الاثنين، يوليو 27، 2009

منتحرون... أم منحورون؟!


منتحرون... أم منحورون؟!

[10:36مكة المكرمة ] [27/07/2009]

بقلم: د. جابر قميحة

يقفز إلى ذهني بعض الكلمات التي كتبتها في ظلال الحكم الكئيب الذي نعيشه، وصدرت بها كل قصيدة من مجموعة قصائد قصيرة نظمتها، يجمعها عنوان واحد؛ هو "حدَثَ في جمهوريةِ ظلمِسْتَان"... وكلمات هذا التصدير:

اسم الدولة: ظلمُـستانْ

حاكمها الأعلى: بـَهمـانْ

هو الدستورُ

هو القانونُ

هو السلطانْ

وشعار الدولة: مشنقةٌ

تتدلى من خلف القضبان

وسجونٍ سودِ الجدرانْ

الناسُ جياعْ

والفقرُ الضاري في كل مكانْ

ونيوبُ الأمراض الشتَّى

تنهش نـهشًا في الأبدانْ

*****

ولا يختلف اثنان في أننا نعيش عصر "الدولة البوليسية"، التي يكون للسلطة التنفيذية المقام لأول في كل السلطات، وإلا ما معنى أن يصدر القضاء حكمًا بالبراءة، ثم يصدر قرار من وزير الداخلية باعتقال البريء عملاً بقانون الطوارئ. حدث ذلك عشرات المرات، وما زال يحدث، مما يفقد المواطنين الشعور بالأمن والطمأنينة، وقد يدفعهم إلى فقد الولاء لمصر "المخروسة".
ولكن دعك من هذا يا قارئي العزيز؛ فهناك ما هو أنكى وأمرُّ: وهو تعذيب المواطنين إلى الموت، وبعد ذلك هناك متسع لرجال الأمن في ادعاء أن السجين مات منتحرًا؛ وهو في الواقع مات "منحورًا"، لا منتحرًا. وقد يكون القتل بالحرمان من الدواء الضروري إلى أن يقضي نحبه، كما حدث للمهندس أكرم زهيري، والمهندس أكرم كان أحد ناشطي الإخوان المسلمين بمدينة الإسكندرية، وهو يبلغ من العمر قرابة 40 سنة. قبض عليه- ظلمًا وعدوانًا- ضمن 58 من الإخوان يوم 15/5/2004م. وبسبب التعذيب، وتركه بلا دواء ولا علاج قرابة عشرة أيام؛ وهو المريض بالسكر الشديد، لقي ربه شهيدًا يوم الأربعاء 9/6/2004م. وترك وراءه زوجة، وثلاثة أبناء: (دعاء) و(محمد) و(هدى) في الرابعة من عمرها.

وفي مساء السبت 17/2/2006م، استُشهدت "دعاء"- كبرى بناته- بضربة من "ترام" غاشم.

*****
ولا ننسى في هذا السياق مأساة "فارس بركات"؛ وهو ضحية جهاز أمن الدولة بدمنهور الذي تم إلقاؤه من شرفة الدور الرابع بعقار بشارع الموازين بمدينة دمنهور، بواسطة المخبر السري جمال طايع، بناءً على تعليمات الرائد ناجي الجمال الضابط بمباحث أمن الدولة بدمنهور.

*****

ولا ننسى كمال السنانيري الذي اعتُقل في أكتوبر سنة 1954م، وحكمت عليه المحكمة التي أنشأها عبد الناصر بالسجن الذي أمضى فيه كمال الحكم؛ حتى أفرج عنه في يناير سنة 1973م.

وبعد خروجه، من السجن الذي جاوز العشرين عامًا، واصل مسيرته في سبيل الله، فذهب لميدان الجهاد في أفغانستان؛ حيث أعطاه جهده وطاقته، وبذل أقصى ما يستطيع لدعمه، وإصلاح ذات البين بين قادته، وحين اعتقل بعد عودته من أفغانستان، ظل العذاب يُصب عليه من زبانية السلطة وهم ينهالون عليه تقطيعًا وتمزيقًا، حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، ولقي ربه شهيدًا من شهداء الحق والصدق إن شاء الله يوم 8/11/1981م.

وأعلن رسميًّا وفاته منتحرًا في زنزانته بسجن استقبال طرة في 4/11/1981م، وصور فؤاد علام- خبير التعذيب- الانتحار بروايتين مختلفتين، في الأولى قال إن السنانيري علق نفسه في كوع الحوض الذي يرتفع أقل من متر عن الأرض، وأنه استعمل في ذلك حزامًا من القماش يربط به "البنطلون" الذي يرتديه المسجون، ومعروف عن هذا القماش أنه مهترئ وقديم، ويقطع عند أي ضغط عليه، ولا يمكن لشخص أن يعلِّق نفسه في أقل من متر.

ويبدو أنه وجد أن هذه الرواية غير منطقية، فذكر روايةً أخرى بأن السنانيري ربط نفسه بملاءة، ووقف على كرسي، وعلَّقها في السيفون، ثم أزاح الكرسي.

وكذبه الواقع على لسان واحد من ضحايا علام، وقال إنه كان في السجن في هذا الوقت، ولم يكن هناك "سيفون"، وليس هناك أكثر من الحوض الذي يمكن للإنسان أن يغسل فيه يده، فردَّ عليه علام بأنه لا يتذكر ما إذا كان الانتحار تمَّ بملاءة أم بشيء آخر. والحقيقة الدامغة أن رجال علام قاموا بتعذيب السنانيري حتى فارق الحياة.

*****

ويجب ألا ننسى الشهيد سليمان خاطر:

وسليمان محمد عبد الحميد خاطر من مواليد قرية أكياد في محافظة الشرقية بجمهورية مصر العربية، وهو آخر عنقود من خمسة أبناء في أسرة بسيطة أنجبت ولدين وبنتين قبل سليمان.
التحق سليمان مثل غيره بالخدمة العسكرية الإجبارية، وكان مجندًا في وزارة الداخلية بقوات الأمن المركزي.

وكان من الصعب على أحد أن يعرفه لولا ما حدث في آخر أيام خدمته في سيناء
في يوم 5 أكتوبر عام 1985م، وأثناء قيام سليمان خاطر بنوبة حراسته المعتادة بمنطقة رأس برقة (أو بركة) بجنوب سيناء؛ فوجئ بمجموعة من السياح الصهاينة يحاولون تسلق الهضبة التي تقع عليها نقطة حراسته، فحاول منعهم وأخبرهم بالإنجليزية أن هذه المنطقة ممنوع العبور فيها قائلاً: (stop no passing ) إلا أنهم لم يلتزموا بالتعليمات، وواصلوا سيرهم بجوار نقطة الحراسة التي توجد بها أجهزة وأسلحة خاصة غير مسموح لأي إنسان الاطلاع عليها، فما كان منه إلا أن أطلق عليهم الرصاص خاصة أن الشمس كانت قد غربت، وأصبح من الصعب عليه تحديد سبب صعود هؤلاء الأجانب الهضبة، وكان عددهم 12 شخصًا.

وسلَّم سليمان خاطر نفسه بعد الحادث، وبدلاً من أن يصدر قرار بمكافأته على قيامه بعمله، صدر قرار جمهوري- بموجب قانون الطوارئ- بتحويل الشاب إلى محاكمة عسكرية.

وصدر الحكم بحبسه 25 عامًا من الأشغال الشاقة المؤبدة، قال تقرير الطب الشرعي إنه انتحر، وقال أخوه: لقد ربيت أخي جيدًا، وأعرف مدى إيمانه وتدينه، إنه لا يمكن أن يكون قد شنق نفسه لقد قتلوه في سجنه.

وقالت الصحف القومية المصرية انتحر سليمان خاطر بأن شنق نفسه على نافذة ترتفع عن الأرض بثلاثة أمتار.

ويقول من شاهدوا الجثة: إن الانتحار ليس هو الاحتمال الوحيد، وأن الجثة كان بها آثار خنق بآلة تشبه السلك الرفيع على الرقبة، وكدمات على الساق تشبه آثار جرجرة أو ضرب.

وقال البيان الرسمي إن الانتحار تمَّ بمشمع الفراش، ثم قالت مجلة (المصور) إن الانتحار تم بملاءة السرير، وقال الطب الشرعي إن الانتحار تمَّ بقطعة قماش مما تستعمله الصاعقة.

وأمام كل ما قيل، تقدمت أسرته بطلب إعادة تشريح الجثة عن طريق لجنة مستقلة لمعرفة سبب الوفاة، وتمَّ رفض الطلب مما زاد الشكوك، وأصبح "النحر" أقرب تصديقًا من "الانتحار".

رحم الله سليمان خاطر شهيد مصر والحق والكرامة.

*****

ومن حقنا أن نعيش دقائق مع ما صرَّح به الرئيس مبارك في حديث طويل جدًّا لمجلة (المصور) المصرية بتاريخ السبت، يناير 18/10/1986م، تناول فيه مأساة سليمان خاطر:
س: قلت سيادة الرئيس لقد انتحر سليمان خاطر برغم طيب معاملته داخل السجن؛ لأن نفسيته الهشة وعمره الصغير وتجربته المحدودة لم تتحمل هذا الفارق الشاسع بين حقيقة ما جرى في تل بركة وبين الصورة التي رسمتها له المعارضة.

ج: الرئيس: كنت أتمنى حكم البراءة لسليمان خاطر، كما كان يتمناها الآخرون، ولكن الذي حدث أن سليمان خاطر قتل أطفالاً ونساءً، وأن المحكمة أدانت الحادث وأصدرت الحكم، ولم نتدخل من قريب أو بعيد، ولم تكن هناك ضغوط من أية جهة، ونحن لا نقبل ضغوطًا من أية جهة.. نرفض الضغوط أيًّا كان مصدرها.

وعندما جرت محاكمته سارعوا إلى التشهير الكاذب بأن هناك ضغطًا على مصر، وأن "إسرائيل" ربطت بين قضية طابا وضرورة محاكمة سليمان خاطر.

س: سيادة الرئيس بودي أن أسأل بماذا تفسر موقف المعارضة من قضية انتحاره؟! ماذا يريدون على وجه التحديد من إحاطة حادث انتحاره بهذه الشكوك الكثيفة؟ مرة يروجون أن أجهزة الموساد- المخابرات الإسرائيلية- تمكنت من التسلل إلى زنزانته لتقتله انتقامًا، ومرة أخرى يروجون أنه قد لقي مصرعه في السجن الحربي؛ لأن الدولة تريد أن تتخلص منه... وكان عليك أن تسألهم- هم- عن أسباب هذا التشكيك.


إنه سخف وضحك على عقول البسطاء، وللأسف فإن ذلك يجري باسم الديمقراطية؛ ولكنهم في واقع الأمر يضربون الديمقراطية في مقتل.

ونحن لا نوافق الرئيس في رؤيته هذه، ومن حقنا وحق الشعب المصري أن يسأل: وهل عندنا ديمقراطية حتى تصاب في مقتل... يا سيادة الرئيس؟!!.

*****

وعلينا أن نذكر في هذا السياق المصري الموهوب عبد الحميد شتا الذي تخرَّج في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وكان موضع تقدير أساتذته، وكان يكتب في أكثر من مطبوعة مهمة منها: مجلة (السياسة الدولية) ومجلة (النهضة) التي تصدرها الكلية.

وله العديد من الأبحاث التي قدَّمها في العديد من المسابقات ونال بها المركز الأول؛ لذلك كان يشارك في المؤتمرات العلمية التي تعقدها الكلية.

وتقدَّم عبد الحميد شتا للعمل بالخارجية المصرية... واجتاز كل الاختبارات، وكان ترتيبه في تلك الاختبارات "الأول" على 43 شابًّا وصلوا إلى التصفيات النهائية.. واختاروا للوظيفة من يليه في الترتيب... والسبب... أن "عبد الحميد شتا غير لائق اجتماعيًّا"؛ فأبوه فلاح مصري بسيط من قرى إحدى المحافظات.

وتحت وطأة هذا الظلم الفادح... انتحر عبد الحميد بإلقاء نفسه في النيل، ونحن لا ننكر حرمة الانتحار؛ ولكن الذين ظلموه يجب أن يحاكموا؛ فالظلم جريمة من الكبائر.

ورحم الله عمر بن الخطاب، فقد هدَّد أحد الصحابة بأنه سيقيم عليه حد السرقة؛ لأنه يجيع غلامه مما دفعه أن يسرق منه ليشتري طعامًا.

وإني أسال حكامنا الأفذاذ: إذا كانت "الفِلاحة" تعني انعدام اللياقة الاجتماعية؟! فهل يعني هذا توفر هذه الصفة في الـ50 % من أعضاء مجلس الشعب؟!.

وبصراحة أقول: إننا لو أخذنا بهذا المعيار لكان حكم رجال الثورة باطلاً؛ لأن أغلبهم من أسر متواضعة اجتماعيًّا.

*****

والآن من حقنا أن نسأل القارئ أن يجيبنا في ضوء ما ذكرنا، وفي جو هذا الحكم الاستبدادي البوليسي الغاشم: ما رأيك فيما حدث للذين ذكرناهم آنفًا؟!؛ هل انتحروا أم نُحِروا؟! وتذكَّر قوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227)﴾ (الشعراء)، وتذكَّر قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (57)﴾ (الروم).

---------

* gkomeha@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق