الخميس، مايو 28، 2009

قصاصات مغترب



قصاصات من حياة مغترب (2-3)









الشرقية أون لاين - 28/05/2009

عمرو سعد


قارئي العزيز..
هل الغربة كلها سلبيات وآلام؟
ألا يمكننا أن نجد قطرات الشهد وسط لسعات النحل؟
أيامك تمضي..
السفر مرحلة في حياتك ككل المراحل..
فيها مكتسبات وخسائر..
فيها حسنات وسيئات..
ستحاسب عليها كما تحاسب على غيرها..
لماذا إذا تعتبرها مرحلة ميتة ؟!
لماذا تسوِّف لما بعدها ؟!
هل ضمنت أجلك ؟!
ألا تذكر ذلك المعلم المصري الذي كان في عنفوان الشباب ،
وقد خلد إلى النوم آمنا مطمئنا يُمنِّي نفسه بصباحٍ جديد..
لكن الله – جل شأنه – شاء أن يقبضه إليه دون مقدمات تنبئ بموته..
استيقظ زملاؤه في الصباح ..
لم يستيقظ هو..
قم يافلان .. لايرد..
يحركونه .. يقلبونه..
لا حراك..
جثة هامدة..
إنا لله وإنا إليه راجعون.
أليس ذلك دعوةً عاجلةً للتوبة والإنابة ؟!
أليس ذلك دافعًا كبيرًا لاستغلال كل لحظة من عمرك القصير؟!
لماذا الأمان من الموت ؟!
كما تعيش على الأمل والرجاء ، لابد من الخوف ..
الخوف الذي يبعث الطاقة الجارفة في عروقك ؛
فتعمل بلا تواني..
" قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ". (الجمعة / 8)
" فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولايستقدمون ". ( الأعراف / 34 )
انتبه ..
أيامك تمضي سريعةً كالبرق..
إنها تمضي..
وتمضي..
وتمضي..

نِعْم المال الصالح..

عُدْ تارةً أخرى لسؤال: لماذا سافرنا؟
الكل سافر من أجل المال..
صارت حياتهم ماديةً بحتة..
لكن..
أنت أيضا ألم تسافر من أجل حياة أفضل؟!
ألا تطمح في الحصول على المزيد من المال ؛
تبني بيتًا جميلاً..
تتزوج..
تستقر..
تكون صاحب مشروع يعود عليك بدخلٍ جيد..
لا تريد أن تعيش فقيرًا تكدح وراء لقمة عيشك ليلاً ونهارًا..
هل يتعارض هذا مع الهرب من المادية القاتلة التي تلاحق الجميع؟
أعتقد أن الإجابة: لا..
لأن الإنسان مادة وروح..
ولابد من التوازن..
فهل يُعقل أن يعيش الإنسان دنياه بلا مادة؟
وهل يُعقل أن ينالَ مرضاة ربه ، ويفوزَ بجنَّته بغير روحٍ تبِّغه؟
المادية أن تصير المادة هدفًا في حد ذاتها..
وهذه هي الكارثة ، حين تملأ الدنيا قلبك..
وهدي الإسلام الحنيف أنك لو ملكت كنوز الدنيا بأجمعها ، فلتجعلها في يديك لا في قلبك..
فالمالُ وسيلةٌ للعيش..
فلتكن وسيلةً مشروعة..
تأخذها من حلِّها ، وتنفقها في محلِّها..
وقد ذكر الحبيب – صلى الله عليه وسلم – فيما رواه البزار والطبراني عن معاذ بن جبل – رضي الله عنه: " لن تزول قدمُ عبدٍ يومَ القيامة حتى يُسْأل عن أربع ..." ذكر منها: "وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه".
ونعم المال الصالح ، للعبد الصالح..

روحك تسمو..

غشاوة كثيفة تحيط بالقلوب..
تتحول مع الأيام إلى رانٍ مخيف..
يحتاج إلى جِلاءٍ من نوعٍ خاص..
" كلا بل رانَ على قلوبهم ما كانوا يكسبون ". ( المطففين / 14 )
هذا الجِلاء متوفر – ولله المنة - لديك ..
فقد زودك به إخوانك قبل سفرك..
جِلاءٌ رباني..
وردٌ قرآنيٌ فيه حياةُ قلبِك ..
وذكرٌ لله يُؤنس غربتَك..
وركعتان تناجي فيهما ربَّك..
وصومٌ يقيك الفتن ، ويُلجِم شهوتَك..
ثم خلوةٌ بربك سبحانه ، دون ارتباطٍ بأحدٍ من البشر..
تشعر معها بحريةٍ ممتعةٍ ، منضبطةٍ بضوابط الشرع الحنيف..
مع كل هذا الزاد..
يحيا قلبك ..
وتسمو روحك..
وتسمو ..
وتسمو ..

مواهب ومهارات..

انظر إلى مواهبك ومهاراتك..
فقد حباك الله منها الكثير..
ثم أعطاك الفرصة لتنميتها واستثمارها ..
فرصة قد لا تسنح بعد هذه المرحلة ..
لست منشغلاً بمسئولياتٍ جسام..
ولديك من الوقت رغم انشغالك بالعمل وضغوطه ما لن تجده بعد ذلك..
لديك وقتٌ للقراءة والاطلاع ، فلِمَ تمكث أيامًا لا تقرأ سطرًا؟!
لديك القدرةُ على الكتابة عما تجيش به نفسك ، وما تجود به قريحتك ، فلِمَ تمكث فترة طويلة بلا فكرة جديدة تعبر عنها ؟!
اهتم أكثر بحفظ كتاب الله حتى ترجع من غربتك بهذا المكسب العظيم..
تعلم دينَك جيدًا وتفقَّه فيه ..
تعلم أحكامَ الشريعة ..
افهم تفسيرَ كتاب الله ..
تدارس سيرةَ الحبيب – صلى الله عليه وسلم ..
وسيرَ العظماء ..
تعلم الجديد من برامج الكمبيوتر ، وطور مهاراتك فيما تجيده من برامج..
تعلم المزيد من المهارات الحياتية ، كقيادة السيارات ، وإجادة الطهي ، وغيرها..
تعلم حِرفًا أخرى تتصل بعملك أو لا تتصل فلابد أنها ستفيدك يوماً ما..
ما لك تقف عاجزًا أمام ضيق الوقت ، وكثرة الأعمال ، وشدة الإرهاق ؟!
في بلدك الحبيب كان هدفهم أن يضيقوا عليك وعلى أترابك حتى لا يكونَ لكم عملٌ سوى أن تلهثوا وراء لقمة العيش..
فلم يفلحوا- بفضل الله..
وهنا صاحب العمل لا يهمه سوى المال والدَّخل ..
يتمنى لو تتحولون إلى آلات بشرية ليس لها هم سوى العمل .. العملِ فقط..
فهل تترك له فرصة ليهلل بنجاحه على حساب نفسك وحياتك ؟!
إذن ، فقد خسرت كلَّ شيء في هذه المرحلة..
فالمادة وحدها لا تصنع الإنسان الكامل..

كن كالغيث..

نعم لم يُخطئ قلمُك ..
كن كالغيث ..
الغيث في هذه البلاد كنز لا يقدر بثمن..
لا يفرحون بشيء كفرحهم به..
هو مصدر أساسي من مصادر الحياة..
يترقبه الجميع ..
بل يُصلُّون تضرعا للرَّازق - جل شأنه – ليتنزل عليهم ..
كم من الخير يحلُّ على البلاد والعباد بنزوله..
لنفس الغرض خلق الله المسلم..
قد أنعم الله عليك بنعمة الهداية..
أعظم النعم ..
وأمََرَك بشكر هذه النعمة..
وما الشكر إلا بإنفاذ مراد الملك – جل شأنه- منها..
هداك الله لتكون غيثاً يتنزل على صحاري القلوب فيحييها بعد موات..
قد تعترض بأنك تريد كغيرك أن تبحث عن رزقك وليس لديك وقت للانشغال بهذه الأمور..
نعم ..
أُمِرت بالبحث عن رزقك..
" فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور". (الملك )
ومن ذا الذي يمنعك من ذلك؟!
ولكن..
هلاَّ جعلت ابتسامتَك لوجهك عنواناً..
تأْسِر قلوبَ الناس بذوقك الرفيع..
وحديثك الصادق..
وحرصك على تقديم المنفعة للآخرين..
هلاَّ كنت نبراساً للخير..
إذا ما حانت الصلاة تسبق الجميع إلى المسجد..
إذا ما تكلمت لم يكن إلا خيرًا..
إذا ما تأخر الجميع في المواعيد ، فأنت من يفي بها..
إذا ما غفل الجميع ، كنت المنبِّه..
هلاَّ كنت داعيةً لغير المسلمين الذين يعملون معك ..
بطيب الحديث..
وحسن المعاملة..
والتواضع ولين الجانب..
ألا تذكر ذلك العامل الهندوسي الذي يعمل معك..
يوم أن ذكر أمامك أنه لا يقبل الإسلام..
وحين سألته عن السبب..
ذكر أن فلانًا صاحبَ العمل سيء ..
وفلانًأ المدير كذلك..
وفلانًأ المصري ..
وفلانًا اليمني ..
الجميع كذلك..
فأخبرته أن الإسلام كشرع ‘ ليس فيه قبيح..
والعيب ليس في الإسلام ..
إنما في المسلمين..
أرأيت كيف شوهوا الصورة؟!
حين لم يصدقوا في الحديث..
ولم يفوا بالعهود..
بل لم تسلم ألسنتهم – للأسف – من قبيح الكلام..
مشكلة كبيرة ..
مشكلة أن يتحول هذا المسلم من غيث نافع كما أراد الله له ،
إلى أمطارٍ حمضيَّة تقضي على كل مظاهر الحياة ..
لا يهم كيف يكون الجميع..
المهم أن تكون كالغيث ..
أينما حللت نفعت؟!
................................
تابعونا قريبا في باقي القصاصات..
regalsadako@yahoo.com
http://amrsaad1425.blogspot.com/

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق