الخميس، يونيو 18، 2009

نظّف صدرك


نحو سلامة الصدر أ/السيد نزيلى

16/06/2009

كثيراً ما يردد بعضنا .. مصطلح (سلامة الصدر) حيث يتكرر أنَّ الأستاذ البنا رحمه الله يدعو إلى ذلك، ويربى الأجيال المسلمة على هذه الفضيلة .. إذ البناء السليم للأمة لا يكتمل إلا بها .. ولا يقوم إلا على قاعدة صلبة من الخلق المتين .. وأعلى درجات هذا الخلق .. سلامة الصدر .. والعلاقة الطيبة بين الأفراد فى الظاهر وفى الباطن، وفى سويداء القلوب .. فالله عز وجل لا ينظر إلى صور الناس وأشكالهم .. ولكن ينظر إلى قلوبهم التى فى صدورهم .. وفق حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فى هذا الشأن .. .


وعلاقة المؤمنين بعضهم ببعض لا تقوم إلا بهذا المقياس .. حيث تكون القلوب ملتقية على حب الله ورسوله والجهاد فى سبيل الله .. وحتى يحب المرء أخاه لا يحبه إلا لله .. وحتى (كذلك) يحب المرء لأخيه ما يحبه لنفسه .. وحتى تتحقق فى كل رجلين الصفة التى تؤهلهما ليستظلا بظل الله يوم لا ظل إلا ظله "ورجلان تحابا فى الله .. اجتمعا عليه .. وتفرقا عليه"

وسلامة الصدر تعنى أن يفترض المؤمن حسن النية فى كل تصرف يراه فى أخيه .. أو إخوانه .. ولا يتحرك بأية حركة .. ويبنى أحكاماً على حركته إلا بعد التحقق والتأكد .. بإعمال الدقة والفرز والتحليل والعلم واليقين .. وسؤال أهل الذكر أو التخصص فى المجال الذى يريد إثارته .. ويعود على نفسه بالملامة .. والاتهام .. قبل ملامة واتهام الآخر .
إن الحكماء والفقهاء السابقين .. كانوا غاية فى التجرد .. والبعد عن اتهام الغير .. إذ الاتهام .. تسرع فى الحكم .. لا يستقيم مع مبادئ الإسلام .. وهو لا يكاد يفترق كثيرا عن الاتهام بالكفر .. أو "التكفير" الذى غلظ عقوبته الإسلام .. فمن قال لأخيه "يا كافر" فقد باء به أحدهما .. وهذا خيار صعب وخطير .. فإما أن يتحقق فى المتهم "الكفر" حقا .. أو تعود التهمة على المتهم أو المُدَّعى .. وفى ذلك تبشيع لرمى الآخرين بأحكام وأوصاف هكذا دون ضابط ولا وازع .. ودون استعمال فرّازة من عقل وحكمة وتريث وتثبت ..
• ويحكمنا فى هذه النقطة أمور ثلاثة :
1. أنه قد أثر عن كثير من العلماء ذلك القول المأثور ( رأيى خطأ ويحتمل الصواب ورأى غيرى صواب يحتمل الخطأ) إذ افتراض الخطأ فى رأى الشخص كفيل بأن يكبح جماح نفسه ويبعده عن مزالق الشيطان .. ويقلل من الخسائر التى تترتب على اتهام الآخر بالباطل .. مع ما يترتب على ذلك من إشاعة قول السوء ..وشرخ النفوس وتدمير العلاقات الحميمة بين الناس وإشاعة الأحقاد فى المجتمع بدل الحب والوئام ..
2. يقول الله عز وجل (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء : 36] .. وعلى ذلك فإن العلم فى أية قضية يتصدى لها شخص ما .. شرط أساسى .. فى بحثها والإحاطة الكاملة بجوانبها .. وصحة ما يصل إليه من نتائج .. ويرجع ذلك إلى عدم التبين أو التثبت .. إذ الخوض فى المسائل التى ليس لنا دراية بها .. أو علم بجوانبها .. يؤدى إلى أحكام خاطئة وإشاعة الظنون والأقاليل بغير دليل أو قرينة صحيحة، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) [الحجرات : 6].
3. والأصل فى المجتمع المسلم .. عدم المجاهرة بالإثم والعدوان .. أو التناجى بالباطل وبما يفسد العلاقات الطيبة بين الناس أو استباحة الأعراض بالغيبة والنميمة .. حيث يزين الشيطان ذلك .. ويصرف عن الجادة .. والعمل الصحيح.. والجهاد المثمر الذى يعود على دين الإسلام بالخير والقوة والتمكن من النفوس .. وعلى أرض الواقع.
ولذلك .. وجدنا أن الإسلام ينفر أشد النفور من إشاعة الفاحشة بين المؤمنين إذ أن ذلك (خط أحمر) يتناقض تماماً مع البناء الطاهر النظيف الذى يريده الإسلام ويسعى لبنائه وتدعيمه كركيزة أساسية تصبغ الدنيا كلها بصبغته .. (صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ) [البقرة : 138]
ولذلك كان التعقيب القرآنى على "حديث الإفك" الذى جاءت آياته فى سورة "النور" بعد أن برّأ الله عز وجل ساحة أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) [النور : 19].
وإشاعة الفاحشة أو حديث الإفك او قول الزور أو الافتراء بالبهتان العشوائى بغير بينة أو دليل .. كل ذلك لا يقتصر على زمن دون زمن .. وعلى فئة من الناس دون فئة .. بل هو مصاحب للنظرة البشرية إذا ما انحرفت عن الطريق الصحيح .. واستجابت لدواعى الاندفاع والنزق .. واتباع الهوى .. أو أُعجب كل فرد برأيه .. واتبع هواه بغير هدى من الله ..
وليس كل خطأ يراه شخص فى أخيه يوجب إذاعته .. إنما لابد من التثبت والتيقن .. (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً) [النساء 83].. وحتى فى الحدود .. فإن الإسلام يدعو إلى درء الحدود بالشبهات ..
ولما جيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن يُتهم أنه ارتكب فعلاً يوقعه تحت طائلة العقاب .. كان رده صلى الله عليه وسلم "هلا داريت عليه ؟! هلا سترته ؟!" ولا يفهم من ذلك أن الإسلام يقر التستر على المبطلين .. أو الفاسدين أو يدعو إلى التغافل عن الجرائم التى تقوض بنيان المجتمع المسلم .. إنما الأمر المؤكد أنه يضع حداً للقيل والقال .. وإلقاء التهم جزافاً دون تحرز وبيّنة.
• منزلة سلامة الصدر
والمثل الواضح فى هذا الأمر .. ما علمناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلى الله عليه وسلم كان يجلس مع أصحابه وقال لهم صلى الله عليه وسلم "يخرج عليكم رجل من أهل الجنة" فيخرج عليهم رجل معين .. ويتكرر ذلك ثلاث مرات فيخرج عليهم الرجل هو هو .. فيتعقبه شاب من الصحابة .. ويذهب إلى الرجل ويبيت عنده ثلاثة أيام يلاحظ ما يفعله الرجل .. وما قد عساه مستحقاً لهذه المكانة (من أهل الجنة) غير أن عبد الله بن عمرو لا يلاحظ أمراً بارزاً فى حياة الرجل .. وفى عبادته غير المعتاد من هذه الأفعال .. وعند الانصراف .. يذكر هذا الصحابى الجليل لعبد الله بن عمرو .. " أن الأمر كما ترى يا بنى .. غير أنى أبيت وليس فى صدرى شيء من أحد " ..
وهذا ما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لا تحدثونى ( يقصد بسوء) عن أصحابى .. فإنى أريد أن أخرج إليهم وأنا سليم الصدر" وذلك لما يحدثه القول المرسل .. الغير منضبط بالشرع والأصول من فتنة فى الأرض وفساد كبير .
وهذا ما دعا الأستاذ البنا كذلك إلى أن يجعل سلامة البناء .. وقوة الأساس .. هو سلامة الصدر .. وصفاء النفس .. و طهارة القلب.
والأصل فى المسلم ألا يقف فى موضع فيه شبهة .. لأنه فى هذه الحالة يتهم ولا أجر له .. ونضرب لذلك أمثلة:-
1. بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير ليلاً مع صفية أم المؤمنين (زوجته) مر على مجموعة من الناس فيهم بعض المنافقين .. وحتى يكون الأمر جلياً واضحاً .. يعود إليهم (صلى الله عليه وسلم) ويقول "هذه صفية زوجت".. قطعاً لسوء الظن.
2. قال عبيد بن عمير "بينما عمر بن الخطاب يمر فى الطريق فإذا هو برجل يكلم إمرأة فعلاه بالدرة .. فقال يا أمير المؤمنين إنما هى إمرأتى فقال له .. فلم تقف مع زوجتك فى الطريق تعرِّضان المسلمين لغيبتكما ؟! فقال : يا أمير المؤمنين الآن قد دخلنا المدينة ونحن نتشاور أين ننزل .. فدفع إليه الدرة وقال اقتص منى يا عبد الله .. فقال : هى لك يا أمير المؤمنين فقال خذ واقتص .. فقال بعد ثلاث : هى لله . فقال : بارك الله لك فيها.
إن إحسان الظن .. وعدم الاتهام بالباطل والبعد عن كيل التهم جزافاً.. ومن غير بينة أو دليل .. كل ذلك .. يشيع الحب .. ويعمق الأخوة .. ويهدئ روع الآخرين .. ويؤدى إلى سلامة الصدر .. ويستمطر رحمات الله .. وعونه .. وتأييده ..
وما أحوجنا إلى ذلك ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق