ يتبلور ككيان مستقل، ليس سياسيًّا فقط بل دينيًّا أيضًا.وعودة إلى سلسلة الطالبيين نجد أنه بعد وفاة علي الرضا الذي اختاره المأمون وليًّا للعهد، ظهر ابنه محمد الجواد ثم توفِّي في سنة 220هـ، ليظهر ابنه علي بن محمد الهادي الذي توفي سنة 254هـ، ليظهر أخيرًا الحسن بن علي الملقَّب بالعسكري، الذي توفي فجأةً سنة 260هـ، ولم يترك إلا ابنًا صغيرًا عمره 5 سنوات اسمه محمد.
في كل هذه السنوات السابقة كانت هذه الحركات الانفصالية، والتي تضمُّ طرفًا من آل البيت وطرفًا من الشعوبيين الفارسيين، كانوا يعطون قيادة هذه الفرقة الانفصالية إلى الابن الأكبر لكل واحدٍ من قيادات الطالبيين، بدءًا من علي الرضا وانتهاءً بالحسن العسكري. أما من سبق علي الرضا مثل أبيه موسى الكاظم، أو جَدِّه جعفر الصادق، أو أبي جَدِّه محمد الباقر فلم يكن لهم قيادة ثورية على الحكم الأموي أو العباسي.
ولكن عند وفاة الحسن العسكري سنة 260هـ وقع هؤلاء الثوريون في حَيْرة كبيرة، فمَن هذا الذي يتولى أمرهم، وقد ترك الحسن العسكري طفلاً صغيرًا، ثم زاد الأمر اضطرابًا عندما توفِّي هذا الطفل الصغير هو الآخر فجأة؛ لتنقسم هذه المجموعات الثورية إلى فرقٍ كثيرة جدًّا تختلف بعضها عن بعض في المبادئ والأفكار، بل في الشرائع والمعتقدات.
وكان من أشهر هذه الفرق التي ظهرت "الاثنا عشرية"، وهي الفرقة الموجودة الآن في إيران والعراق ولبنان، وهي أكبر فرق الشيعة في زماننا المعاصر.وبدأ قادة هذه الفرقة يضيفون إلى الإسلام ما يناسب الموقف الذي يتعرضون له الآن، وما يضمن لفرقتهم أن تُكمِل المشوار في ظل غياب قائد لهم..لقد أضافوا عدَّة بدعٍ خطيرة إلى الدين الإسلامي، وزعموا أنها جزء لا يتجزأ من الإسلام، وأصبحت هذه البدع بالتالي جزءًا من عقيدتهم وتكوينهم؛ ومن هذه البدع ما هو خاص بالإمامة، فأرادوا أن يحلوا مشكلة عدم وجود إمام الآن؛ فقالوا: إن الأئمة اثنا عشر فقط! وقالوا: إن هؤلاء الأئمة هم بالترتيب كما يلي: 1- علي بن أبي طالب. 2- الحسن بن علي. 3- الحسين بن علي. 4- علي زين العابدين بن الحسين. 5- محمد الباقر بن زين العابدين. 6- جعفر الصادق بن محمد الباقر. 7- موسى الكاظم. 8- علي الرضا. 9- محمد الجواد. 10- علي الهادي. 11- محمد المهدي. 12- الحسن العسكري.
ومن هنا عُرفت هذه الفرقة بأنها اثنا عشرية، ولكي يفسروا انتهاء الأئمة إلى هنا قالوا: إن الطفل الصغير محمد بن الحسن العسكري لم يمُتْ، بل دخل في أحد السراديب بجبل من الجبال، وأنه يعيش حتى الآن (أكثر من ألف سنة حتى الآن)، وأنه سيعود في يومٍ ما ليحكم العالم، وهو عندهم المهديّ المنتظر، وزعموا أن الرسول -صلى الله عليه وسلم-قد أوصى بأسماء هؤلاء الأئمة الاثني عشر، ولكنَّ الصحابة y كتموا ذلك، وبذلك فهُمْ يكفِّرون عامَّة الصحابة، وبعضهم يفسِّقهم دون التكفير؛ لأنهم كتموا أمر الأئمة هؤلاء. ثم أدخلوا من الفارسية نظام حتمية الميراث في الأئمة، فقالوا: إن الإمام لا بُدَّ أن يكون الابن الأكبر بدءًا من علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-ومرورًا بكل الأئمة من بعده. وهذا - كما هو معلوم - ليس في الإسلام أبدًا، وحتى الدول الإسلامية السُّنِّية التي حدث فيها التوارث كالخلافة الأموية والعباسية والسلجوقية والأيوبية والعثمانية لم يقولوا بأن هذا التوارث شيء من الدين، أو أنه لا بُدَّ أن يكون في عائلة معيَّنة. وأدخلوا أيضًا من الفارسية مسألة التقديس للعائلة الحاكمة، فقالوا بعصمة الإمام، وأن هؤلاء الأئمة المذكورين معصمون من الخطأ، وبالتالي يأخذ كلامهم حكم القرآن، وكذلك حكم الحديث النبوي، بل إنَّ معظم قواعدهم الفقهية والشرعية الآن مستمدة من أقوال الأئمة، سواءٌ قالوها أو نُسبت إليهم زورًا. وأكثر من ذلك يقول الخوميني زعيم الثورة الإيرانية في كتابه الحكومة الإسلامية: "... وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقامًا لا يبلغه ملكٌ مقرَّب، ولا نبي مرسل[1]"!! ومن هنا كانت عداوتهم بالغة للصحابة جميعًا (إلا مجموعة قليلة لا تزيد على ثلاثة عشر)، وتشمل هذه العداوة بعضًا من أهل البيت مثل العباس -رضي الله عنه-عم الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وابنه عبد الله بن عباس حَبْر الأمَّة رضي الله عنهما. ولا يخفى أن هذا الطعن والتكفير لهما؛ لخلاف الاثني عشرية مع الخلافة العباسية.وكان أيضًا من بدعهم أنهم حكموا على معظم الأمصار الإسلامية بأنها دار كفر، حيث كفَّروا أهل المدينة ومكة وأهل الشام، وكذلك أهل مصر، وقالوا في ذلك كلمات نسبوها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فهي تعتبر عندهم جزءًا من الدين، وهذه الكلمات موجودة في مراجعهم الأصلية، مثل كُتُب الكافي وبحار الأنوار وتفسير القمي وتفسير العياشي والبرهان وغير ذلك من مراجع.وبالتبعية فهم لا يقبلون كل علماء السُّنَّة، ويرفضون كل كتب الصِّحاح والسُّنة؛ فلا البخاري ولا مسلم ولا الترمذي ولا النسائي، ولا أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو ابن حنبل، كذلك لا خالد بن الوليد ولا سعد بن أبي وقاص ولا عمر بن عبد العزيز ولا موسى بن نصير، ولا نور الدين محمود ولا صلاح الدين، ولا قطز ولا محمد الفاتح، وهكذا..ونتيجة نَبْذهم للصحابة وللتابعين ولكتب الحديث والتفسير، فإنهم اعتمدوا على الأقوال المنسوبة لأئمتهم، وهي في غاية الضعف من ناحية الرواية؛ ولذلك ظهرت عندهم البدع المنكرة الكثيرة، في العقائد والعبادات والمعاملات وغيرها. ونحن لا نقصد في هذا المقال تقصِّي هذه البدع، فإنَّ هذا يحتاج إلى عِدَّة كتبٍ، ولكن نشير إلى أصل المشكلة فقط؛ حتى نفهم تبعاتها، وإلاّ فالحديث سيطول إذا تحدثنا عن بدع التقيَّة والرَّجْعة، وبدع القول بتحريف القرآن، وبدع سوء الاعتقاد في الله -عز وجل- ، وبدع الأضرحة وما يفعل عندها، وبنائها في المساجد، والبدع المنكرة التي تُفعل في ذكرى يوم استشهاد الحسين -رضي الله عنه-، وغير ذلك من آلاف البدع التي أصبحت ركنًا أصيلاً في الدين عند الاثني عشرية.
وكل ما ذكرناه حتى الآن ما هو إلا جزء من فكر فرقة الاثني عشرية، وهناك العديد من الفرق غيرها قامت في هذه الفترة من التاريخ، خاصَّة في الفترة المعروفة في التاريخ بفترة "حيرة الشيعة"، والتي بدأت في منتصف القرن الثالث الهجري بعد وفاة الحسن العسكري (الإمام الثاني عشر عندهم).وبدايةً من هذا التوقيت بدأت تظهر المؤلفات والكتب التي ترسِّخ هذه العقائد والأفكار، وانتشرت هذه المناهج بشدَّة في منطقة فارس خاصة، وفي بلاد العالم الإسلامي بشكل عام، ولكنْ دون إقامة دولة تتبنَّى هذا الفكر بشكلٍ رسمي. ولكن عند نهايات القرن الثالث الهجري وبدايات القرن الرابع الهجري، حدثتْ تطورات خطيرة أدَّتْ إلى وصول الشيعة إلى الحكم في بعض المناطق، وكان لهذا تداعيات رهيبة على الأمة الإسلامية، وهذا ما سنتناوله في المقال القادم بإذن الله.
ونعيد القول بأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فإننا لكي نأخذ قرارًا في أمر من الأمور، أو قضية من القضايا لا بُدَّ من العلم أولاً، وبعد أن تتوفَّر المعلومة الصادقة نستطيع عندها أن نقول: هذا يجوز، وهذا لا يجوز، أو الأَوْلى كذا وكذا. أما الكلام بالعاطفة دون دراسة فهذا يُورِد المهالك..
ونسأل الله -عز وجل- أن يُعِزَّ الإسلام والمسلمين الأربعاء، أبريل 08، 2009

كمال الهلباوي : أشجع عاكف علي التقاعد والجماعة ستجد صعوبة في اختيار من يخلفه

المتحدث السابق باسم التنظيم الدولي للإخوان : إذا أصر عاكف علي التقاعد آليا سيتم ترشيح محمد حبيب لمنصب المرشد ومصر بها عدد كبير من القيادات التي تصلح لهذا المنصب مثل أبو الفتوح و العريان و الزعفراني و الجزار

رغم ما أعلنه محمد مهدي عاكف المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين عن رغبته في التقاعد وأنه يود الرجوع إلي صفوف الجماعة عضوا عاديا ليس بجديد , إلا أن إعادة تشغيل تصريحاته وأنه سيتقاعد بالفعل مع بداية العام القادم أحدثت ضجة داخل الصف الإخواني وأثارت كثير من الأسئلة وخاصة حول المرشد القادم والآلية التي سيتم اختياره بها وهل سيكون للتنظيم الدولي واخوان الخارج تأثير في هذا الإختيار من عدمه , حرصت أن أتوجه بهذه الأسئلة إلي أحد قيادات الجماعة في الخارج الغير منشغلة بالعمل التنظيمي في الفترة الحالية ليتحدث بشفافية ودون توزنات تقلقه وحالفني القدر وأنا أبحث عن هذا الشخص برسالة عبر البريد الإلكتروني من الدكتور كمال الهلباوي المتحدث السابق باسم التنظيم العالمي للإخوان في الخارج بها آخر مستجدات نشطاته العامة فاتصلت بالرجل في لندن طالبا منه أن يزيل ضباب هذه القضايا معي في حوار مطول "للدستور" فرحب سريعا وبادر بالإجابة علي أسئلتي علي مدار أكثر من ساعة عبر الهاتف وذلك بصراحة وشفافية لم تخلو من الإحتفاظ بخصوصية الآخرين ولكن اجاباته كانت أكثر إثارة من الأسئلة نفسها خاصة فيما أكد أنه لم يعد للإخوان المسلمين تنظيما عالميا حقيقيا وأن اختيار المرشد أمر مصريا بشكل كبير .
ما تقيمك لرغبة الأستاذ محمد مهدي عاكف المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين إلي التقاعد وعدم الترشح لولاياة ثانية لقيادة الإخوان حول العالم ؟
إذا أراد هو أن يتقاعد ويضرب مثالا لم يسبقه إليه كثير من الناس في الأحزاب السياسية والجماعات والمؤسساسات والحكومات ورئاسة الدول , هذا النموذج جيد ولعله يكون سابقة في تاريخ الإخوان أيضا تدعو من يأتي إلي تمثل حقيقة الإخوان وعدم رغبتهم في الصراع علي السلطة سواء كانت هذه السلطة داخل الجماعة أو حتي خارجها كقيادة بلد مثل مصر
وإذاكان إصرار الأستاذ عاكف يعود إلي أسباب خاصة كي يكتب مذكرات أو يتفرغ للتربية أنا أشجعه علي هذا , لكن المجال مفتوح أمامه حسب اللوائح وحسب اختيار وحب الإخوان له أن يبقي إلي ما شاء الله , فاللائحة تعطيه الحق في فترة ولاية أخري
أما ما ورد في بعض وسائل الإعلام عن عزم الإخوان المسلمين في الخارج عن الترشح علي هذا المنصب , يعني عمر ما كان في الإخوان التنافس علي السلطة أو القيادة كما يقال في مثل هذا الأمر لا إخوان الداخل ولا إخوان الخارج ,

هل عاكف كان الشخص المناسب لقيادة الجماعة في الفترة الماضية ؟
الأستاذ مهدي عاكف المرشد الحالي له من الخبرات والقدرات والوضوح والصراحة ما جعله ينهض بالإخوان في هذه الفترة الصعبة , وبعد البناء الذي تم مع المرشدين السابقين بني عليه بناية جيدة ونهض في نقاط أزعجت العالم ومنها الحكومة المصرية وإعلامها الرسمي ومن شأنها ما يتعلق بنهضة الأمة وتماسكها ووجود الإخوان عندما صرح بأنه يريد أن يساعد الإخوة في لبنان والإخوة في فلسطين واستغلت هذه التصريحات استغلال سئ
وعندما تحدث عن وحدة الأمة والخليفة قد يكون مسلم من أي مكان هذه المفاهيم ستجد طريقها للقبول بعد حين ولو لفترة من الزمن ولكن عندما أطلقها الأستاذ عاكف ربما كانت غريبة , فهو نهض بالإخوان

هل وارد أن يكون يتولي منصب المرشد أحد قيادات الخارج ؟
فالأمر يرجع للأستاذ عاكف فهم راضون به وسيحزنوا كثيرا علي فراقه وسيجدوا شئ من العنت في اختيار مرشد جديد ,ومع ذلك الاختيارات عديدة فكل قطر من أقطار الإخوان ملئ بالقيادات الكبيرة التي تقود أمة ولا تقود حركة فقط
ولكن إذا توافق الإخوان ومؤسساتهم علي ذلك فما المانع , وان كنت أنا لا أري لذلك ضرورة في الوقت الحاضرة لأسباب عديدة , فمصر تشكل قلب الأمة العربية والإسلامية وستجد أن الحديث عن دور مصر عند القوميين والناصريين والشيوعيين حديث كبير ومهم ولو أن مصر كانت تقود العالم العربي والإسلامي الأن لما وجدنا المشكلات العديدة التي تواجه الأمة وتواجه الشعوب ومنها الهيمنة الأمريكية والعربدة الصهيونية ولذلك فاذا كانت مصر هي قلب العالم العربي والقوي الأولي في المنطقة العربية بتعداد سكانها ومواردها البشرية الغنية وسبقها في التعليم وسبقها في الحضارة حتي الموروثة منها , فإذا كان الأمر يتعلق بالإخوان المسلمين في مصر وريادتهم للحركة الإسلامية فما الضرر في ذلك ولماذا تثار هذه القضية أن يكون المرشد من مصر والقيادة تكون من مصر , ستجد أن معظم القيادات في الحركات الناصرية والشيوعية في العالم العربي موجودين في مصر , فلماذا إذا جاء الأمر متعلق بالإخوان المسلمين تصبح المشكلة خطر والناس تتكلم وتتحرك والصحافة تكذب مثل روزاليوسف والمصور التي تختلق قصصا لتشويه الإخوان المسلمين
ما هو الأسلوب والآلية التي يتم به اختيار المرشد ؟
لدينا من اللوائح والمؤسسات التي تضبط هذه عملية الإختيار, واذا أراد الإخوان خارج هذه اللوائح أن يترشح شخصية كبيرة وفذة ومنضبطة تقود الإخوان وتوافق الجميع علي اختيارها فلا يوجد مشكلة , فلا ينبغي علي الصف أن يحدث إشكلالات , وقد حدث ذلك عندما اختار الإخوان الأستاذ حسن الهضيبي مرشدا عاما للجماعة خلفا للأستاذ حسن البنا
فلا يوجد مشكلة فلدينا لوائح وعمل مؤسسي ونتيجة الإرادة وحسن الإختيار
ولدينا عدد كبير من الإخوان الكبار والمؤسسين لازالوا علي قيد الحياة من الممكن ترشيحهم كما لدي الجماعة عدد من القيادات الذين كنا نطلق نحن عليهم الشباب وهم الآن تجاوزوا الخمسين من أعمارهم مثل عبدالمنعم أبو الفتوح وعصام العريان وابراهيم الزعفراني وحلمي الجزار وآلاف غيرهم لهم مواقف مشرفة للدعوة وامتحنوا وابتلوا ووقفوا وقفات مهمة أمام الرؤساء والزعماء ووقفوا أمام الهيمنة الأمريكية والصهينة الإسرائيلية ووقفوا أمام المد التغريبي فلهم تاريخ مشرف جدا , فاذا توافق الإخوان علي شخص منهم فلابد علي الجميع أن يعطي السمع والطاعة
ولكن كيف ستتم هذه الإنتخابات ؟
مكتب الإرشاد سيرشح من يراه وينتخبه مجلس شوري الجماعة
أي مكتب أرشاد فيهم المصري أم مكتب إرشاد التنظيم العالمي؟
المكتب الإرشاد الأساسي هو الموجود في مصر أما ما يطلق عليه التنظيم العالمي فأنا أقول بأعلي صوت وأوضح كلام أن هذا المجال للتنسيق العالمي فقط وأنا كنت عضو في هذا التنظيم , ولكن مكتب الإرشاد في مصر والذي يتعرض للضغوط بالتفاهم بالقيادات الموجودة في الخارج يمكن أن يرشح شخصية ثم مجلس الشوري بطريقة من الطرق العلنية أو غير العلنية حسب الظروف يقر هذا الترشيح أو يختار غيره ةالناس بعدها تعطي البيعة
لكن لائحة التنظيم الدولي تقول أن هناك مكتب إرشاد دولي يتكون 13 عضو 8 من بلد المرشد وأن أعضاء مجلس الشوري من جميع الدول المنضمة للجماعة 30 عضوا ومن هنا تتم عملية الإختيار ؟
هذا المكتب غير فاعل لحرج خروج الإخوان من مصر فالأخ عاكف لا يستطيع أن يخرج من مصر فهو ممنوع من السفر حتي لآداء العمرة أو الحج وكذلك الدكتور محمد حبيب والمهندس خيرت الشاطر في السجن , فالأعضاء الفاعلين في هذا المكتب ممنوعين من الحركة فكيف أعتبره أنه مكتب فاعل , اذن علي حال هذه اللائحة أو تلك يتم ترشيح واحد , والمفروض آليا نائب المرشد الدكتور محمد حبيب المرتضي به في حياة المرشد والذي ارتضاه المسلمون لقيادة الحركة أن يرشحوه لمنصب المرشد العام وذلك سواء مكتب الإرشاد المصري الأساسي أو المكتب الدولي الذي تتحدث أنت عنه والذي أؤكد لك أنه غير فاعل
ولكن الدول التي بها تنظيمات إخوانية لها حق التصويت ؟
هذه الدول تتوافق فيما بينها ثم تبايع فليس لدينا منافسة علي المنصب , وحتي لو رشح الإخوان أكثر من اسم علي المنصب لا يكون بذلك بدافع المنافسة بقدر البحث عن الأنسب والأصلح .
ولكن تاريخيا متي بدأ هذا التنظيم الدولي وكيف بدأ وفي أي وقت أصبح غير فاعل كما تذكر ؟
هذه الفكرة ليست جديدة علي تعاليم الإخوان فرسائل الأستاذ البنا كانت تتحدث عن تربية الفرد وصولا إلي أستاذية العالم وهذا ليس جديد علي الإخوان , إلا أن الجديد متي يمكن تنفيذه وهي التي كان فيها الأستاذ مصطفي مشهور المرشد الخامس للجماعة خارج مصر عام 1981 ووقتها أنقض السادات علي جميع الحركات الإسلامية وغير الإسلامية ووضعهم في السجن , فروادت الفكرة ذهن مشهور وسعيد رمضان زوج بنت البنا ووالد الداعية المفكر السويسري طارق رمضان ووجدت الظروف المناسبة في أوائل الثمانيينات ألتقي مجموعات من الإخوان وتناقشوا أنه لابد وأن يكون للإخوان في الخارج دور لمساعدة الإخوان في مصر علي الضغوط التي يتعرضون لها ومن هنا نشأت الفكرة وتعززت وأصبحت جزء من فكرة التمكين التي تحدث عنها البنا في رسائله ,
وماذا عن رأي إخوان مصر في هذه الخطوة ؟
الإخوان في مصر باركوا هذا الأمر وفرحوا بأن يكون للإخوان في العالم دور في التوجيه والإرشاد والإصلاح وفي التربية للشعوب ونقل الفكرة حتي يأتي في وقت من الأوقات تصبح أستاذية العالم أمراواقعا وهي أستاذية ريادة وقيم ومبادئ وليست استعلاء أو هيمنة ,
إلا أن الظروف تغيرت فيما بعد فالأستاذ مصطفي مشهور كان لديه رؤية انفتاحية لهذا التنظيم , إلا أن الأستاذ مأمون الهضيبي الذي خلفه في قيادة الجماعة بدأ يقدر هو والإخوان قيمة التنظيم العالمي في ظل أحداث الحادي عشر من سبتمبر وقوانين الإرهاب وصعوبة التنقل والحركة وتواطأ الأنظمة العربية , مما دفعته هذه الضغوط لتعطيل الفكرة وجعلتعا تنتقل من مرحلة تنظيم دولي حقيقي إلي مكتب تنسيق وتشاور في القضايا العاجلة المهمة وقضايا التربية وقضايا الموقف السياسي الموحد .
ما أهم القضايا التي اتخذ فيها التنظيم الدولي موقف موحد ؟
كان احتلال صدام حسين للكويت من أهم الأحداث التي اجتمع لها التنظيم العالمي للإخوان وكنت وقتها في اسلام آباد واجتمعت قيادات الحركات الإسلامية بما فيهم نجم الدين أربكان من تركيا والحزب الإسلامي في ماليزيا واجتمعنا بهم وناقشنا الأمر وخرج الإخوان والحركات الإسلامية بقرارات كان جوهرها فكرة الإخوان بضرورة خروج صدام حسين وضرورة عدم الإستعانة بالقوات الأجنبية والموجودة حتي اليوم في منطقتنا العربية ونعاني جميعا منها ولانعرف من يخرجها , وأنا أتسائل دائما أينهم العلماء الذين أفتوا بجواز الإستعانة بالقوات الأمريكية أثناء احتلال الكويت وحرب الخليج , ورحل صدام وحزبه , فأين هؤلاء العلماء وموقفهم من الوجود الأمريكي في العراق بشكل خاص .
وهذا نموذج علي اهتمام الإخوان بكافة القضايا العالمية , كما ناقش التنظيم العالمي موقف الإخوان من مشاركة المرأة في البرلمانات وعلاقة الجماعة بالحركات الإسلامية الأخري ومع قضية فلسطين , وخروج بعض التنظيمات مثل السودان وانشقاق الدكتور حسن الترابي بحركة مستقلة عن الجماعة والعلاقة مع الحكومات العربية والغربية وتوثيق أفكار الوسطية .
ولكن ماذا عن الدور الذي كان يقوم به المهندس يوسف ندا والذي عٌرف بمفوض العلاقات الخارجية للإخوان ؟
يسأل هو عن الدور الذي كان يقوم به
بعيدا عن الشخص هل يوجد داخل التنظيم هذا المنصب ؟
يجوز بإرتباط مع المرشد , لكن كان لأول مرة يسمع الإخوان هذا المنصب وارتباطه بالمهندس ندا عند اذاعة حلقاته معقناة الجزيرة .
في ظل فكرة التنسيق التي تتحدث عنها ما الدور الذي يقوم به مكتب الإخوان في لندن بقيادة إبراهيم منير ؟
أنا لا أعرف يٌسأل هو عما يقوم به وأنا أتكلم علي ما أفعله بنفسي , فأنا أسست المكتب الإعلامي للإخوان المسلمين الأول في العالم في لندن ووجدت الظروف مناسبة ولا أعمل في الخفاء
إذن أنت تركت تنظيم الإخوان ؟
أنا لم أترك التنظيم ولكني قدمت استقالتي من قيادة الإخوان عام 1997 كمتحدث رسمي للإخوان في الخارج وعضو مجلس شوري الجماعة ومكتب الإرشاد .
هل استقالتك بسبب اختلافات مع أي من أطراف التنظيم وقتها ؟
لا أنا حبذت أتفرغ لبعض الأعمال الفكرية التي لا يقوم بها التنظيم ومنها مثلا ما أعمل عليه من من دراسة الإرهاب من وجهة النظر الإسلامية ووجهة النظر الأخري والإخوان مشغلولين عن هذه الدراسات , والأمر الآخر هو ماذا يقدم الإسلام للعالم وللإنسان وللحضارة القائمة وأيضا حتي أكتب بعض المذكرات , و العمل بعض المشروعات مثل ماذا يقدم الإسلام للغرب والعلاقة بينهما و العمل علي وحدة الأمة بين السنة والشيعة , ولم يكن من الممكن توفير وقت لهذه المشاريع وأنا أتحمل مسئولية القيادة داخل الإخوان , فضلا عن أن نفسي وروحي لا تميل إلي كثيرا إلي العمل الإداري والتنفيذي .
لكن هل لازال بينك وبين التنظيم أيا من الروابط ؟
آه طبعا أنا واحد من هؤلاء طالما رضي الإخوان أن أكون أحد أفراد التنظيم واذا رأوا غير ذلك فلهم الرأي فأنالم أستقل من الحركة الإسلامية نفسها .
هل تمد الجماعة بما تعمل عليه من مشاريع ؟
أنا أكتبها لكل المسلمين وأذكرها للإخوان أيضا في الدورات التدريبية وبرامج التربية , إلا أن الذي لاحظته أنه ليس لدي الإخوان وقت لكي ينظروا في مثل هذه الأمور .
إذا كان الإخوان غير متفرغين لهذه القضايا الإستراتيجية فما هي القضايا التي تشغل بالهم حاليا ؟
متفرغين للتربية , لمواجهة التتحديات التي ضدهم , للعمل الإجتماعي المفروض أن يقدموه للمجتمع , للدفاع عن الإخوان المحبوسين ظلما علي ذمة المحكمات العسكرية , ولتنبيه العالم لم يحيط بمصر والعالم العربي من ديكتاتورية وفساد ويوضحوا دور الحكام تجاه شعوبهم .
لكن كيف تري تقاعس الإخوان عن المشاركة حركة الإحتجاج الشعبي ؟
الإخوان يقدرون مصلحتهم في الخروج أو عدم الخروج مع المظاهرات الأخري ولابد أن يكونوا واثقين من وطنية واخلاص من يدعوا لمثل هذه الفعاليات و لأن بعض هذه الأمور يمكن أن الدولة هي التي تقوم بتحريكها وربما الأمريكان وربما العبث الصهيوني , فالإخوان من حقهم أن يشاركوا إلي ما يطمئنوا إليه .
وكيف تري ما يطلق عليه المتابعين تهميش العناصر الإصلاحية في الجماعة وخاصة ما ذكرتهم في حوارك جيل الطلبة في السبعينات ؟
هذا تشاور داخل مكتب الإرشاد ومجلس الشوري ونحن مع الأغلبية دائما , لكن الإخوان كلهم إصلاحيون ولكن ربما يكون من يريد أن يسبق بفكرة وظروف الجماعة ككل لا تتحملها , لذلك أنا لا أميل إلي أن نقول إصلاحيون ومحافظون .
ولكن تصاعدت خلافات داخل الإخوان وقتما أعلنت الجماعة عن برنامج الحزب بين ما يُطلق عليهم الإصلاحيين والمحافظين وخاصة قضية وحق انساء والأقباط الترشح علي منصب رئيس الجمهورية ؟
أولا بالتأكيد أنت تدرك التحديات التي تواجه الأحزاب في مصر سواء إسلامية أوغيرها في ظل سيطرة لجنة شئون الأحزاب علي الموافقة علي تكوين أحزاب جديدة في مصر ,
الإخوان أوضحوا رؤيتهم من خلال برنامج الحزب والذي وزوعوه علي دوائر المفكرين خارج دائرتهم , وهذا لم يفعله أي حزب آخر , والبرنامج جاء جيد رغم الإختلافات البسيطة عن بعض القضايا الداخلية ومنها موضوع المرأة والأقباط وهيئة كبار العلماء , لكن في النهاية الإخوان أحرار يختاروا ما يختارون وعنده مثل يقول " اللي يشيل إربه مخرومة بتخر علي رأسه " وأنا أقول أن امراءة مثل" تاتشر " أفضل من حكام العرب لبلادنا ولو كانت توجد سيدة مثل زينب الغزالي في ثباتها وصمودها لكانت أفضل من كل الحكام العرب
وأرجو أن الإخوان يدركوا أن موضع الدولة القطرية ليست خلافة ولا ولاية عظمي التي نقر جميعا لا تتوالها المرأة , أما موضوع الأقباط فاذا كان هناك دستور والأغلبية وافقت علي اختيار رئيس قبطي ويلتزم بالدستور والله الإخوان والمسلمون يلمون أنفسهم لماذا لم يكن الإختيار من بينهم وأنه ليس لديهم قيادة , ثم أليس شافيز وهو ليس مسلما ولا قبطيا وموقفه من القضايا السياسية أفضل من كل حكام العرب والمسلمين .
ففي ظني أنا أنه من الخطأ أن يخرج الإخوان برنامج فيه ثغرات كبيرة مثل هذه الثغرات .
ما رأيك فيما طرحه عدد من شباب الجماعة فكرة أن يتم الفصل بين منصبي مرشد عام الجماعة ومراقب عام لإخوان مصر ؟
أنا أرحب بهذه الفكرة جدا فلابد أن يكون للتنظيم المصري مراقبا عاما مثل باقي الدولي التي بها تنظيمات اخوانية اضافة أن يكون هناك مرشدا عاما للجماعة من كبار الإخوان المعروفين في مصر أو خارجها وان كان غالبا سيكون مصري وذلك حتي يتفرغ المرشد العام للمشروع وللفكرة الإسلامية وليس للتنظيم الدولي أنه مفيش تنظيم دولي حقيقي
ما تقيمك لشكل علاقة الإخوان بالغرب وأهمية الحوار معه ؟
الإخوان مطلوب منهم أن يحاوروا الغرب , لأن الغربيين لديهم تحفظات علي الإسلام وعلي الإخوان أنفسهم , ونحاضر كثيرا في الغرب لنفرق بين معاني السلفية والوهابية وبين الإخوان المسلمين , ونشرح موقف الإسلام من الحرية والديمقراطية , وأنا أدير لقاءات كثيرة بين الباحثين الغربيين لإيضاح مثل هذه الأفكار .





















في يوم العمال.. دعوة للإتقان والإحسان
الشرقية أون لاين - 30/04/2009 رسالة من محمد مهدى عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين
الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد..
عندما تنبّه عددٌ من المتابعين في عصر النهضة الصناعية في أوروبا، لما يتعرض له العمال، فرفعوا لواء الدفاع عنهم، وطالبوا بتحسين ظروف العمل، وتأمين متطلبات عيش كريم لهؤلاء العمال، وتمخّض عن تلك التحرّكات والمطالب ظهور عدد من الجمعيات والهيئات والنقابات العمالية. وقاد ذلك لجعل يوم الأول من مايو ذكرى تستعاد كل عام، وما لبثت أن اعتبرت يومًا عالميًّا للعمال، يُحتفل به في كل أنحاء العالم بهدف لفت الأنظار إلى دور العمال ومعاناتهم، والعمل على تأمين متطلبات عيش كريم لهم.
وفي الحقيقة فإن الإسلام قد سبق ذلك من مئات السنين ووضع أسسًا وضوابطَ للعمل والعمال، وبيّن الحقوق والواجبات- وقد تحدثنا عنها سابقًا- بل ورفع قيمة العمل وجعله قيمة تصل لمرتبة العبادة، وهو ما لم يحدث في شريعة سابقة.
نظرة الإسلام للعمل
لقد رفع الله درجة العمل إلى مرتبة العبادة وقرنه بالإيمان في كثير من الآيات قال الله تبارك وتعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يوحى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)واعتنى الإسلام بالعمل وجعله نعمةً تستحق الشكر، قال تعالى(لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ) (يّـس:35) فالآية تحث الإنسان على الأكل من كسبه وكده سواء كان بزراعة الأرض وهو ما أومأت إليه الآية: ( مِنْ ثَمَرِهِ ) أو بالتجارة المشروعة أو بالصناعة على اختلاف أشكالها، كما في قوله: ( وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ )
كما اعتبر الإسلام العمل نوعًا من الجهاد ينال به درجة المجاهدين وشرف المرابطين، فعندما رأى الصحابة شابًا قويًّا يسرع إلى عمله فقالوا: لو كان هذا في سبيل الله؟! فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "لا تقولوا هذا فإنه إن كان خرج يسعى على ولده صغارًا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان".
والعمل الجاد مكفر للذنوب ومطهر للآثام فقال- صلى الله عليه وسلم-: "من بات كالاً من عمله بات مغفورًا له ".
والعمل مهما كان حجمه إذا نوى صاحبه إطعام الجائع وكساء العاري وشفاء المريض وإغناء الفقير كان له بذلك صدقة جارية وأجر غير ممنون ما انتفع الناس والحيوان بثمرة عمله. قال صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة".
إن الإسلام قد عَظم من قيمة العمل وأعلى قدر العاملين وحرم التبطل وحارب الخمول والكسل وهناك أحاديث تنهى عن القعود وتدفع إلى شحذ الهمم كقوله صلى الله عليه وسلم-: "لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه".
فقد حث الإسلام المسلم على أن يكون ديدنه في حياته كلها العمل والعطاء وتعمير الأرض وبناء الحياة حتى يدركه الموت أو الساعة قال- صلى الله عليه وسلم-: "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليغرسها".
العمل قيمة في ذاته
العمل مهما كان قدره ومهما كان ربحه وعائده فهو يمنع صاحبه من التبذل وسقوط ماء الوجه وضياع هيبته بالسؤال وبذلك ينال العامل توقير المجتمع واحترامه ويحيى عزيزًا كريمًا ويموت جليلاً حميدًا، وفي حديث البخاري عن أبي هريرة- رضي الله عنه- "لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خيرًا له من أن يسأل أحدًا فيعطيه أو يمنعه".
فالعمل في الإسلام قيمة في حد ذاته، فاليد العليا خير من اليد السفلى، واليد التي تعطي خير من اليد التي تأخذ، والعمل في الإسلام واجب حيوي وليس للتفاخر والتكبر والجاه والمظهرية فهو أساس الكسب والرزق الطيب لإعمار الأرض.
إن من أهم عوامل تقدم الأمة وتبوئها مكانتها المفقودة، تقدمها في الصناعات المختلفة وريادتها في الأعمال المبتكرة مما يُحقق لها المنعة من الأعداء المتربصين بها والطامعين في ثرواتها وكنوزها، وقد رأينا يوم أن أصبحنا عالة على غيرنا في ما نأكل ونشرب ونلبس ونركب ونحن لا حول لنا ولا قوة، حيث نهبت أموالنا، وصودرت أراضينا ومقدساتنا؛ ولذا كان من مخطط الغرب لنا أن يبقينا شعوبًا جاهلةً متسولةً لكل تقنية تعيش وتقتات على صناعات غيرها.
لذا فإن العمل والإنتاج لسد حاجة المجتمع وتقوية بنيته، وزيادة تماسكه وترابطه، وتحقيق تقدمه وريادته في شرعنا فرض تأثم الأمة كلها إذا لم يتحقق لها ذلك، لهذا قال غير واحد من الفقهاء: "إن هذه الصناعات فرض على الكفاية فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بها".
ضوابط العمل
إن العمل في الإسلام وسيلة تغني المسلم وتكفل له حياة كريمة فينبغي أن لا تشغله عن آخرته وتعطله عن تقربه من ربه وتعوقه عن خدمة دينه بل ينبغي أن ترفعه إلى العطاء ورعاية واجباته الدعوية. إن المؤمنين الصادقين ليسوا عالةً على غيرهم تشغلهم عبادتهم عن العمل والكسب، وليسوا طلاب دنيا وعبيد مال تحجزهم مصالحهم وتلهيهم تجارتهم عن أداء حقوق الله تعالى؛ لذا جاء في وصف المؤمنين الصادقين: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله).إن الإسلام يحثنا على ضرورة التحلي بالقيم الإيمانية، ومنها الإيمان بأن العمل عبادة وطاعة لله عز وجل وأن الله عز وجل سوف يحاسبه يوم القيامة عن عمله، قال الله تبارك وتعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (التوبة: 105).
وكذلك الالتزام بالأخلاق الفاضلة ومنها: الأمانة والصدق والإخلاص والإتقان والإبداع والابتكار والوفاء، ولقد أشار القرآن إلى ذلك على لسان ابنة سيدنا شعيب عليه السلام عندما زكت سيدنا موسى عليه السلام للعمل عند أبيها: (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ) (القصص: 26).
إتقان العمل
حضنا ديننا الحنيف على إتقان العمل وأن نحسنه وهو يدعونا لأن يصير الإحسان في الأعمال ثقافة عامة في المجتمع وخلقًا واقعًا وسلوكًا حيًّا متجليًا وبارزًا على كل كلمة أو قول أو فعل أو مهنة أو شريحة أو مؤسسة عامة أو خاصة؛ هذا هو غاية الإسلام في تعاليمه وأحكامه، إيجاد أمة محسنة وهي إذ تتخلق بهذا إنما تتصف بما وصف الله به نفسه القائل: ( صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ )(النمل: من الآية88)فبالإتقان تتقدم الأمة وتحقق ريادتها الواجبة في مختلف المجالات؛ صناعية وتجارية وزراعية وبهذا يقدم المسلمون أنفسهم للعالم الذي لا يُقدر إلا الأقوياء فى العلم ، والتقنية ، والإدارة ، والتخطيط ، والتنمية الشاملة والإعلام المبدع ، والاقتصاد القوى ... إلخ ، وللأسف فإن حظ المسلمين في هذه الجوانب متواضع ومحدود.
على العامل:
· أن يؤمن المسلم أن عمله محل نظر الله تعالى قال تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)(التوبة: من الآية105).· أن يعلم أن عمله أمانة عنده فلا يضيعها ويفرط فيها وقد قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ) (المؤمنون:8)
· أن يتحلى بالجد والمثابرة في العمل فالإتقان يحتاج إلى مجاهدة، ومغالبة لعوامل الكسل والإهمال لذا يقول ربنا: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)(العنكبوت:69)
· أن يختار الإنسان العمل أو المهنة التي يحبها ويقتنع بها وتنسجم مع ميوله وإمكاناته ويعد هذا من الأمور الضرورية لنجاح الإنسان في عمله والإبداع فيه.
على الدولة وصاحب العمل:
· · إكرام العامل وحسن معاملته حتى يقوى لديه الشعور بالانتماء والولاء .
· · إعطاء العامل الأجر الذي يتناسب مع جهده ومهاراته وإتقانه، فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة منهم رجل استأجر أجيرًا فاستوفي منه فلم يعطه أجره"، وعن عبد الله بن عمر- رضي الله عنه- قال- صلى الله عليه وسلم: "أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه".
· · أن يكون أجر العامل عادلاً بحيث يوفر له الحياة الكريمة من الطعام والشراب والملبس والمسكن، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- "إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس".
· · عدم تكليف العامل ما لا يطيق وعدم إرهاقه بالإعمال الشاقة التي لا يقدر على إنفاذها، فإن فعلنا شيئًا من ذلك أعناه بأنفسنا أو بغيرنا، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- "لا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم".
· · الضمان الاجتماعي فمن حق كل مواطن تأمين راحته ومعيشته كائنًا من كان ما دام مؤديًا واجبه أو عاجزًا عن هذا الأداء بسبب قهري لا يستطيع أن يتغلب عليه، ولقد مر عمر بن الخطاب على يهودي يتكفف الناس فزجره واستفسر عما حمله على السؤال فلما تحقق من عجزه أرجع على نفسه باللائمة وقال له: "ما أنصفناك يا هذا أخذنا منك الجزية قويًّا وأهملناك ضعيفًا، أفرضوا له من بيت المال ما يكفيه".
· · التشجيع المستمر والثناء على المجدين في عملهم والمتقنين في مهنتهم والمتفانين في صنعتهم، وهذا من أعظم الحوافز للإتقان والجد وزيادة الدقة والإحكام.
إننا ندعو العمال في يومهم إلى أن يتحلوا بأخلاق الإسلام ومبادئه، وأن يعطوا من أنفسهم القدوة الصالحة للأمة، ويجعلوا أفعالهم وإنجازاتهم تتحدث عنهم طلبًا لرضا الله سبحانه وتعالى ورفعةً لشأن أوطانهم ..
والله أكبر ولله الحمد.... وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق