الخميس، يوليو 30، 2009

رسالة إلى أحرار الرأي خلف أسوار الاستبداد


رسالة إلى أحرار الرأي خلف أسوار الاستبداد

[12:12مكة المكرمة ] [30/07/2009]

لة من محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد..

فإن الصراعَ بين الحق والباطل قديمٌ وممتَدٌّ، وإن وضوحَ الحق وقوةَ حجته من أهم الأسباب التي تدفع خصومَه إلى منع دعاته من الإعلان عنه والتحرك به؛ خوفًًا من انجذاب القلوب إليه وتعلُّق النفوس به، ولهذا يلجؤون إلى سلاح العزل والفصل بين الدعاة وبين جماهير الناس ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، سواءٌ عن طريق الحبس والاعتقال، أو عن طريق القتل والاغتيال، أو عن طريق التشويه والتشويش والاحتيال، ولا يزال مكرهم مستمرًّا متكررًا ﴿وَإِذْ يَمْكرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكرُ الله وَالله خَيْرُ الْمَاكِرِين﴾ (الأنفال: 30).



ولكن ثقةَ الدعاة بربهم، وإيمانَهم الكاملَ بدعوتِهم، ويقينَهم بسموِّ مبادئِهم، وإخلاصَهم لأوطانِهم وبني جلدتهم، وصفاءَ علاقتهم بالمخلصين من أمتهم؛ هي عدَّتُهم في مواجهة الشدائد ومغالبة المصاعب والعوائق، وهم يوقنون أنه لا يحيق المكرُ السيِّئُ إلا بأهله، وأن هذا الصراعَ محتومُ النهاية معلومُ العاقبة.. ﴿كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ الله قَوِيٌّ عَزِيز﴾ (المجادلة: 21).



أيها المجاهدون خلف أسوار الاستبداد والقهر والظلم..

إن الاعتداءَ على حرياتكم، والانتقاصَ من حقوقكم، ومصادرةَ أرزاقكم، وتغييبَكم عن أهلكم وأحبَّائكم؛ إنما هو محاولةٌ لمنعكم من الإسهام في إنقاذ أمتكم، فلقد أراد الله أن تستيقظوا وغيرُكم يغِطُّ في نومه، وأن تؤمنوا وسواكم يَهيم في شكِّه، وأن تأملوا ومَنْ دونكم قد تغشَّته سحابةُ اليأس، وأن تتجمَّعوا وغيرُكم قد تشقَّقت عصاه واختلف أمرُه، وأن يلتفَّ الناسُ حولكم، وتنتهي الثقةُ إليكم، ويحُفُّ الأملُ بكم، حين فقد الناسُ أملَهم وثقتَهم، ووجدوا فيكم المنقذَ من الفساد، ورأَوا في دعوتكم طوقَ النجاة من الذلِّ والانكسار، فمنحوكم ثقتَهم، ووضعوا فيكم أملَهم.



وشاء الله أن تمر بكم وبالأمة عواصفُ من الظلم، مزَّقتْ من غيركم من الأحزاب والهيئات ما شاء الله لها أن تمزِّق، ولكنها تمرُّ بكم أنتم، فتُقوِّي ولا تُضعِف، وتُثبِّت ولا تُزعزِع، وتزيدكم إيمانًا بنصر الله وثقةً برعايته؛ لأنكم بالحق تنطقون، ولدعوة الله تعملون، فأنتم لذلك على عينه تُصنَعون ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ (الطور: 48).



وقد أراد الله أن يظهر أمرُ دعوتكم، فلم تقِف عند حدود مصر، بل جاوزتْها إلى عشرات الأقطار والبلدان، وانفتحتْ لها قلوبُ مئات الملايين من المسلمين والأحرار في هذا العالم؛ بما تحمِله من سُمُوٍّ ونُبلٍ وأخلاقٍ كريمةٍ، وبما تشتمل عليه من مبادئ العدل والحرية والإنصاف والمساواة والإنسانية وحب الأوطان، والتفاني في خدمة الناس، ابتغاءَ وجه الله بلا مَنٍّ ولا أذىً.



ثم كان موقفُكم الرائعُ والمشرِّفُ في مواجهة العدوان الصهيوني الفاجر على أهل غزة، فتقدَّمتم لإغاثتهم حين نكَص غيرُكم على عقِبه، وواصلتم الليل بالنهار في إعانة المظلومين المحاصَرين، في جهاد لا يَعرِف الكلل أو الملل، قدَّرتْه لكم جماهيرُ الأمة وقُواها الحية وكلُّ أحرارُ العالم، حتى نصر الله إخوانكم في غزة، وأبطل كيد المجرمين، فـ﴿لاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: من الآية 139).



ولم يكن ذلك كلُّه ليمرَّ على قوى الشرِّ والبغي في الخارج وقوى الفساد والاستبداد في الداخل؛ من غير اجتهادٍ في تعويق مسيرتكم، ودَأَبٍ في تشويه دعوتكم، ومن ثَم لجؤوا إلى هذه الحملة الظالمة المضلِّلة، التي اشترك في تنفيذها جهازُ أمن النظام مع تابعيه من المنسوبين إلى الصحافة والإعلام، في مسعى واضحٍ لتحقيق أهداف صهيوأمريكية غربية من جهة، وأهداف سياسية ضيقة من جهة أخرى.



أما الأهداف الصهيونية الأمريكية الغربية، فتتمثل في أمرين أساسيين:

أولهما: تصفية القضية الفلسطينية.. من خلال إحكام الحصار على رموز العزة في غزة الصامدة، ومنْعِ الأمة من نجدتهم أو تخفيف معاناتهم؛ حتى يستسلموا للمشروع الصهيوني، وهذا ما لن يقبل به الإخوان المسلمون، ولن تقبله الأمة على الإطلاق.



أليس من المضحك المبكي أن جمع التبرعات لصالح الشعب الفلسطيني وتقديمها من خلال لجان الإغاثة الإنسانية العربية والعالمية، ومن خلال الهلال الأحمر المصري؛ صار عند حكومة مصر سببًا للاتهام والتجريم، بدلاً من أن يكون سببًا للافتخار والتكريم؟!



أليس من المبكي أن تسمح الحكومة المصرية بمرور المدمِّرات الصهيونية عبْر قناة السويس، وفي ذات الوقت تُغلق معبر رفح في وجه أهل غزة المحاصرين؟!



أليس عجيبًا ألا يتحرك أحد من الحكام العرب بجديَّة لرفع الحصار الظالم، وحين يتحرك بعض الأحرار من الأوروبيين لكسره، يتمُّ تعويقُهم ومماطلتُهم، فلا يدخلون إلا بعد معاناة وإرهاق؟!



فهل يجيبنا أحد.. لحساب مَنْ تقوم الحكومةُ المصريةُ بهذا الدور؟ ولمصلحة مَنْ تعاقِب الذين رفعوا رأسَ مصر عاليًا ووقفوا إلى جانب المضطهدين من إخوانهم؟!



لقد صار واضحًا أن الحكومة المصرية بما اخترعته ممَّا يسمَّى بقضية "التنظيم الدولي" إنما تريد منع الإخوان من التصدي للمخطط الغربي الصهيوني لابتلاع فلسطين وتصفية قضيتها، وتريد منع غيرهم من أن يحذو حذوهم في التصدي للمشروع الصهيوني؟!



اطمئنوا أيها الأحرار خلف الأسوار..

إن الإخوان المسلمين، ومعهم كلُّ الأحرار في الأمة وفي العالم، مستمسكون بمشروعِهم الحرِّ الرافضِ للمشروع الغربي الصهيوني، ولن يقبلوا بهذا الغرس الشيطاني في فلسطين المباركة، ولن يتوقفوا عن دعم صمود المقاومة والمجاهدين في فلسطين، ولن يتوقف سيلُ الإغاثة للشعب المظلوم في غزة وفي عموم فلسطين؛ حتى تقوم دولة فلسطين الحرة على كامل تراب فلسطين بإذن الله.. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21).



الهدف الغربي الثاني: هو تمرير المشروع القِيَمي الغربي القائم على التفلُّت من الأخلاق والدين، ونشر الإباحية والشذوذ، ومحو هويَّة الأمة الحضارية والثقافية، وتمرير مقرَّرات مؤتمرات السكان الهادمة للأسرة والمفسِدة للأمة، وهم يدركون أن الإخوان- ومعهم كل مسلم غيور كريم- يقفون حجرَ عثرةٍ أمام هذا المشروع الساقط، ولهذا يعملون على عزلِ الإخوانِ عن ساحةِ التأثير في وعي الأمة، ويعملون على تشويه أهدافهم والتشويش على مقاصدهم.



ونحن نؤكد لكم- أيها الشرفاء- أن الإخوان لن يسمحوا بالعبث بأخلاق الأمة وهويَّتها وخصوصيتها الحضارية، وأنهم مستمرون في مشروعهم الإسلامي الراقي، الذي يحظَى بتأييد أغلبية الأمة، ولن يتنازلوا عن شيءٍ من دينهم ومبادئهم بحال من الأحوال، وهم على يقينٍ من توفيق الله لهم، ومن تجاوب الأمة معهم.



وخيرٌ للغربيِّين أن يُعيدوا النظر في مواقفهم، ويُعيدوا بناء مواقف عادلة تجاه الأمة، وألا يقفوا في مواجهة دعوة تحمل الخير والسلام والأمن للبشرية جمعاء، وأن يُحسنوا مدَّ جسور الحوار الصحيح مع الأمة؛ بدلاً من الاعتماد على الضغط على الأنظمة المعزولة عن الشعوب.



موقفنا من النظام..

وأما النظام الحاكم الذي ارتَضَى أن يخضع للضغوط الصهيوأمريكية، والذي يرى في انتشارِ دعوتِكم والتفافِ جماهيرِ الأمة حول رايتكم تهديدًا لمشروعه القائم على التبعية والاستبداد والفساد؛ فإننا نؤكد الحقائق التالية:



- أن الإخوان يدركون واجبهم نحو أمتهم، ولن يتخلَّوا عن مشروعهم الإصلاحي الذي تجاوبت معه الأمة، والقائم على التعبير السلمي البعيد عن العنف المادي أو المعنوي، والداعي إلى مشاركة كافة أبناء الأمة وطوائفها دون استثناء أو إقصاء، والمستند إلى مبادئ الحرية والعدالة والمساواة.



- أن الإخوان المسلمين لم يكونوا يومًا- ولن يكونوا بإذن الله- منافسين لأحدٍ على مناصب وكراسيّ ومتاع زائل، وأنهم كما عهدتهم أمتهم لا يبتغون سوى خدمة أمتهم، والعمل على رفعتها ورُقيِّها والنهوض بها؛ لتستعيد مكانتها وموقعَها على المستوى الإقليمي والدولي، وإنهم لن يدَّخروا في سبيل ذلك جهدًا ولا مالاً، ولن يتردَّدوا في تقديم كافة التضحيات من أجل مصر العظيمة.



- أن الإخوان المسلمين لن يتغيَّروا ولن يتخلَّوا عن منهجهم السلمي، كائنةً ما كانت الاستفزازاتُ التي يتعرَّضون لها، فوحدةُ الأمة وأمنُها القوميُّ والاجتماعيُّ وعدمُ انكشافها أمام الصهاينة المتربِّصين؛ هو خيارُ الإخوان، مهما كان الثمن الذي يدفعونه من دمائهم وأقواتهم وحرياتهم.



- أن الإخوان يتوجَّهون بمشروعهم الإصلاحي للأمة وللنخب الحرة فيها للتعاون في إنقاذ سفينة الوطن من الفساد الذي طال كافة المؤسسات، وللوقوف في وجه الاستبداد الذي أهدر كرامة الأمة وقوَّض عناصر القوة فيها، والذي يسعى لتعطيل كل شيء نافع في هذا الوطن العزيز، بدءًا من العمل الأهلي الخيري التطوعي، وحتى إغاثة المنكوبين من إخواننا في فلسطين.



- أن الإخوان المسلمين سيبقون على الدوام مستعدِّين للتعاون مع كلِّ الشرفاء وجاهزين للحوار حتى مع مَن ظلمَهم، لكل ما فيه مصلحة هذا الوطن الغالي، الذي لا يستحق ما يجري له من تقزيم وإفساد، ونرى أن على العقلاء في الحزب الوطني والحكومة- وهم كثرٌ- أن يكون لهم دورٌ في وقف هذا الاندفاع إلى السقوط والهاوية الذي يُجَرُّ إليه الوطنُ جرًّا، وسنظلُّ نمدُّ بالخير للجميع أيديَنا، ونرفع بالدعاء إلى الله أكفَّنا: أن يحفظ بلادنا، وأن يهدي إلى الخير حكَّامنا، وأن يهيِّئ لنا من أمرنا رشدًا.



والله أكبر ولله الحمد..

وصلى الله على سيدنا محمد، النبيِّ الأميِّ، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.






نداء إلى شرفاء الأمة في مصر والعالم

رسالة إلى الإخوان خلف الأسوار

رسالة إلى أحرار الرأي خلف أسوار الاستبداد

رسالة إلى أحرار الرأي خلف أسوار الاستبداد

[12:12مكة المكرمة ] [30/07/2009]











رسالة من محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد..

فإن الصراعَ بين الحق والباطل قديمٌ وممتَدٌّ، وإن وضوحَ الحق وقوةَ حجته من أهم الأسباب التي تدفع خصومَه إلى منع دعاته من الإعلان عنه والتحرك به؛ خوفًًا من انجذاب القلوب إليه وتعلُّق النفوس به، ولهذا يلجؤون إلى سلاح العزل والفصل بين الدعاة وبين جماهير الناس ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، سواءٌ عن طريق الحبس والاعتقال، أو عن طريق القتل والاغتيال، أو عن طريق التشويه والتشويش والاحتيال، ولا يزال مكرهم مستمرًّا متكررًا ﴿وَإِذْ يَمْكرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكرُ الله وَالله خَيْرُ الْمَاكِرِين﴾ (الأنفال: 30).



ولكن ثقةَ الدعاة بربهم، وإيمانَهم الكاملَ بدعوتِهم، ويقينَهم بسموِّ مبادئِهم، وإخلاصَهم لأوطانِهم وبني جلدتهم، وصفاءَ علاقتهم بالمخلصين من أمتهم؛ هي عدَّتُهم في مواجهة الشدائد ومغالبة المصاعب والعوائق، وهم يوقنون أنه لا يحيق المكرُ السيِّئُ إلا بأهله، وأن هذا الصراعَ محتومُ النهاية معلومُ العاقبة.. ﴿كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ الله قَوِيٌّ عَزِيز﴾ (المجادلة: 21).



أيها المجاهدون خلف أسوار الاستبداد والقهر والظلم..

إن الاعتداءَ على حرياتكم، والانتقاصَ من حقوقكم، ومصادرةَ أرزاقكم، وتغييبَكم عن أهلكم وأحبَّائكم؛ إنما هو محاولةٌ لمنعكم من الإسهام في إنقاذ أمتكم، فلقد أراد الله أن تستيقظوا وغيرُكم يغِطُّ في نومه، وأن تؤمنوا وسواكم يَهيم في شكِّه، وأن تأملوا ومَنْ دونكم قد تغشَّته سحابةُ اليأس، وأن تتجمَّعوا وغيرُكم قد تشقَّقت عصاه واختلف أمرُه، وأن يلتفَّ الناسُ حولكم، وتنتهي الثقةُ إليكم، ويحُفُّ الأملُ بكم، حين فقد الناسُ أملَهم وثقتَهم، ووجدوا فيكم المنقذَ من الفساد، ورأَوا في دعوتكم طوقَ النجاة من الذلِّ والانكسار، فمنحوكم ثقتَهم، ووضعوا فيكم أملَهم.



وشاء الله أن تمر بكم وبالأمة عواصفُ من الظلم، مزَّقتْ من غيركم من الأحزاب والهيئات ما شاء الله لها أن تمزِّق، ولكنها تمرُّ بكم أنتم، فتُقوِّي ولا تُضعِف، وتُثبِّت ولا تُزعزِع، وتزيدكم إيمانًا بنصر الله وثقةً برعايته؛ لأنكم بالحق تنطقون، ولدعوة الله تعملون، فأنتم لذلك على عينه تُصنَعون ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ (الطور: 48).



وقد أراد الله أن يظهر أمرُ دعوتكم، فلم تقِف عند حدود مصر، بل جاوزتْها إلى عشرات الأقطار والبلدان، وانفتحتْ لها قلوبُ مئات الملايين من المسلمين والأحرار في هذا العالم؛ بما تحمِله من سُمُوٍّ ونُبلٍ وأخلاقٍ كريمةٍ، وبما تشتمل عليه من مبادئ العدل والحرية والإنصاف والمساواة والإنسانية وحب الأوطان، والتفاني في خدمة الناس، ابتغاءَ وجه الله بلا مَنٍّ ولا أذىً.



ثم كان موقفُكم الرائعُ والمشرِّفُ في مواجهة العدوان الصهيوني الفاجر على أهل غزة، فتقدَّمتم لإغاثتهم حين نكَص غيرُكم على عقِبه، وواصلتم الليل بالنهار في إعانة المظلومين المحاصَرين، في جهاد لا يَعرِف الكلل أو الملل، قدَّرتْه لكم جماهيرُ الأمة وقُواها الحية وكلُّ أحرارُ العالم، حتى نصر الله إخوانكم في غزة، وأبطل كيد المجرمين، فـ﴿لاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: من الآية 139).



ولم يكن ذلك كلُّه ليمرَّ على قوى الشرِّ والبغي في الخارج وقوى الفساد والاستبداد في الداخل؛ من غير اجتهادٍ في تعويق مسيرتكم، ودَأَبٍ في تشويه دعوتكم، ومن ثَم لجؤوا إلى هذه الحملة الظالمة المضلِّلة، التي اشترك في تنفيذها جهازُ أمن النظام مع تابعيه من المنسوبين إلى الصحافة والإعلام، في مسعى واضحٍ لتحقيق أهداف صهيوأمريكية غربية من جهة، وأهداف سياسية ضيقة من جهة أخرى.



أما الأهداف الصهيونية الأمريكية الغربية، فتتمثل في أمرين أساسيين:

أولهما: تصفية القضية الفلسطينية.. من خلال إحكام الحصار على رموز العزة في غزة الصامدة، ومنْعِ الأمة من نجدتهم أو تخفيف معاناتهم؛ حتى يستسلموا للمشروع الصهيوني، وهذا ما لن يقبل به الإخوان المسلمون، ولن تقبله الأمة على الإطلاق.



أليس من المضحك المبكي أن جمع التبرعات لصالح الشعب الفلسطيني وتقديمها من خلال لجان الإغاثة الإنسانية العربية والعالمية، ومن خلال الهلال الأحمر المصري؛ صار عند حكومة مصر سببًا للاتهام والتجريم، بدلاً من أن يكون سببًا للافتخار والتكريم؟!



أليس من المبكي أن تسمح الحكومة المصرية بمرور المدمِّرات الصهيونية عبْر قناة السويس، وفي ذات الوقت تُغلق معبر رفح في وجه أهل غزة المحاصرين؟!



أليس عجيبًا ألا يتحرك أحد من الحكام العرب بجديَّة لرفع الحصار الظالم، وحين يتحرك بعض الأحرار من الأوروبيين لكسره، يتمُّ تعويقُهم ومماطلتُهم، فلا يدخلون إلا بعد معاناة وإرهاق؟!



فهل يجيبنا أحد.. لحساب مَنْ تقوم الحكومةُ المصريةُ بهذا الدور؟ ولمصلحة مَنْ تعاقِب الذين رفعوا رأسَ مصر عاليًا ووقفوا إلى جانب المضطهدين من إخوانهم؟!



لقد صار واضحًا أن الحكومة المصرية بما اخترعته ممَّا يسمَّى بقضية "التنظيم الدولي" إنما تريد منع الإخوان من التصدي للمخطط الغربي الصهيوني لابتلاع فلسطين وتصفية قضيتها، وتريد منع غيرهم من أن يحذو حذوهم في التصدي للمشروع الصهيوني؟!



اطمئنوا أيها الأحرار خلف الأسوار..

إن الإخوان المسلمين، ومعهم كلُّ الأحرار في الأمة وفي العالم، مستمسكون بمشروعِهم الحرِّ الرافضِ للمشروع الغربي الصهيوني، ولن يقبلوا بهذا الغرس الشيطاني في فلسطين المباركة، ولن يتوقفوا عن دعم صمود المقاومة والمجاهدين في فلسطين، ولن يتوقف سيلُ الإغاثة للشعب المظلوم في غزة وفي عموم فلسطين؛ حتى تقوم دولة فلسطين الحرة على كامل تراب فلسطين بإذن الله.. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21).



الهدف الغربي الثاني: هو تمرير المشروع القِيَمي الغربي القائم على التفلُّت من الأخلاق والدين، ونشر الإباحية والشذوذ، ومحو هويَّة الأمة الحضارية والثقافية، وتمرير مقرَّرات مؤتمرات السكان الهادمة للأسرة والمفسِدة للأمة، وهم يدركون أن الإخوان- ومعهم كل مسلم غيور كريم- يقفون حجرَ عثرةٍ أمام هذا المشروع الساقط، ولهذا يعملون على عزلِ الإخوانِ عن ساحةِ التأثير في وعي الأمة، ويعملون على تشويه أهدافهم والتشويش على مقاصدهم.



ونحن نؤكد لكم- أيها الشرفاء- أن الإخوان لن يسمحوا بالعبث بأخلاق الأمة وهويَّتها وخصوصيتها الحضارية، وأنهم مستمرون في مشروعهم الإسلامي الراقي، الذي يحظَى بتأييد أغلبية الأمة، ولن يتنازلوا عن شيءٍ من دينهم ومبادئهم بحال من الأحوال، وهم على يقينٍ من توفيق الله لهم، ومن تجاوب الأمة معهم.



وخيرٌ للغربيِّين أن يُعيدوا النظر في مواقفهم، ويُعيدوا بناء مواقف عادلة تجاه الأمة، وألا يقفوا في مواجهة دعوة تحمل الخير والسلام والأمن للبشرية جمعاء، وأن يُحسنوا مدَّ جسور الحوار الصحيح مع الأمة؛ بدلاً من الاعتماد على الضغط على الأنظمة المعزولة عن الشعوب.



موقفنا من النظام..

وأما النظام الحاكم الذي ارتَضَى أن يخضع للضغوط الصهيوأمريكية، والذي يرى في انتشارِ دعوتِكم والتفافِ جماهيرِ الأمة حول رايتكم تهديدًا لمشروعه القائم على التبعية والاستبداد والفساد؛ فإننا نؤكد الحقائق التالية:



- أن الإخوان يدركون واجبهم نحو أمتهم، ولن يتخلَّوا عن مشروعهم الإصلاحي الذي تجاوبت معه الأمة، والقائم على التعبير السلمي البعيد عن العنف المادي أو المعنوي، والداعي إلى مشاركة كافة أبناء الأمة وطوائفها دون استثناء أو إقصاء، والمستند إلى مبادئ الحرية والعدالة والمساواة.



- أن الإخوان المسلمين لم يكونوا يومًا- ولن يكونوا بإذن الله- منافسين لأحدٍ على مناصب وكراسيّ ومتاع زائل، وأنهم كما عهدتهم أمتهم لا يبتغون سوى خدمة أمتهم، والعمل على رفعتها ورُقيِّها والنهوض بها؛ لتستعيد مكانتها وموقعَها على المستوى الإقليمي والدولي، وإنهم لن يدَّخروا في سبيل ذلك جهدًا ولا مالاً، ولن يتردَّدوا في تقديم كافة التضحيات من أجل مصر العظيمة.



- أن الإخوان المسلمين لن يتغيَّروا ولن يتخلَّوا عن منهجهم السلمي، كائنةً ما كانت الاستفزازاتُ التي يتعرَّضون لها، فوحدةُ الأمة وأمنُها القوميُّ والاجتماعيُّ وعدمُ انكشافها أمام الصهاينة المتربِّصين؛ هو خيارُ الإخوان، مهما كان الثمن الذي يدفعونه من دمائهم وأقواتهم وحرياتهم.



- أن الإخوان يتوجَّهون بمشروعهم الإصلاحي للأمة وللنخب الحرة فيها للتعاون في إنقاذ سفينة الوطن من الفساد الذي طال كافة المؤسسات، وللوقوف في وجه الاستبداد الذي أهدر كرامة الأمة وقوَّض عناصر القوة فيها، والذي يسعى لتعطيل كل شيء نافع في هذا الوطن العزيز، بدءًا من العمل الأهلي الخيري التطوعي، وحتى إغاثة المنكوبين من إخواننا في فلسطين.



- أن الإخوان المسلمين سيبقون على الدوام مستعدِّين للتعاون مع كلِّ الشرفاء وجاهزين للحوار حتى مع مَن ظلمَهم، لكل ما فيه مصلحة هذا الوطن الغالي، الذي لا يستحق ما يجري له من تقزيم وإفساد، ونرى أن على العقلاء في الحزب الوطني والحكومة- وهم كثرٌ- أن يكون لهم دورٌ في وقف هذا الاندفاع إلى السقوط والهاوية الذي يُجَرُّ إليه الوطنُ جرًّا، وسنظلُّ نمدُّ بالخير للجميع أيديَنا، ونرفع بالدعاء إلى الله أكفَّنا: أن يحفظ بلادنا، وأن يهدي إلى الخير حكَّامنا، وأن يهيِّئ لنا من أمرنا رشدًا.



والله أكبر ولله الحمد..

وصلى الله على سيدنا محمد، النبيِّ الأميِّ، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.






نداء إلى شرفاء الأمة في مصر والعالم

رسالة إلى الإخوان خلف الأسوار




الاثنين، يوليو 27، 2009

معالم دعوة منهج الإخوان(فيديو)12

رجا ل صا دقون

منتحرون... أم منحورون؟!


منتحرون... أم منحورون؟!

[10:36مكة المكرمة ] [27/07/2009]

بقلم: د. جابر قميحة

يقفز إلى ذهني بعض الكلمات التي كتبتها في ظلال الحكم الكئيب الذي نعيشه، وصدرت بها كل قصيدة من مجموعة قصائد قصيرة نظمتها، يجمعها عنوان واحد؛ هو "حدَثَ في جمهوريةِ ظلمِسْتَان"... وكلمات هذا التصدير:

اسم الدولة: ظلمُـستانْ

حاكمها الأعلى: بـَهمـانْ

هو الدستورُ

هو القانونُ

هو السلطانْ

وشعار الدولة: مشنقةٌ

تتدلى من خلف القضبان

وسجونٍ سودِ الجدرانْ

الناسُ جياعْ

والفقرُ الضاري في كل مكانْ

ونيوبُ الأمراض الشتَّى

تنهش نـهشًا في الأبدانْ

*****

ولا يختلف اثنان في أننا نعيش عصر "الدولة البوليسية"، التي يكون للسلطة التنفيذية المقام لأول في كل السلطات، وإلا ما معنى أن يصدر القضاء حكمًا بالبراءة، ثم يصدر قرار من وزير الداخلية باعتقال البريء عملاً بقانون الطوارئ. حدث ذلك عشرات المرات، وما زال يحدث، مما يفقد المواطنين الشعور بالأمن والطمأنينة، وقد يدفعهم إلى فقد الولاء لمصر "المخروسة".
ولكن دعك من هذا يا قارئي العزيز؛ فهناك ما هو أنكى وأمرُّ: وهو تعذيب المواطنين إلى الموت، وبعد ذلك هناك متسع لرجال الأمن في ادعاء أن السجين مات منتحرًا؛ وهو في الواقع مات "منحورًا"، لا منتحرًا. وقد يكون القتل بالحرمان من الدواء الضروري إلى أن يقضي نحبه، كما حدث للمهندس أكرم زهيري، والمهندس أكرم كان أحد ناشطي الإخوان المسلمين بمدينة الإسكندرية، وهو يبلغ من العمر قرابة 40 سنة. قبض عليه- ظلمًا وعدوانًا- ضمن 58 من الإخوان يوم 15/5/2004م. وبسبب التعذيب، وتركه بلا دواء ولا علاج قرابة عشرة أيام؛ وهو المريض بالسكر الشديد، لقي ربه شهيدًا يوم الأربعاء 9/6/2004م. وترك وراءه زوجة، وثلاثة أبناء: (دعاء) و(محمد) و(هدى) في الرابعة من عمرها.

وفي مساء السبت 17/2/2006م، استُشهدت "دعاء"- كبرى بناته- بضربة من "ترام" غاشم.

*****
ولا ننسى في هذا السياق مأساة "فارس بركات"؛ وهو ضحية جهاز أمن الدولة بدمنهور الذي تم إلقاؤه من شرفة الدور الرابع بعقار بشارع الموازين بمدينة دمنهور، بواسطة المخبر السري جمال طايع، بناءً على تعليمات الرائد ناجي الجمال الضابط بمباحث أمن الدولة بدمنهور.

*****

ولا ننسى كمال السنانيري الذي اعتُقل في أكتوبر سنة 1954م، وحكمت عليه المحكمة التي أنشأها عبد الناصر بالسجن الذي أمضى فيه كمال الحكم؛ حتى أفرج عنه في يناير سنة 1973م.

وبعد خروجه، من السجن الذي جاوز العشرين عامًا، واصل مسيرته في سبيل الله، فذهب لميدان الجهاد في أفغانستان؛ حيث أعطاه جهده وطاقته، وبذل أقصى ما يستطيع لدعمه، وإصلاح ذات البين بين قادته، وحين اعتقل بعد عودته من أفغانستان، ظل العذاب يُصب عليه من زبانية السلطة وهم ينهالون عليه تقطيعًا وتمزيقًا، حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، ولقي ربه شهيدًا من شهداء الحق والصدق إن شاء الله يوم 8/11/1981م.

وأعلن رسميًّا وفاته منتحرًا في زنزانته بسجن استقبال طرة في 4/11/1981م، وصور فؤاد علام- خبير التعذيب- الانتحار بروايتين مختلفتين، في الأولى قال إن السنانيري علق نفسه في كوع الحوض الذي يرتفع أقل من متر عن الأرض، وأنه استعمل في ذلك حزامًا من القماش يربط به "البنطلون" الذي يرتديه المسجون، ومعروف عن هذا القماش أنه مهترئ وقديم، ويقطع عند أي ضغط عليه، ولا يمكن لشخص أن يعلِّق نفسه في أقل من متر.

ويبدو أنه وجد أن هذه الرواية غير منطقية، فذكر روايةً أخرى بأن السنانيري ربط نفسه بملاءة، ووقف على كرسي، وعلَّقها في السيفون، ثم أزاح الكرسي.

وكذبه الواقع على لسان واحد من ضحايا علام، وقال إنه كان في السجن في هذا الوقت، ولم يكن هناك "سيفون"، وليس هناك أكثر من الحوض الذي يمكن للإنسان أن يغسل فيه يده، فردَّ عليه علام بأنه لا يتذكر ما إذا كان الانتحار تمَّ بملاءة أم بشيء آخر. والحقيقة الدامغة أن رجال علام قاموا بتعذيب السنانيري حتى فارق الحياة.

*****

ويجب ألا ننسى الشهيد سليمان خاطر:

وسليمان محمد عبد الحميد خاطر من مواليد قرية أكياد في محافظة الشرقية بجمهورية مصر العربية، وهو آخر عنقود من خمسة أبناء في أسرة بسيطة أنجبت ولدين وبنتين قبل سليمان.
التحق سليمان مثل غيره بالخدمة العسكرية الإجبارية، وكان مجندًا في وزارة الداخلية بقوات الأمن المركزي.

وكان من الصعب على أحد أن يعرفه لولا ما حدث في آخر أيام خدمته في سيناء
في يوم 5 أكتوبر عام 1985م، وأثناء قيام سليمان خاطر بنوبة حراسته المعتادة بمنطقة رأس برقة (أو بركة) بجنوب سيناء؛ فوجئ بمجموعة من السياح الصهاينة يحاولون تسلق الهضبة التي تقع عليها نقطة حراسته، فحاول منعهم وأخبرهم بالإنجليزية أن هذه المنطقة ممنوع العبور فيها قائلاً: (stop no passing ) إلا أنهم لم يلتزموا بالتعليمات، وواصلوا سيرهم بجوار نقطة الحراسة التي توجد بها أجهزة وأسلحة خاصة غير مسموح لأي إنسان الاطلاع عليها، فما كان منه إلا أن أطلق عليهم الرصاص خاصة أن الشمس كانت قد غربت، وأصبح من الصعب عليه تحديد سبب صعود هؤلاء الأجانب الهضبة، وكان عددهم 12 شخصًا.

وسلَّم سليمان خاطر نفسه بعد الحادث، وبدلاً من أن يصدر قرار بمكافأته على قيامه بعمله، صدر قرار جمهوري- بموجب قانون الطوارئ- بتحويل الشاب إلى محاكمة عسكرية.

وصدر الحكم بحبسه 25 عامًا من الأشغال الشاقة المؤبدة، قال تقرير الطب الشرعي إنه انتحر، وقال أخوه: لقد ربيت أخي جيدًا، وأعرف مدى إيمانه وتدينه، إنه لا يمكن أن يكون قد شنق نفسه لقد قتلوه في سجنه.

وقالت الصحف القومية المصرية انتحر سليمان خاطر بأن شنق نفسه على نافذة ترتفع عن الأرض بثلاثة أمتار.

ويقول من شاهدوا الجثة: إن الانتحار ليس هو الاحتمال الوحيد، وأن الجثة كان بها آثار خنق بآلة تشبه السلك الرفيع على الرقبة، وكدمات على الساق تشبه آثار جرجرة أو ضرب.

وقال البيان الرسمي إن الانتحار تمَّ بمشمع الفراش، ثم قالت مجلة (المصور) إن الانتحار تم بملاءة السرير، وقال الطب الشرعي إن الانتحار تمَّ بقطعة قماش مما تستعمله الصاعقة.

وأمام كل ما قيل، تقدمت أسرته بطلب إعادة تشريح الجثة عن طريق لجنة مستقلة لمعرفة سبب الوفاة، وتمَّ رفض الطلب مما زاد الشكوك، وأصبح "النحر" أقرب تصديقًا من "الانتحار".

رحم الله سليمان خاطر شهيد مصر والحق والكرامة.

*****

ومن حقنا أن نعيش دقائق مع ما صرَّح به الرئيس مبارك في حديث طويل جدًّا لمجلة (المصور) المصرية بتاريخ السبت، يناير 18/10/1986م، تناول فيه مأساة سليمان خاطر:
س: قلت سيادة الرئيس لقد انتحر سليمان خاطر برغم طيب معاملته داخل السجن؛ لأن نفسيته الهشة وعمره الصغير وتجربته المحدودة لم تتحمل هذا الفارق الشاسع بين حقيقة ما جرى في تل بركة وبين الصورة التي رسمتها له المعارضة.

ج: الرئيس: كنت أتمنى حكم البراءة لسليمان خاطر، كما كان يتمناها الآخرون، ولكن الذي حدث أن سليمان خاطر قتل أطفالاً ونساءً، وأن المحكمة أدانت الحادث وأصدرت الحكم، ولم نتدخل من قريب أو بعيد، ولم تكن هناك ضغوط من أية جهة، ونحن لا نقبل ضغوطًا من أية جهة.. نرفض الضغوط أيًّا كان مصدرها.

وعندما جرت محاكمته سارعوا إلى التشهير الكاذب بأن هناك ضغطًا على مصر، وأن "إسرائيل" ربطت بين قضية طابا وضرورة محاكمة سليمان خاطر.

س: سيادة الرئيس بودي أن أسأل بماذا تفسر موقف المعارضة من قضية انتحاره؟! ماذا يريدون على وجه التحديد من إحاطة حادث انتحاره بهذه الشكوك الكثيفة؟ مرة يروجون أن أجهزة الموساد- المخابرات الإسرائيلية- تمكنت من التسلل إلى زنزانته لتقتله انتقامًا، ومرة أخرى يروجون أنه قد لقي مصرعه في السجن الحربي؛ لأن الدولة تريد أن تتخلص منه... وكان عليك أن تسألهم- هم- عن أسباب هذا التشكيك.


إنه سخف وضحك على عقول البسطاء، وللأسف فإن ذلك يجري باسم الديمقراطية؛ ولكنهم في واقع الأمر يضربون الديمقراطية في مقتل.

ونحن لا نوافق الرئيس في رؤيته هذه، ومن حقنا وحق الشعب المصري أن يسأل: وهل عندنا ديمقراطية حتى تصاب في مقتل... يا سيادة الرئيس؟!!.

*****

وعلينا أن نذكر في هذا السياق المصري الموهوب عبد الحميد شتا الذي تخرَّج في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وكان موضع تقدير أساتذته، وكان يكتب في أكثر من مطبوعة مهمة منها: مجلة (السياسة الدولية) ومجلة (النهضة) التي تصدرها الكلية.

وله العديد من الأبحاث التي قدَّمها في العديد من المسابقات ونال بها المركز الأول؛ لذلك كان يشارك في المؤتمرات العلمية التي تعقدها الكلية.

وتقدَّم عبد الحميد شتا للعمل بالخارجية المصرية... واجتاز كل الاختبارات، وكان ترتيبه في تلك الاختبارات "الأول" على 43 شابًّا وصلوا إلى التصفيات النهائية.. واختاروا للوظيفة من يليه في الترتيب... والسبب... أن "عبد الحميد شتا غير لائق اجتماعيًّا"؛ فأبوه فلاح مصري بسيط من قرى إحدى المحافظات.

وتحت وطأة هذا الظلم الفادح... انتحر عبد الحميد بإلقاء نفسه في النيل، ونحن لا ننكر حرمة الانتحار؛ ولكن الذين ظلموه يجب أن يحاكموا؛ فالظلم جريمة من الكبائر.

ورحم الله عمر بن الخطاب، فقد هدَّد أحد الصحابة بأنه سيقيم عليه حد السرقة؛ لأنه يجيع غلامه مما دفعه أن يسرق منه ليشتري طعامًا.

وإني أسال حكامنا الأفذاذ: إذا كانت "الفِلاحة" تعني انعدام اللياقة الاجتماعية؟! فهل يعني هذا توفر هذه الصفة في الـ50 % من أعضاء مجلس الشعب؟!.

وبصراحة أقول: إننا لو أخذنا بهذا المعيار لكان حكم رجال الثورة باطلاً؛ لأن أغلبهم من أسر متواضعة اجتماعيًّا.

*****

والآن من حقنا أن نسأل القارئ أن يجيبنا في ضوء ما ذكرنا، وفي جو هذا الحكم الاستبدادي البوليسي الغاشم: ما رأيك فيما حدث للذين ذكرناهم آنفًا؟!؛ هل انتحروا أم نُحِروا؟! وتذكَّر قوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227)﴾ (الشعراء)، وتذكَّر قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (57)﴾ (الروم).

---------

* gkomeha@gmail.com

السبت، يوليو 25، 2009

معالم دعوة الإخوان(فيديو)11


إسلام بلا خوف.. مصر والإسلاميون الجدد

[12:56مكة المكرمة ] [13/07/2009]
عرض- د. خالد فهمي:

وجهٌ جديد يواجهنا عندما تلتفت الدراسات المتعاطية مع الشأن الإسلامي المعاصر إلى الإسلام الحضاري.
بهذه العبارة يمكن أن ندخل إلى قراءة هذا الكتاب المهم الذي يحمل عنوان (إسلام بلا خوف.. مصر والإسلاميون الجدد) لمؤلفه الدكتور ريموند ويليام بيكر.

وهذا الكتاب الصادر عن المركز العلمي للدراسات السياسية سنة 2009م في 352ص؛ يمثل وجهًا جديدًا يختلف عن تلك الوجوه التي تطالعنا، وتقرؤنا من بوابات الاتهام بالعنف.

وهو من جانب آخر يمثل أهميةً بالغةً يعكسها ما يلي:

1- أنه صادر عن متخصص في الدراسات المتعلقة بالواقع المصري والإسلام.

2- أنه صادر عن متخصص عاش وعمل فترة طويلة في مصر أستاذًا للدراسات السياسية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة؛ حتى صاهر منها، مزوجًا ابنته من شاب مصري.

3- أن مترجمته الدكتورة منار الشوربجي يمكن أن تكون من أحد الوجوه التي أسهمت في العناية بالكتاب في مراحل تأليفه الأولى، بما هي مساعدة للمؤلف بحكم العلاقة الأكاديمية، تقول في تقديمها للترجمة العربية التي اطلعت بها ص12: "لكنَّ ارتباطي بالكتاب كان حافزًا إضافيًّا دفعني لقبول ترجمته؛ فهو- أي الكتاب- صديق قديم أعرفه جيدًا.. وقد بدأت علاقتي بهذا الكتاب في الفترة التي عملت فيها مع مؤلفه بالجامعة الأمريكية بالقاهرة في مقتبل حياتي الأكاديمية، وقد أسهمت بحكم عملي كمساعدة للباحث في اختيار المادة الأولية وتصنيفها وتحليلها".
ولعل أهم ما يثير انتباهي أنا شخصيًّا؛ هو هذا الفهم الثاقب لتأثير رموز الوسطية الإسلامية المتمثلة في الإنتاج الفكري؛ لأمثال محمد الغزالي، ويوسف القرضاوي، وأحمد كمال أبو المجد في مسيرة الصحوة الإسلامية، وهو تعبير المؤلف نفسه على ما جاء من افتتاح كتابه (ص 15)؛ عندما قال عن هؤلاء الثلاثة تعيينًا: إنهم سيرشدونني في رحلتي لفهم الصحوة الإسلامية، كما يفهمها ويعيشها الناس في مصر.



إن كتابًا حديثًا يقول على خدمته منتمون إلى واحدة من الأكاديميات الراقية في مجال الكتاب، وهو بعد متعاطٍ مع واحدة من محاور تشكيل الرؤية للواقع والمستقبل في مصر الحديثة، وهي تحاول استعادة روحها عبر بوابة الفكر الإسلامي المنتمي للوسطية؛ جدير بأن نتوقف أمامه.

وكتاب إسلام بلا خوف الذي هو ترجمة لكتاب ريموند وليام بيكر، الصادر عن جامعة هارفارد سنة 2003م بعنوان:

(Islam without fear: Egypt and the new islamists)

يتكون من ثلاثة أبواب كما يلي:

1- الثقافة، وهو في فصلين هما:

أ- إصلاح التعليم.

ب- الاحتفاء بالفنون.

2- المجتمع، وهو في فصلين أيضًا هما:

ج- بناء الجماعة الوطنية.

د- إقامة نظام اقتصادي.

3- السياسة، وهو في فصلين كذلك هما:

هـ ـ الكفاح من أجل التجديد الإسلامي.

و- التفاعل مع العالم.
قصة الكتاب: (الصحوة الإسلامية.. قصة نجاح للإخوان المسلمين).

يفتتح المؤلف كتابه بعبارة شديدة الوضوح منبئة عن هدفه عندما يقرِّر ص 19 "يحكي هذا الكتاب قصة مجموعة من المفكرين الإسلاميين الوسطيين، وهم يرون مدرستهم الفكرية امتدادًا لتيار الوسطية الإسلامية".
ويظهر في وضوح مجموعة من السمات المحركة لعمل هذه المجموعة من مفكري الإسلام في مصر في العصر الحديث، وأنا حريص على أن التقطها هنا، وأرصدها في شبه شكل النتائج المدرسية ليسهل العودة إليها، وهي كما يلي: (سمات حركة فكر الوسطية الإسلامية).

1- وسطية إيجابية (غير نابعة من مواقف دفاعية).

2- وسطية متكاملة (تؤكد على الفكر والممارسة).

3- وسطية متفاعلة مع متطلبات العصر.

4- وسطية متعددة للحدود الجغرافية لمصر (فعلى الرغم من الجذور المصرية لأعلام هذه المجموعة؛ فإنها تخاطب بقدر معتبر من التأثير العالم العربي والإسلامي على اتساعه، وهو ما يعيد طرح الموقف من الدور المصري الحقيقي المؤثر في قيادة الحراك في العالمين العربي والإسلامي، وهو ما يعكس هذا التشويش والتحجيم، وهذا الالتفات لمصر في أروقة السياسة الأمريكية والغربية من جانب، وهو ما يفسر إلى حدٍّ ما محاولات الإضعاف المستمر للدور المصري.

5- وسطية موصولة غير منقطعة تاريخيًّا (إن تيار الوسطية الإسلامي الغربي تنبع جذوره من أعمال رواد التجديد في القرن التاسع عشر؛ كمحمد عبده وجد أكثر أشكال التعبير عنه استمرارية في تنظيم الإخوان المسلمين الذي أسسه حسن البنا في 1928م.

6- وسطية موصولة بالتراث الإسلامي تسعى إلى تفسيره تفسيرًا مرنًا ومنفتحًا؛ استجابةً لمتطلبات العصر الجديد.



على أن المدهش في هذه المقدمة المطولة هو هذه النتيجة الاستباقية التي يقرر فيها بيكر (ص21) قائلاً: "والإخوان هي الحركة التي خرج من رحمها تيار الإسلاميين الجدد، كقوة تقدمية ومستقلة، ومع ذلك يدين تيار الإسلاميين الجدد بالكثير من العمل الفكري والحركي للإخوان، وبصفة خاصة للتأثير الملهم لحسن البنا".



وفي ما يشبه صرخة الإنقاذ؛ يقرر الدكتور ريموند وليام أن هوية مصر وشخصيتها الإسلامية عميقة الجذور، وهو الأمر الذي عادة ما يتم حجبه، على حدِّ تعبير المؤلف (ص22/ س6- 7)!.



خلل التعليم + فقر الحياة= تطرف وعنف!.

ومن خلال واحدة من أشهر حادثات التاريخ للتعامل مع توبة الإرهابيين؛ وهي المحاولة التليفزيونية التي تمت مع (الإرهابي التائب) عماد عبد الباقي في مارس 1994م، وقف المؤلف ليقرر أن تزاوج الخلل الحادث في المنظومة التعليمية من جانب، وفقر الحياة اقتصاديًّا واجتماعيًّا؛ وهو ما يسمى بخلل الرعاية من قِبل مؤسسات الدولة أنتج هذه الحالات من التطرف؛ وهو أمر منطقي نابع من الجذور الإسلامية العميقة للمجتمع المصري.



وهو الخيط الذي التقطته مدرسة الوسطية الإسلامية؛ لتؤكد أن الفراغ الحادث في التعليم يمكن ملؤه، وهو الأمر الذي اتخذ شكلاً إيجابيًّا لم يقف عند حدود نقد الدولة، بل تعداه لاقتراح صورة تعالج هذا الخلل، وعناصر هذه الصورة المقترحة هي:

1- إصلاح نوعي للتعليم يرعى القيم والمقاصد المستمدة من فهم وسطي.

2- إصلاح نوعي للتعليم يرعى ويدعم الشعور المشترك بالهوية والأهداف الوطنية.

3- توفير الموارد اللازمة (مالية وبشرية وفكرية).



إن هذا الباب من هذا الكتاب يؤكد على أن ضعف النظام التعليمي الذي ما زال مستمرًا- وهذا الاستطراد من عندي يخلق فراغًا لا بد أن يُملأ، والخطر كل الخطر أن تملأ هذه الفراغات الناشئة عن ضعف التعليم وإهماله- عناصر ومتغيرات متباينة من ضغوط اجتماعية، متسمة بالفوضى والعشوائية؛ على حدِّ تعبير المؤلف.



ولم يكن غياب نموذج تعليمي ناجح هو المفسر الرسمي لهذا الخلل في البنية الاجتماعية في مصر، بل انضاف إلى ذلك من وجهة نظر الوسطية الإسلامية أمر مهم جدًّا هو (غياب الحريات)؛ مما يترتب عليه استحالة قيام تعليم جامعي حقيقي.



وفي خطوة أخرى يلتفت ريموند وليام إلى ما سماه بغياب الأمل؛ وهو الذي يفسره غياب أو موت حلم التنمية الوطنية باعتبارها محدِّدًا ذا أهمية قصوى في تمدد الإرهاب والتطرف في الفراغات الواسعة في أوساط المجتمع المصري، ولا سيما في أوساط الشباب، وهو ما ركَّز عليه المؤلف من خلال كتابات واحد من أشهر من أرَّخ للحلم الوطني، وهو المؤرخ المصري طارق البشري.



لقد خلص هذا الباب إلى مجموعة من النتائج المهمة أعلت من دور الفكر الإسلامي المعتدل المركزي في إعادة تأهيل المتورطين في العنف والإرهاب، وهو ما يشير ابتداءً إلى القدرات الذاتية التي يمكن لهذا الفكر أن يؤديها لحركة نهضة مصر وتحديثها، وهو الدور الذي بدا واضحًا من قراءة ريموند وليام لمواقف هذه المجموعة من الإسلاميين والمحتفية بالفنون، وهو ما تمَّ رصده من خلال مجموعة من المواقف العلمية، والكتابات التحليلية؛ من مثل تصريح محمد الغزالي على محاولة قتل نجيب محفوظ بأنها جريمة ضد الإسلام، ومن زيارته له في المستشفى، ومن مثل موقف أحمد كمال أبو المجد من القضية نفسها، ومن مثل موقف فهمي هويدي من قضية هدم تماثيل بوذا في أفغانستان.



لقد استطاع وليام بيكر من خلال فحصه لمنجز للإسلاميين الجدد حول الفنون إلى نتائج دعمت القدرة المملوكة لهم، التي يمكنها تحقيق مشروعهم لإنهاض مصر، وهو الوجه الذي رعى قيمة الأدب، وجماليات الفنون من دون تنكر للمواقف الفكرية الإسلامية التي يمكن أن تشوِّش على الصورة الأصيلة لقيم الإسلام.



الإيمان+ المعرفة+ الحوار الوطني= مجتمع إسلامي رشيد!

بهذه المعادلة ذات الطرفين يمكن أن ندخل إلى أصل بناء مجتمع إسلامي، وهي المعادلة التي صيغت هنا بناءً على رؤية محمد الغزالي كما قدمها ريموند وليام في الباب الثاني الذي يتعاطى مع رؤية الإسلاميين الوسطيين للمجتمع عبر بوابة الجماعة الوطنية.



ومن خلال تحليل أحداث عين شمس في شتاء 1988م طفر على السطح مرةً أخرى خطر الفقر والإهمال الذي ترعاه الدولة، وبدت مواقف هذه المجموعة الوسطية أبعد ما تكون عن استغلال الأزمة في مواجهة الضغط على النظام، بل سارت دعوتهم للإصلاح، في مسارات ثقافية وتعليمية ولم تأخذ شكل مطالب سياسية.



وبدت الحاجة ملحَّةً في تطوير المجتمع المصري للعودة إلى الإسلاميين عبر منظومة اجتهادية تعتمد على المحاور التالية:

1- إعادة قراءة منهجية التعامل مع السنة.

2- النهوض بالمرأة.

3- إعادة البحث حول كيفية قراءة القرآن.

4- إعادة التأكيد على الموقع الآمن والطبيعي لغير المسلمين.

5- تطبيق الشريعة من بوابة إدراك المقاصد العليا التي تعبر عنها النصوص التشريعية.

6- دمج العلمانيين المعتدلين.



وقد كانت هذه المحاور ظاهرة في عنوانات عدد كبير من كتابات ومواقف الكثيرين من مفكري الصحوة الإسلامية، كمحمد الغزالي والقرضاوي وأحمد كمال أبو المجد وفهمي هويدي.



وعلى الرغم من أهمية هذا الإطار الذي صغناه في هذه الخماسية السابقة يصرِّح ريموند وليام على أن قراءة النهوض بالمجتمع الإسلامي لمصر المعاصرة؛ لا يمكن أن يتم بمعزل عن إقامة نظام اقتصادي، وقد رصد المؤلف الملامح التالية لرؤية الإسلاميين الوسطيين للنظام الاقتصادي المأمول والمعمول لتوطينه في المجتمع المصري.

1- تمكين الإطار الأخلاقي في النشاط الاقتصادي.

2- التنمية المنبعثة من الثقة بالنفس.

3- الانطلاقة في بناء نظام اقتصادي من أجهزة وطنية.

4- التأصيل الشرعي لقضايا الإنتاج والتنمية.

5- تقدير واعٍ للتفاوت الطبقي بما هو من السنن الكونية في إطار شرعي منضبط، يرعى تفاوت المواهب من جانب ولا يهمل مظالم الفقر من جانب آخر.



الفساد + جمود الحياة السياسية= اليأس

يفتتح المؤلف باب كتابه الثالث عن رؤية المجموعة الإسلامية الوسطية للسياسة في مصر بهذه المعادلة التي اضطلع الفساد واستبداد النظام وجمود الحياة السياسية إلى اتساع موجة اليأس في مصر.



مما دعا إلى الكفاح من أجل التجديد الإسلامي عبر محاور أصيلة تقرر أن فقه النص يقود إلى العدل والديمقراطية في إطار إسلامي، وترى هذه المجموعة أن توفير أجواء من الديمقراطية قائد إلى تحقيق العدل، هو ما استتبع إدانة السجل التاريخي والواقعي المعاصر للاستبداد في أغلب النظم السياسية في العالمين العربي والإسلامي، وفي هذا السبيل سعى الإسلاميون إلى استلهام الوحي (لا الخبرات التاريخية الفاسدة) بما يقود إلى ما يلي:

أ- اعتبار الشورى وسيلة قرآنية وسنية لتحقيق العدل الذي هو مهمة الحاكم.

ب- الحاجة إلى تطوير فقه دستوري إسلامي.

ج- ضرورة التعددية (وهو اجتهاد بالغ الأهمية).

د- لا يلزمنا سوى النص، بمعنى أن الخبرات التاريخية للمسلمين غير ملزمة.



وفي نقطة فارقة مهمة من الكتاب يلمح ريموند إلى إمكان التعايش المستمر بين الدولة والعالم والصحوة الإسلامية في المستقبل؛ اعتمادًا على قدرة التيار الإسلامي على إنتاج رموز تحظى بمكانة مهمة ضمن القيادة الفكرية في الأكاديميات والحياة العامة، ممثلاً على هذه النقطة بمحمد سليم العوا وطارق البشري وأحمد كمال أبو المجد، وهو ما عكس استبقاءً لعدد من العناصر الإيجابية والبناءة لفكر حسن البنا، ولا سيما عنصر شمول الإسلام، بما يفتح الباب أمام مجال واسع للعمل الاجتماعي، وهو ما مكن الإخوان المسلمين من إفراز نجاحات من ارتباطاتهم الشعبية غير المسبوقة التي برهنت إلى مكان تحويل الصحف الفكرية إلى حركة تحول اجتماعي عريض وواسع.



لقد بدا من أصوات هذه المجموعة من خلال مواقفها وتاريخها وكتاباتها أنها قادرة على بعث الأمل في قدرة شباب مصر المسلم على التفاعل البناء في الحياة العامة، ومواجهة النظم السلطوية في الداخل ومقومات صعود الغرب في الخارج، وهو ما يدعو إلى إعادة التعامل بروح واقعية معجونة بثقة في النفس وبقدرة على صياغة المستقبل.



وهذه الدعوة إلى واقعية الحركة نحو تفاعل بناء مع الحياة من زاوية الثقة في النفس يدعمها عدد من المواقف المهمة التي اتخذها الإسلاميون والوسطيون تجاه قضايا الحرب والسلام في المنطقة، وهو ما تجلى في العلاقات التالية:

1- (الموقف من غزو العراق للكويت عام 1991م).

أ- إدانة الغزو العراقي للكويت.

ب- رفض السياسة الحكومية في تعاونها غير المشروط مع الائتلاف الدولي الذي هيمنت عليه الولايات المتحدة لتحرير الكويت.

ج- تلخيص الأزمة في أنها نتاج عمل إجرامي لنظام عربي دكتاتوري مرتبط بعجز في النظام العربي والإسلامي.



2- (الموقف من المقاومة الفلسطينية):

أ- الترحيب من قبل الإسلاميين بالانتفاضة (كمؤشر على قيمة استمرار المقاومة).

ب- الانطلاق من إدانة ممارسات الاستفزاز الصهيوني.



3- (الموقف من انسحاب الغزو من لبنان):

أ- الاحتفاء بالانسحاب.

ب- تقدير الشهادة والتضحية المبذولة في سبيل تحرير الجنوب اللبناني.

ج- تقدير قيمة المقاومة في كسر العدوان، والنيل من أساطيره.



لقد ظلت أصوات هذا التيار تستصحب معنيَين بالغَي التأثير في مستقبل العمل ونتائجه وهما:

أ- إرادة الله الفاعلة في العالم.

ب- رحمة الله السابغة على العالم.



وهو ما يعكس القدرة على الرغم من كل المعوقات الخارجية والداخلية على امتلاك الأمل في تحقيق مستقبل إنساني عادل باسم الإسلام.



إن هذا الكتاب وإن انطلق من روح بدت متفهمةً إلى حدٍّ بعيد لأبعاد جهاد تيار الإسلام الوسطي؛ فهي في النهاية رسالة ينبغي أن تقرأ في سياق منتجها، وهو أستاذ أمريكي، وفي سياق من أنتجت له ابتداءً وهو القارئ الغربي.



إن ما يهمنا هنا هو أن الأوساط المصرية والعربية (سواء المنتمية للحالة الإسلامية أو للحالة العلمانية أو للحالة الرسمية) مدعوة للتعاطي مع أصوات هذا التيار استقبالاً وفهمًا وسعيًا وتنفيذًا؛ من أجل صناعة مستقبل مصر عميقة الجذور والارتباط بالهوية الإسلامية.



وإذا جاز لنا أن نستعير صوت الدكتور القرضاوي أحد أبرز دعاة هذا التيار في تعليقه على أن الغرب يخترع الكمبيوتر والعرب يختلفون حول تسميته، فإني أتساءل هل يصبح للعقل الغربي والأمريكي أن يحسن قراءة المنجز الدعوي والحركي لدعاة تيار الإسلام الوسطي الذي هو ثمرة حقيقية لجهاد الإخوان المسلمين ثم يسعى كثير من الإسلاميين غير الوسطيين مدعوِّين بشكل ما من طوائف العلمانيين والحكوميين معًا نحو تشويه أفكار هذا التيار وسحقه.
إنني أترك الإجابة على هذا السؤال المحزن لعل الزمان القادم يفعل شيئًا في نفوس هؤلاء.

------------

* كلية الآداب- جامعة المنوفية- مصر.

الثلاثاء، يوليو 21، 2009

معالم دعوة الإخوان(فيديو)10

غزة تأكل أوراق الشجر وأطنان الغذاء تتلف في رفح


غزة تأكل أوراق الشجر وأطنان الغذاء تتلف في رفح [18:40مكة المكرمة ] [20/07/2009] أطفال الخيام في غزة المحاصرة غزة- كارم الغرابلي: خيامٍ ممزقةٍ لا تحمي من البرد ولا تقي من الشمس، يعيش آلاف الفلسطينيين ممن اضطرتهم الظروف إلى اعتبار تلك الخيام هي مساكنهم الدائمة، ليس فقط نتيجة الهجوم الصهيوني الوحشي على قطاع غزة في ديسمبر ويناير الماضيين، ولكن أيضًا بسبب تخاذل الحكومات العربية والنظام الإقليمي العربي بمؤسساته، وعلى رأسها جامعة الدول العربية، عن نجدة سكان غزة المحاصرين، وإيصال مليارات إعادة الإعمار إليهم. وقد أدَّى العدوان الصهيوني الهمجي على قطاع غزة خلال الفترة ما بين 27 ديسمبر 2008م إلى 18 يناير 2009م إلى تدمير 4 آلاف منزلٍ تدميرًا كليًّا، و16 ألفًا تدميرًا جزئيًّا، ما أدَّى إلى تشريد نحو 5 آلاف أسرة بالقطاع. والمدهش في الأمر أنَّ المماحكات السياسية بين بعض الأنظمة السياسية العربية التي توصف بـ"المعتدلة"- من وجهة نظر الغرب والكيان الصهيوني بطبيعة الحال- وحركة المقاومة الإسلامية (حماس)؛ أدَّت إلى مساهمة عربية رسمية في الحصار الصهيوني المفروض على قطاع غزة، وفيه مليون ونصف المليون من البشر، فلم تصل أموال إعادة الإعمار التي أوصى بها مؤتمر شرم الشيخ لتمويل إعادة إعمار قطاع غزة، الذي عُقد في أعقاب انتهاء العدوان الصهيوني؛ وذلك بسبب الخلاف حول الجهة المنوط بها استلام الأموال الذاهبة إلى فقراء فلسطين ومشرَّديها، بالإضافة إلى استمرار الحكومة المصرية في إغلاق معبر رفح. هذا رغم أنَّ هناك قرارًا صادرًا عن جامعة الدول العربية في سبتمبر من العام 2007م يقضي برفع الحصار المفروض على قطاع غزة، ولم يتمَّ تنفيذه، بالرغم من إلزاميته للدول الأعضاء، التي اكتفت بلعب دور المتفرج أو المتواطئ على ما يجري في غزة. والأرقام الواردة في هذا الإطار مخيفة، وتطرح العديد من التساؤلات حول الواقع الراهن الذي يحياه النظام الرسمي العربي، فحاجات الإعمار في قطاع غزة لا تزيد عن رقم يتراوح بين مليار ونصف المليار دولار إلى ثلاثة مليارات دولار، بينما دفعت الاستثمارات العربية خسائر قُدِّرت ما بين 800 مليار إلى تريليون دولار كانت موجودةً في البنوك الأمريكية والغربية؛ نتيجة الأزمة المالية العالمية التي تفجرت من الولايات المتحدة في سبتمبر الماضي. في المقابل دفعت البنوك الخليجية مئات المليارات للدول الغربية وبنوكها لإنقاذها من الإفلاس في الأزمة المالية الأخيرة، كما "تطوعت" بعض الشركات والحكومات الخليجية إلى شراء صفقات سلاح وطائرات ليست بحاجة إليها لإنقاذ الشركات العاملة في صناعات السلاح والطيران في أوروبا وأمريكا الشمالية من الإفلاس، وكانت صفقة شركة طيران الإمارات مع إيرباص الأوروبية وصفقة حكومة أبو ظبي مع شركات السلاح الأمريكية لتوريد طائراتٍ مقاتلةٍ في الشتاء والربيع الماضيين هما النموذجين البارزَين على ذلك. إلا أنه رغم كل ذلك فإن الفلسطينيين يحدوهم الأمل بنهايةٍ قريبةٍ للحصار الذي يفرضه الكيان حتى يتمكَّنوا من إعادة بناء منازلهم. وفي هذا التحقيق يرصد (إخوان أون لاين) أحوال الفلسطينيين المقيمين بالخيام في هذا الصيف الحار، بسبب الحصار، وبسبب تأخر أموال إعادة الإعمار العربية. مأساة يومية المسن علي أبو جلهوم (البالغ من العمر 77 عامًا) هو واحد ممن يعيشون داخل هذه المخيمات التي تفتقر إلى أدنى متطلبات الحياة بعد أن دمَّرت قوات الاحتلال منزله، ولم يكترث أبو جلهوم كغيره من المشرَّدين لحالة الطقس الحارة؛ حيث لم يعد بمقدورهم الهرب من لهيب الصيف سوى بالاستظلال تحت خيامهم المتواضعة في مخيم العزة لإيواء مشرَّدي العدوان الصهيوني الأخير على قطاع غزة. وتفتقر خيمة أبو جلهوم المصنوعة من القماش الأبيض البالي إلى أدنى وسائل الراحة ومقومات الحياة، ورغم ذلك تأقلم مع جيرانه، وبجوار خيمته زرع الرياحين والنعناع ليعيد الحياة إلى أرض المخيم الزراعية التي أحالتها الجرافات الصهيونية إلى صحراء قاحلة. ويشهد مخيم العزة في منطقة التوأم شمال غرب مدينة غزة هجرة قسرية لسكانه؛ بسبب موجة الحر الشديد التي هبطت على خيامه البيضاء، بالإضافة إلى هجران مؤسسات الإغاثة التي كانت تخفِّف من معاناة 1500 مشرَّد يعيشون في 65 خيمة. ولم يبقَ في المخيم سوى ثلاث عائلات من بينهم أسرة أبو جلهوم، التي عجزت عن توفير مسكنٍ لها، فيما رحلت بقية العائلات المشرَّدة للعيش في شققٍ سكنيةٍ جديدةٍ، أو لدى أقربائهم. ويبدِّد أبو جلهوم وحشته ببيع بعض السكاكر والحلويات وأدوات التنظيف قبالة خيمته لسكان البيوت التي نجت من القصف والتدمير الصهيوني. ودفعت أزمة الشقق السكنية أبو جلهوم لعيش حياة البرية بين أروقة المخيم قبل ثلاثة أشهر، فلا يوجد عيادة صحية تعتني بصحتهم، ودورات المياه حدِّث ولا حرج، والمساعدات الإنسانية شحيحة للغاية؛ نتيجة الحصار ومنع الحكومات العربية دخول المساعدات المتواترة إلى غزة. آلاف الأطنان تتلف على معبر رفح بسبب منع السلطات المصرية إدخالها ويصف أبو جلهوم وجبة الغداء التي تقدِّمها المؤسسة بالسيئة، ولا تكفي لطفل صغير، بينما تتلف آلاف الأطنان من الأغذية في مخازن معبر رفح الحدودي بين مصر وغزة. وتتفاقم معاناة أبو جلهوم يومًا بعد يوم من جرَّاء الحرب الغاشمة والحصار الظالم، اللذَين حرماه من العيش تحت سقفٍ واحدٍ مع أولاده الأربعة وزوجته، وجعلت حياته جحيمًا لا يطاق، ويقول بعيون يملؤها الألم: "نعيش مأساة حقيقية.. نفترش الأرض ونلتحف السماء"، متسائلاً إلى متى ستبقى هذه الحال؟. ودفع غلاء الإسمنت أصحاب البيوت المدمرة إلى ابتداع وسائل بدائية للتغلب على معاناتهم، فبنَوا بيوتًا من الطين الأحمر يستر عائلاتهم، فيما فضل الآخرون المكوث في مخيمات الإيواء. وبينما كان يتحدث أبو جلهوم عن معاناته جلست مجموعة الصبية بجواره وقد غزت عيونهم علامات البؤس والحرمان. يقول رمضان الأقرع (14 عامًا): "سمعنا وعودًا كثيرةً من جمعيات الإغاثة، لمتابعة أوضاعنا التي لا تسرُّ عدوًّا، وللأسف لم يتحقق منها شيء نتيجة الحصار الغاشم علينا". يقاطعه زميله خضر ذي البشرة السمراء الداكنة، وتعلو شفتيه ابتسامة ساخرة، متسائلاً عن عدم استلامهم كرفانًا مزوَّدًا بالكهرباء، حتى يلعبوا ألعابًا مسليةً على الحاسوب، تُنسيهم آلامهم ومحنتهم. ودفع الجوع الشديد الطفل محمد للركض بين أروقة الخيام الناصعة البياض؛ بحثًا عن أعوادٍ جافةٍ، لإنضاج بعض أكواز الذرة غير مكترث بسخونة الحرارة التي ألهبت قدميه الحافيتين. لهفته الشديدة لأكل الذرة المسلوقة لم تجعل قدميه تصمدان كثيرًا تحت الرمال الساخنة، بجوار الموقد، فأطلق ساقيه للريح ليُغرق رأسه وجسده بالمياه للتخفيف من حدَّة الشمس. خضر لم يتحدث لصغر سنِّه، لكنَّ وجهه الطفولي وعيونه البريئة أبرقت رسالةً قصيرةً لكل من يشاركون في الحصار بأنْ يرحموا حالهم. ولا يزال نحو 5 آلاف أسرة بقطاع غزة مشتتة بعد أن فقدت مساكنها عقب الحرب التي شنَّها الاحتلال على غزة أواخر العام الماضي، ويحتاج قطاع غزة إلى نحو 20 ألف وحدة سكنية لإيواء مشرَّدي الحرب، إضافةً إلى المباني والمؤسسات الحكومية والأهلية التي دمّرت. مخيمات الإيواء لا تزال عامرةً بسكانها الذين ينتظرون من ينجدهم من لهيب الشمس، ويعيد آمالهم بإعمار بيوتهم المدمرة، وعيونهم لا تزال معلقةً بالمعبر المصري عند رفح والحلم يداعبهم بيوم تنشط فيه رئتهم الوحيدة التي تعتصرها قبضة النظام المصري وتمنع عنها حتى الهواء!. شاهد الفيلم التسجيلي: معونات.. في انتظار الفرج منازل غزة.. معاناة أخرى للحرب الصهيونية أطفال غزة.. إجازة الصيف بطعم الحصار والحرمان سكان غزة يخوضون صراعًا ضد الموت والحصار أهالي شهداء غزة.. صمود في المخيمات

الاثنين، يوليو 20، 2009

بابا الفاتيكان ودعم الطغيان


بابا الفاتيكان ودعم الطغيان

[12:58مكة المكرمة ] [20/07/2009]

بقلم: محمد رجب سالم







محمد رجب سالم

لقد أبصرته وهو يضع السم في الدسم، ثم يضع الخل في العسل؛ إذًا لقد رأيته يرتكب الجريمة مرتين؛ إنه "بندكت السادس عشر" بابا الفاتيكان، والأب الروحي للصليبية الحديثة، ولا أقول المسيحية؛ لأن المسيحية الحقة رسالة نور وسلام ووئام للبشرية كلها، ومن ثَمَّ فإنها بريئةٌ من صنيع الرجل.



فأما الجريمة الأولى، فقد وقعت أثناء زيارته للأردن- أولى محطات جولته فيما يُسمَّى ببلدان الشرق الأوسط- لقد قال في جمعٍ من العمائم الإسلامية: "إن على أتباع الأديان أن يُخرجوا عقائدهم من نطاق تعاملاتهم السياسة؛ لأنها وراء الخلافات التي تنشب بينهم".



قلتُ في نفسي: يا لها من نصيحةٍ خبيثة، ظاهرها الرحمة، وباطنها العذاب؛ لأنها موجهة للمسلمين وحدهم، ودون غيرهم، باعتبارهم ضحية مستكينة، ولقمة سائغة بين أنياب أعدائهم، ولم يقلها الرجل لـ"إسرائيل" التي أسست كيانها الغاصب على أسسٍ من نصوص توراتية محرفة، وهي- أي "إسرائيل"- لا تعرف فصلاً بين السياسة والدين، بل وتعتدي صباحَ مساءَ على الإخوة في فلسطين باسم التوراة، وتسفك دماءهم باسم التوراة، وتهدم بيوتهم باسم التوراة.



إذًا هذه النصيحة البابوية الغالية ليست موجهةً لليهود الصهاينة، كما أنها ليست موجهةً لحكومات الدول المسيحية التي توالي الكيان الصهيوني، وعلى رأسها: الولايات المتحدة الأمريكية، ودول الاتحاد الأوروبي؛ لأنهم هم الآخرون يُسخِّرون دينهم لخدمة أطماعهم في السيطرة على العالم، واغتصاب ثروات ومقدرات المستضعفين، وخاصةً المسلمين، ولدي البرهان الساطع، والدليل القاطع على ذلك؛ إنها شهادة شاهد من أهلها.. إنه الكاتب الألماني الشهير "كارلهاينتس دشنر"، الذي أصدر مؤخرًا كتابًا تحت عنوان "المولوخ- أي إله الأشرار أو الخبثاء"، ويقصد به الولايات المتحدة الأمريكية، وقال فيه ما نصه: "يرى ساسة أمريكا أن توسعها يستهدي بقوةٍ عليا اصطفته ليكون نموذجًا لكل الأمم".



ويضرب المؤلف أمثلةً على ذلك بذكر أقوال وتصريحات لرؤساء حكموا أمريكا، تُبرهن- بما لا يدع مجالاً للشك- على تسخيرهم المسيحية لخدمة السياسة، ومن ذلك:

أ- قول الرئيس "هاري ترومان- قاذف القنابل الذرية على مدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين سنة 1945م: "إن الدور لقوة الخير هو الدور الذي عهد به إلينا الرب العلي القدير".



ب- قول الرئيس "ودرو ولسن": "إن العناية الإلهية قد خصت الولايات المتحدة لتكون أمةً مثاليةً وحيدةً على وجه الأرض، وأنعمت علينا بامتيازٍ لإنقاذ البشرية".



جـ- قول الرئيس "ليندون جونسون": "لا ينبغي أبدًا أن نرسم خطًّا فاصلاً بين القوة التي نملكها والرب الذي يستقر في الأعماق من قلوبنا".



د- قول الرئيس رونالد ريجان (كومبارس هوليود سابقًا): "إن الولايات المتحدة هي الأمل الذهبي للبشرية بأسرها؛ ذاك لأن الرب كان ينظر دائمًا إلينا ويقدمنا على أننا البلد الذي هو أرض الميعاد، والبلد الذي لم يكتب له قط أن يكون ثاني أفضل البلدان؛ لأن الأمريكيين أكثر تدينًا من البشر في البلدان الأخرى".



إذًا الحكومات المسيحية التي تمارس العدوان في العالم تحت شعار كاذب يُسمَّى "نشر المظلة الديمقراطية وتحرير الشعوب"- هذه الحكومات المعتدية باسم المسيحية خارج نطاق هذه النصيحة البابوية الثمينة؛ وإلا فأين كانت هذه النصائح عند العدوان على العراق وأفغانستان؟ ماذا يعني الرجل إذًا؟، ولماذا يخصُّ المسلمين بالذات بهذا الدرر الثمينة، وهذه النصائح النفيسة؟؟.



إنه بصريح العبارة، وبلا مواربة يخدم "إسرائيل" ويبارك صنيعها بتجريد الإسلام من محتواه، وتفريغه من مضمونه، فلا يكون كما ارتضاه الله لنا منهجًا متكاملاً للحياة يحكم شئون المسلمين السياسية والاقتصادية والعسكرية، ومن ثَمَّ ينسحب هذا الدين الخاتم، والشامل الكامل من ساحات الصراع مع أعداء المسلمين، فتكون الغلبة للأعداء، ويجرد الإسلام من رسالته العالمية المنوطة به في دنيا الناس.



وأما جريمته الثانية، فكانت أثناء زيارته للكيان الصهيوني، حينما وقف يؤدي في خشوع صلاة أمام ما يسميه اليهود "حائط المبكى"، واسمه الحقيقي: حائط البراق، وهو يحيط بالمسجد الأقصى من الناحية الغربية، وله عند المسلمين قداسته؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- ربط عنده البراق ليلة الإسراء والمعراج، وأما اليهود فيعتقدون- زورًا وبهتانًا- أنه من بقايا هيكل سليمان عليه السلام الذي لم يُعثر له على أثرٍ حتى الآن.



ماذا تعني صلاة بابا الفاتيكان في هذا المكان؟!

إنها تعني بوضوح- لا لبس فيه- أن الرجل يؤيد مزاعم اليهود، وسعيهم الحثيث لتهويد القدس، وإقامة الهيكل المزعوم مكان المسجد الأقصى المبارك.



أليس في هذا قمة التحدي لمشاعر المسلمين في العالم، بل وإعلان للعداء السافر لهم، ومباركة لصنيع اليهود الشائن، وعدوانهم الدائم؟!



امتلكني التعجب، وسيطرت عليَّ الدهشة من هذا الصنيع الباباوي، ولكن تعجبي بدأ يزول، ودهشتي أخذت تتبدُّد، حينما ذكرتُ أمرين خطيرين:

الأول: تصريحات هذا البابا عقب جلوسه على كرسي البابوية؛ لقد كانت تصريحات ناضحة بالحقد على الإسلام العظيم ورسوله الكريم وكتابه المبين، فقد قلب الحقائق رأسًا على عقب، وانطبق عليه المثل العربي القائل: "سكت دهرًا، ونطق كفرًا"، والمثل القائل: "رمتني بدائها وانسلتِ".



والمسيحية الحقة براء مما قال الرجل براءة الذئب من دم يوسف بن يعقوب عليهما السلام.



الثاني: وهو الأخطر والأهم، أن هذا الغزل الصليبي الصهيوني القائم الآن هو حلقة في سلسلة التفاهم والتقارب بين الفريقين، والذي بدا جليًّا منذ مؤتمر مسكوني، وما أدراكم ما مؤتمر مسكوني أيها المسلمون؟.



سأقص عليكم نبأه، فاسمعوا وعوا:

هذا المؤتمر المسمى بالمؤتمر المسكوني، أو المجمع المسكوني دعت إليه الفاتيكان في النصف الثاني من القرن الماضي، بعد انتهاء النازية وانكسارها في الحرب العالمية الثانية على يد الحلفاء.



لقد كان الهدف الرئيسي لذلك المؤتمر؛ هو عقد مصالحة تاريخية موثقة بين المسيحيين واليهود، لتوحيد كلمتهم في مواجهة عدو واحد مشترك هو الإسلام والمسلمون.



ولما كان بالمثال يتضح المقال، فإنني أسجل هنا بعض نصوص الوثيقة، التي تمخض عنها ذلك المؤتمر الخبيث الغاية، الماكر الهدف.



جاء في صدر الوثيقة:

"إن الكنيسة- ذلك المخلوق الجديد في المسيح وشعب العهد الجديد- لا يمكن أن تنسى أنها استمرار لذلك الشعب الذي تفضَّل الله عليه برحمته الواسعة في يومٍ من الأيام بتحقيق عهده القديم موكلاً إليه الوحي المذكور في كتب العهد القديم".



ثم جاء فيها بعد ذلك بقليل:

"ولا تنسى الكنيسة أن المسيح وُلد- من ناحية الجسد- في الشعب اليهودي، وأن أم المسيح، مريم العذراء، والحواريين، وهم أساس ودعامة الكنيسة قد ولدوا أيضًا في الشعب اليهودي، وتضع الكنيسة نصب أعينها ما قاله بولس الرسول في شأن اليهود، الذين هم "إسرائيليون"، ولهم التبني والمجد والعهود والاشتراع والعبادة والمواعيد".



ثم تمضي الوثيقة فتقول:

"من الواجب أن نذكر أن اتحاد الشعب اليهودي مع الكنيسة هو جزءٌ من الأمل المسيحي، والواقع أن الكنيسة حسب تعاليم بولس الرسول تفتح بعقيدة متينة ورغبة أكيدة في وجود ذلك الشعب باب الدخول في سلطان شعب الله، كما وطَّده المسيح".



وأخيرًا.. تنصح الوثيقة بأمر خطير نصه:

"عند تلقين الدين المسيحي يجب عدم إظهار الشعب اليهودي كأنه ملعون".

أرأيت أخي القارئ كيف أقضى الغزل بين الصليبية الدولية، والصهيونية العالمية إلى هذا العشق والهيام، وهذا التناغم والوئام، وكل ذلك على حساب عدوهم المشترك من المسلمين... دينًا وحضارةً، وحاضرًا ومستقبلاً.



ولا يخفى على ذوي الألباب كيف تجاهل المؤتمرون في ذلك المؤتمر الصهيوصليبي- الحقوق المهضومة للشعب الفلسطيني، كما أصموا آذانهم عن صراخ المظلومين، وأنات المعذبين، وهذا ليس بعجيب، ولا غريب على قوم طرحوا الحياء، وتنكروا لرسالات السماء، وأبوا إلا أن يناصبوا المسلمين العداء، فهل آن الأوان لمعرفة الحقائق، ودراسة الوثائق، ولنأخذ من ديننا الدواء، لنعالج الداء، وحتى نكون أهلاً لنصرة رب الأرض والسماء.. أرجو ذلك قبل فوات الأوان، وقبل أن تنماع أمتنا كما ينماع الملح في الماء.

------------

* داعية وكاتب إسلامي






ذبح المسلمين.. وزيارة البابا

الجمعة، يوليو 17، 2009

العنصرية البغيضة ومأساة المسلمين الإيجور


العنصرية البغيضة ومأساة المسلمين الإيجور

الشرقية أون لاين - 16/07/2009
رسالة من محمد مهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين

الإسلام يرفض العنصرية :

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد؛

فإنَّ العنصرية مرفوضة من كل العقلاء في هذه الدنيا، إذْ هي قائمة على التفرقة بين البشر بحسب ألوانهم أو أجناسهم أو أعراقهم أو ثقافاتهم أو لغاتهم أو أديانهم أو قِيَمهم، وذلك كله مما يُغذِّي روحَ الكراهية بين البشر، ويدفع إلى إيقاد نيران الحروب والعداوات التي لا تنتهي بين الأمم، وهو ما عانت منه البشرية كثيراً إبان تاريخها الطويل، ولا تزال البشرية تعاني آثاره وتحصد ثماره المرة يوما بعد يوم.

وقد دعت جميع العقائد والأديان الكبرى إلى مبدإ الأخوة الإنسانية، والمساواة بين البشر، وكان للإسلام وللقرآن اليد الطولى في هذه الدعوة، بشكل لم يُسبَق إليه، ولم تُطبَّق هذه المساواة بصورة واقعية كما طبقها محمد r والذين آمنوا معه.

فقد قرر القرآن أن الإنسانية أسرة كبيرة خلقها الله @831; يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً @830; [النساء/1]، وقرر أن اختلاف الألسن والألوان والأنساب ما هو إلا مظهر من مظاهر القدرة الإلهية، ولا يعني من بعيد أو قريب أي تفضيل أو تمييز، فالجميع سواء في الحقوق، وعليهم التعارف والتعاون لتحقيق السعادة في الحياة @831; يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا @830;[الحجرات/13]، ورفض أي تمييز بينهم، فالجميع أمام شريعته سواء، ولا يتفاضلون إلا بقدر ما تحمل قلوبهم من خير وإيمان، وما تمتد به أياديهم من عطاء وإحسان @831; إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ@830; وقال r: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلاَ إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلاَ لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلاَ لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلاَ لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلاَ أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلاَّ بِالتَّقْوَى » (أحمد).

ووقف الإسلام وقفة في غاية الحسم أمام النظام القبلي الجاهلي الذي كان يقوم على عنصرية بغيضة وقال r: « إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ (أي كِبْر) الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالآبَاءِ، أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ» (أبو داود)

بل رفض العيش والدعوة والجهاد تحت راية القبيلة والعصبية، فقالr: « لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ » (أبو داود).

وكان البيت النبوي نموذجا عمليا عجيبا لذلك، فقد جمع r في عصمته بين القرشية وغير القرشية، كما جمع بين المسلمة ومن كانت قبل ذلك على النصرانية أو اليهودية، وجمع بين الفقيرة وابنة رئيس العشيرة، في تطبيق رائع للمساواة ومحوٍ واضحٍ للفوارق العنصرية.

أما المجتمع المسلم فكان مثالاً مُدهشاً للتعايش بين الأجناس والأديان والقوميات، ففيه يعيش بلالٌ الحبشيُّ مع صهيب الرومي مع سلمان الفارسي مع أبي بكر القرشي، في إخاء عجيب نادر لم يتكرر في التاريخ، حتى يقول عمر t: «أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا، وَأْعَتَق سَيِّدَنَا» يعني بلالاً الحبشي (البخاري)، ويقول النبي r عن سلمان الفارسي: «سَلْمَانُ مِنَّا آَلَ الْبَيْتِ» (ابن سعد والطبراني).

وكتب النبي r وثيقة المدينة التي تعد أول دستور بشري لتضع إطار المعايشة الطيبة بين الفئات التي شكلت المجتمع المدني من المسلمين والمشركين واليهود.

وحين حاول شياطين الإنس والجن إحياء الدعوة إلى العنصرية وقف r بكل قوة حين نادي رجل: يا للأنصار! ونادى آخر: يا للمهاجرين، فقالr: « مَا بَالُ دَعْوَى جَاهِلِيَّةٍ؟» وقال: « دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ » (البخاري).

وكلما أطلت هذه الفتنة برأسها لا يتأخر r في مواجهتها ومحاربتها، سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى المجتمع، فلا مجال للتهاون مع هذه العنصرية على الإطلاق، فهو r يدرك أن العنصرية بيئة لا تتسم بالعدل والمساواة والاقرار بالحقوق واحترام التنوع والاختلاف، بل هي بيئة إلغائية استئصالية إقصائية، تشجع على العنف والعنف المضاد وردود الافعال والانتقام.

وقد قامت الحضارة الإسلامية على هذا الأساس، فكانت حضارة عالمية شاركت فيها كل الأجناس والشعوب وكل الديانات والمذاهب، وكل اللغات والثقافات، دون استثناء أو إقصاء أو إلغاء.

وفي ظل هذه الحضارة الراشدة لم يكن يتحدد مركز الإنسان بحسب لونه أو شكله أو نسبه أو جنسه، فالمجال مفتوح للقدرات والكفاءات لتتبوأ المراتب المناسبة لها، والتاريخ الإسلامي خير شاهد على ذلك، فكثير من الملونين والموالي (العبيد المحررين) تسلموا مراكز قيادية في المجتمع الإسلامي. وذلك ما يريد الإخوان المسلمون أن يعيه ويفهمه أولئك الذين يرمون الإسلام بالنقائص، ويتهمونه بالإرهاب والتطرف، فهل آن الأوان ليتفهم العقلاء في هذه الدنيا حقائق الإسلام؟!.

الحضارة الحديثة والعنصرية:

لعل من المناسب التذكير بأن الحضارة الغربية الحديثة – على الرغم من كل ما حققته من رفاه مادي- إنما قامت على أسس عنصرية، وسادتها نزعة تسلطية، وقامت على استعباد الشعوب الأخرى لا سيما الإفريقية، وعلى التطهير العرقي (كما حصل مع الهنود الحمر في أمريكا) ثم صحبتها شعارات عنصرية من قبيل «سودي يا بريطانيا واحكمي» «إيطاليا فوق الجميع» « ألمانيا فوق الجميع»...إلخ الشعارات العنصرية التي ملأت أوربا في النصف الأول من القرن العشرين، فضلا عن الاستعمار الأوربي الذي نالت الأمة الإسلامية النصيب الأوفر من شره وضرره.

ومع ارتفاع الصيحات في العقود الأخيرة لمحاربة العنصرية ومواجهة الكراهية والتمييز، فإن غالب هذه الصيحات بقيت بعيدة عن التطبيق الواقعي، بل سعى سادة "الحضارة" الجدد إلى تأسيس نظام عالمي يرسخ العنصرية والطبقية بكل صورها وأنماطها، ولا يحفظ كرامة وحقوق الجميع، ويحتكر "الحضارة" والمدنية لنفسه، ويرسخ فى العالم الانقسام بين أمم متحضرة لها كل الحقوق، وأمم متخلفة لا تستحق شيئا، بل ولا يحق لها أن تحافظ على قيمها ومبادئها، ويُراد لها أن تذوب في الثقافة الغربية. بل اتخذت الحكومات الغربية إجراءات (قانونية وغير قانونية!) وروجت صورا نمطية سلبية للإسلام والمسلمين استهدف بعضها مباشرة الجاليات العربية والإسلامية، وشكلت دعما قويا لنزعات الكراهية والعداء للآخر، مما ساعد في انتشار مفهوم «الإسلاموفوبيا» الذي يعكس بشكل عام انتشار نزعة العداء للمسلمين، ويمثل أبلغ دلالة على الموقف السلبي العام تجاه العرب والمسلمين.

وقد شجع ذلك أجناسا كثيرة على التعامل بنفس هذا المنطق المعوج، وصارت السياسة العالمية التي يتحكمون فيها تكيل بمكيالين، فحين يُعتَدى على يهودي هنا أو هناك تقوم الدنيا ولا تقعد، ويشهر سلاح الاتهام بالعداء للسامية...إلخ. أما حين يُعتَدى على المسلمين فإنك تجد صمتا دوليا مريبا، بل تواطأً عنصريا مفضوحا، وخير مثال على ذلك الموقف الدولي عامة والغربي خاصة من العنصرية الصهيونية في فلسطين، تلك العنصرية التي تعلن عن نفسها بكل وضوح، وتُقابَل بالصمت والسكوت فضلاً عن التشجيع والتأييد والمساندة في المحافل الدولية، مما يفضح زيف دعوات المساواة والحريات.

مأساة الإيجور المسلمين في تركستان الشرقية والموقف الدولي منها:

امتداداً لهذا الموقف العنصري الظالم ها هي جريمة أخرى كبيرة ترتكب بحق العرق الإيجوري المسلم على أرض تركستان الشرقية، على أيدي الصينيين من عرقية الهان الذين احتلوا هذه الدولة المسلمة، بمساعدة ظالمة من المستعمر البريطاني حينا (1878م) ومن المستعمر الروسي المجاور حينا آخر (1949م)، وغيروا اسمها من (تركستان الشرقية) إلى (شينجيانج) يعني (المستعمرة الجديدة)، وساموا ولا يزالون يسومون أهلها الإيجوريين المسلمين سوء العذاب، أمام سمع العالم (الحر!) وبصره، دون أن تتحرك الهيئات الدولية أو الدول الكبرى (بل دون أن تتحرك الدول الإسلامية باستثناء تركيا)، والجميع يرون هذه الفظائع العنصرية ومنها:

· فرض الإلحاد بالقوة، والمنع من تعليم الدين، ومن ممارسة الشعائر الدينية، ومصادرة المصاحف والكتب الإسلامية، وإجبار النساء على خلع الحجاب، وإلغاء العمل بأحكام الشريعة في الأحوال الشخصية.

· اعتقال علماء الدين والوطنيين في معسكرات اعتقال وتعذيب وحشية، قتل فيها مئات الآلاف، ولا يزال عشرات الآلاف من رجال الدين ومن الوطنيين يقبعون في السجون والمعتقلات الوحشية، لمجرد أنهم مسلمون مستمسكون بهويتهم ودينهم وتاريخهم.

· مصادرة الثروات والأملاك الخاصة، وطمس معالم تركستان وهويتها الإسلامية، وترحيل الإيجوريين إلى خارجها، ونقل الهان الصينيين إليها وتسليمهم مقاليد الأمور فيها، وفرض سياسة التصيين في كل المجالات، حتى صار أهل تركستان لا يشغلون من المناصب القيادية فيها سوى 10% فقط، ويعامل أكثرهم على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية والثالثة.

· وضع التشريعات والقوانين التي تضيق على الإيجوريين فرص التعليم – وبخاصة الجامعي والعالي- وفرص التوظيف والعمل المحترم، لدفعهم إلى امتهان الأعمال المتدنية كالخدمة في المنازل والأعمال الشاقة، مع حرمانهم من الاستفادة من ثروات بلادهم.

وحكومة الصين تمارس كل هذه العنصرية الوحشية تحت شعار (محاربة الإرهاب) وتحاول خداع العالم بالقول إن المسلمين الإيجوريين متطرفون وإرهابيون، مستفيدة من ازدواجية المعايير التي تحكم الساحة الدولية، وآخر تلك الممارسات ما فعلته الحكومة الصينية حين تدخلت بشكل منحاز وسافر إلى جانب بعض العمال الهان الصينيين، في نزاع بينهم وبين بعض العمال الإيجوريين، مدعية أن الإيجوريين قد قتلوا عددا كبيرا من أقلية الهان، بينما الحقيقة أن قوات الحكومة الصينية قد قتلت آلاف المواطنين الإيجوريين، وتهدد بإعدام زعمائهم والوطنيين منهم.

موقف الدول والشعوب الإسلامية من الإيجور المسلمين:

باستثناء تركيا التي وقف رئيس وزرائها المحترم وقفة قوية منصفة إلى جانب الحق، وأعلن أن ما يجري في تركستان هو إبادة بشرية وتطهير عرقي؛ فإن باقي البلاد الإسلامية تكاد تكون غائبة عن الوعي، إن لم تكن مشاركة فيما يفعله الصينيون بإخوانهم، وحتى منظمة المؤتمر الإسلامي بات قرارها وموقفها مرهونا بضعف دول المنظمة وعجزه وتردده.

وقد صار من الواجب على الأمة أن ترفع صوتها وبكل قوة لإيقاف هذه المجازر الوحشية وإعطاء الإيجوريين حقوقهم، خصوصا وأن الأمة الإسلامية تملك الكثير من أوراق الضغط الاقتصادية والسياسية على الصين.

كما أن على حكومة الصين أن تدرك أن ضعف الحكومات الإسلامية وعجزها لا يعني أن الشعوب المسلمة ستبقى ساكتة، خصوصا وأنها تمثل أكبر سوق استهلاكي للمنتجات الصينية، وهنا يأتي دور المنظمات الشعبية والأهلية في الدعوة للتضامن مع المظلومين المضطهدين في تركستان الشرقية، والدعوة العامة إلى مقاطعة المنتجات الصينية إذا لم تتخل الحكومة الصينية عن حملات التطهير العنصرية العرقية التي تقوم بها في حق إخواننا الإيجوريين.

مروة الشربيني والعنصرية ضد حجاب المرأة المسلمة:

هذه صورة أخرى مفزعة ومفجعة لما يسببه التحريض ضد المسلمين، ولما ينتج عن الترويج المستمر للربط الظالم بين حجاب المرأة المسلمة وبين التخلف، وقد رأينا قبل أيام من الحادثة الفاجعة الرئيس الفرنسي وهو يتنكر لأبسط مبادئ حقوق الإنسان، ويصف الحجاب الإسلامي بأنه صورة من صور قمع المرأة، وأنه لن يسمح به في بلاده، ضاربا عرض الحائط بأبسط معاني الحرية الإنسانية التي يدعيها الغرب، وبذلك يتبين للعقلاء من الذي يغذي العنف والتطرف والكراهية والعنصرية بين الشعوب.

ولا يزال يتبين للجميع حجم التعاطف وردات الفعل الإسلامي مع الدكتورة مروة الشربيني التي اغتالتها يد العنصرية الحاقدة، وسط صمت غربي مفضوح استفز حتى بعض المنصفين في أوربا، الذين كتبوا عن هذا النفاق الغربي، الذي يملأ الدنيا صياحا وعويلا وهو يرى فتاة إيرانية تتعرض للقتل في ظروف سياسية يعلمها الجميع، بينما يصمت على جريمة كراهية ترتكب في قلب المحكمة، فقط لأن المقتولة مسلمة متمسكة بدينها وحجابها، واعتقاده أنه لن تكون هناك ردود أفعال حاسمة من الدولة التى تنتمى إليها.

دعوة للحوار وفهم الإسلام:

إن جوهر الأزمة بين الإسلام والغرب في الحقيقة هو في الفهم الخاطئ لحقائق ومبادئ الإسلام، حتى أصبح مجرد ذكر كلمة مسلم يستدعي مصطلحات من قبيل الإرهاب والتخلف ورفض الآخر!

ولعل العقلاء والمنصفين في العالم ينتبهون إلى الجناية الكبرى التي يجنيها العنصريون على البشرية، فيتسارعون إلى نزع فتيلها وإطفاء نارها من خلال التواصل والحوار والتفاهم مع العالم الإسلامي، وفهم الإسلام على حقيقته، باعتباره دينا خالصا يرفض العنصرية ويحارب التمييز والكراهية، ويدعو إلى الوحدة الإنسانية وإلى التعاون بين الناس وجمع الدنيا كلها على كلمة سواء @831;قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ@830; [آل عمران/64]

والبداية الحقيقية للحوار هي بالتجرد للحق، وبالفهم الدقيق للحضارة الإسلامية، فلا يكون حوارا يفرض الغرب فيه هيمنته وسيطرته علينا، بل حوارا يتيح إمكانية اكتشاف أساليب التعايش السلمي بدون هيمنة أو قهر أو سيطرة، على أساس الاحترام المتبادل، والرغبة في المساهمة في تطوير الحضارة الإنسانية، بدلا من أن يدمر الغرب تلك الحضارة بعنصريته واستعلائه وغروره.

هذا الحوار الإيجابي يحتاج إلى صياغة علاقة جديدة بين الغرب والإسلام، وهذه العلاقة تحتاج منا نحن المسلمين إلى تطوير مصادر قوتنا الإسلامية، وتفجير طاقات الأمة؛ للمشاركة في بناء عالم جديد يقوم على العدل والمساواة ورفض العنصرية والغرور والخرافات العرقية. فهل يدرك عقلاء البشرية الأمر قبل فوات الأوان؟!.

والله أكبر ولله الحمد.


المصدر: مصادر خاصة

معالم دعوة الإخوان१२(فيديو)10


العنصرية البغيضة ومأساة المسلمين الإيجور
الشرقية أون لاين - 16/07/2009
رسالة من محمد مهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين
الإسلام يرفض العنصرية :
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد؛
فإنَّ العنصرية مرفوضة من كل العقلاء في هذه الدنيا، إذْ هي قائمة على التفرقة بين البشر بحسب ألوانهم أو أجناسهم أو أعراقهم أو ثقافاتهم أو لغاتهم أو أديانهم أو قِيَمهم، وذلك كله مما يُغذِّي روحَ الكراهية بين البشر، ويدفع إلى إيقاد نيران الحروب والعداوات التي لا تنتهي بين الأمم، وهو ما عانت منه البشرية كثيراً إبان تاريخها الطويل، ولا تزال البشرية تعاني آثاره وتحصد ثماره المرة يوما بعد يوم.

وقد دعت جميع العقائد والأديان الكبرى إلى مبدإ الأخوة الإنسانية، والمساواة بين البشر، وكان للإسلام وللقرآن اليد الطولى في هذه الدعوة، بشكل لم يُسبَق إليه، ولم تُطبَّق هذه المساواة بصورة واقعية كما طبقها محمد r والذين آمنوا معه.

فقد قرر القرآن أن الإنسانية أسرة كبيرة خلقها الله @831; يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً @830; [النساء/1]، وقرر أن اختلاف الألسن والألوان والأنساب ما هو إلا مظهر من مظاهر القدرة الإلهية، ولا يعني من بعيد أو قريب أي تفضيل أو تمييز، فالجميع سواء في الحقوق، وعليهم التعارف والتعاون لتحقيق السعادة في الحياة @831; يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا @830;[الحجرات/13]، ورفض أي تمييز بينهم، فالجميع أمام شريعته سواء، ولا يتفاضلون إلا بقدر ما تحمل قلوبهم من خير وإيمان، وما تمتد به أياديهم من عطاء وإحسان @831; إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ@830; وقال r: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلاَ إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلاَ لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلاَ لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلاَ لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلاَ أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلاَّ بِالتَّقْوَى » (أحمد).

ووقف الإسلام وقفة في غاية الحسم أمام النظام القبلي الجاهلي الذي كان يقوم على عنصرية بغيضة وقال r: « إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ (أي كِبْر) الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالآبَاءِ، أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ» (أبو داود)

بل رفض العيش والدعوة والجهاد تحت راية القبيلة والعصبية، فقالr: « لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ » (أبو داود).

وكان البيت النبوي نموذجا عمليا عجيبا لذلك، فقد جمع r في عصمته بين القرشية وغير القرشية، كما جمع بين المسلمة ومن كانت قبل ذلك على النصرانية أو اليهودية، وجمع بين الفقيرة وابنة رئيس العشيرة، في تطبيق رائع للمساواة ومحوٍ واضحٍ للفوارق العنصرية.

أما المجتمع المسلم فكان مثالاً مُدهشاً للتعايش بين الأجناس والأديان والقوميات، ففيه يعيش بلالٌ الحبشيُّ مع صهيب الرومي مع سلمان الفارسي مع أبي بكر القرشي، في إخاء عجيب نادر لم يتكرر في التاريخ، حتى يقول عمر t: «أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا، وَأْعَتَق سَيِّدَنَا» يعني بلالاً الحبشي (البخاري)، ويقول النبي r عن سلمان الفارسي: «سَلْمَانُ مِنَّا آَلَ الْبَيْتِ» (ابن سعد والطبراني).

وكتب النبي r وثيقة المدينة التي تعد أول دستور بشري لتضع إطار المعايشة الطيبة بين الفئات التي شكلت المجتمع المدني من المسلمين والمشركين واليهود.

وحين حاول شياطين الإنس والجن إحياء الدعوة إلى العنصرية وقف r بكل قوة حين نادي رجل: يا للأنصار! ونادى آخر: يا للمهاجرين، فقالr: « مَا بَالُ دَعْوَى جَاهِلِيَّةٍ؟» وقال: « دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ » (البخاري).

وكلما أطلت هذه الفتنة برأسها لا يتأخر r في مواجهتها ومحاربتها، سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى المجتمع، فلا مجال للتهاون مع هذه العنصرية على الإطلاق، فهو r يدرك أن العنصرية بيئة لا تتسم بالعدل والمساواة والاقرار بالحقوق واحترام التنوع والاختلاف، بل هي بيئة إلغائية استئصالية إقصائية، تشجع على العنف والعنف المضاد وردود الافعال والانتقام.

وقد قامت الحضارة الإسلامية على هذا الأساس، فكانت حضارة عالمية شاركت فيها كل الأجناس والشعوب وكل الديانات والمذاهب، وكل اللغات والثقافات، دون استثناء أو إقصاء أو إلغاء.

وفي ظل هذه الحضارة الراشدة لم يكن يتحدد مركز الإنسان بحسب لونه أو شكله أو نسبه أو جنسه، فالمجال مفتوح للقدرات والكفاءات لتتبوأ المراتب المناسبة لها، والتاريخ الإسلامي خير شاهد على ذلك، فكثير من الملونين والموالي (العبيد المحررين) تسلموا مراكز قيادية في المجتمع الإسلامي. وذلك ما يريد الإخوان المسلمون أن يعيه ويفهمه أولئك الذين يرمون الإسلام بالنقائص، ويتهمونه بالإرهاب والتطرف، فهل آن الأوان ليتفهم العقلاء في هذه الدنيا حقائق الإسلام؟!.

الحضارة الحديثة والعنصرية:

لعل من المناسب التذكير بأن الحضارة الغربية الحديثة – على الرغم من كل ما حققته من رفاه مادي- إنما قامت على أسس عنصرية، وسادتها نزعة تسلطية، وقامت على استعباد الشعوب الأخرى لا سيما الإفريقية، وعلى التطهير العرقي (كما حصل مع الهنود الحمر في أمريكا) ثم صحبتها شعارات عنصرية من قبيل «سودي يا بريطانيا واحكمي» «إيطاليا فوق الجميع» « ألمانيا فوق الجميع»...إلخ الشعارات العنصرية التي ملأت أوربا في النصف الأول من القرن العشرين، فضلا عن الاستعمار الأوربي الذي نالت الأمة الإسلامية النصيب الأوفر من شره وضرره.

ومع ارتفاع الصيحات في العقود الأخيرة لمحاربة العنصرية ومواجهة الكراهية والتمييز، فإن غالب هذه الصيحات بقيت بعيدة عن التطبيق الواقعي، بل سعى سادة "الحضارة" الجدد إلى تأسيس نظام عالمي يرسخ العنصرية والطبقية بكل صورها وأنماطها، ولا يحفظ كرامة وحقوق الجميع، ويحتكر "الحضارة" والمدنية لنفسه، ويرسخ فى العالم الانقسام بين أمم متحضرة لها كل الحقوق، وأمم متخلفة لا تستحق شيئا، بل ولا يحق لها أن تحافظ على قيمها ومبادئها، ويُراد لها أن تذوب في الثقافة الغربية. بل اتخذت الحكومات الغربية إجراءات (قانونية وغير قانونية!) وروجت صورا نمطية سلبية للإسلام والمسلمين استهدف بعضها مباشرة الجاليات العربية والإسلامية، وشكلت دعما قويا لنزعات الكراهية والعداء للآخر، مما ساعد في انتشار مفهوم «الإسلاموفوبيا» الذي يعكس بشكل عام انتشار نزعة العداء للمسلمين، ويمثل أبلغ دلالة على الموقف السلبي العام تجاه العرب والمسلمين.

وقد شجع ذلك أجناسا كثيرة على التعامل بنفس هذا المنطق المعوج، وصارت السياسة العالمية التي يتحكمون فيها تكيل بمكيالين، فحين يُعتَدى على يهودي هنا أو هناك تقوم الدنيا ولا تقعد، ويشهر سلاح الاتهام بالعداء للسامية...إلخ. أما حين يُعتَدى على المسلمين فإنك تجد صمتا دوليا مريبا، بل تواطأً عنصريا مفضوحا، وخير مثال على ذلك الموقف الدولي عامة والغربي خاصة من العنصرية الصهيونية في فلسطين، تلك العنصرية التي تعلن عن نفسها بكل وضوح، وتُقابَل بالصمت والسكوت فضلاً عن التشجيع والتأييد والمساندة في المحافل الدولية، مما يفضح زيف دعوات المساواة والحريات.

مأساة الإيجور المسلمين في تركستان الشرقية والموقف الدولي منها:

امتداداً لهذا الموقف العنصري الظالم ها هي جريمة أخرى كبيرة ترتكب بحق العرق الإيجوري المسلم على أرض تركستان الشرقية، على أيدي الصينيين من عرقية الهان الذين احتلوا هذه الدولة المسلمة، بمساعدة ظالمة من المستعمر البريطاني حينا (1878م) ومن المستعمر الروسي المجاور حينا آخر (1949م)، وغيروا اسمها من (تركستان الشرقية) إلى (شينجيانج) يعني (المستعمرة الجديدة)، وساموا ولا يزالون يسومون أهلها الإيجوريين المسلمين سوء العذاب، أمام سمع العالم (الحر!) وبصره، دون أن تتحرك الهيئات الدولية أو الدول الكبرى (بل دون أن تتحرك الدول الإسلامية باستثناء تركيا)، والجميع يرون هذه الفظائع العنصرية ومنها:

· فرض الإلحاد بالقوة، والمنع من تعليم الدين، ومن ممارسة الشعائر الدينية، ومصادرة المصاحف والكتب الإسلامية، وإجبار النساء على خلع الحجاب، وإلغاء العمل بأحكام الشريعة في الأحوال الشخصية.

· اعتقال علماء الدين والوطنيين في معسكرات اعتقال وتعذيب وحشية، قتل فيها مئات الآلاف، ولا يزال عشرات الآلاف من رجال الدين ومن الوطنيين يقبعون في السجون والمعتقلات الوحشية، لمجرد أنهم مسلمون مستمسكون بهويتهم ودينهم وتاريخهم.

· مصادرة الثروات والأملاك الخاصة، وطمس معالم تركستان وهويتها الإسلامية، وترحيل الإيجوريين إلى خارجها، ونقل الهان الصينيين إليها وتسليمهم مقاليد الأمور فيها، وفرض سياسة التصيين في كل المجالات، حتى صار أهل تركستان لا يشغلون من المناصب القيادية فيها سوى 10% فقط، ويعامل أكثرهم على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية والثالثة.

· وضع التشريعات والقوانين التي تضيق على الإيجوريين فرص التعليم – وبخاصة الجامعي والعالي- وفرص التوظيف والعمل المحترم، لدفعهم إلى امتهان الأعمال المتدنية كالخدمة في المنازل والأعمال الشاقة، مع حرمانهم من الاستفادة من ثروات بلادهم.

وحكومة الصين تمارس كل هذه العنصرية الوحشية تحت شعار (محاربة الإرهاب) وتحاول خداع العالم بالقول إن المسلمين الإيجوريين متطرفون وإرهابيون، مستفيدة من ازدواجية المعايير التي تحكم الساحة الدولية، وآخر تلك الممارسات ما فعلته الحكومة الصينية حين تدخلت بشكل منحاز وسافر إلى جانب بعض العمال الهان الصينيين، في نزاع بينهم وبين بعض العمال الإيجوريين، مدعية أن الإيجوريين قد قتلوا عددا كبيرا من أقلية الهان، بينما الحقيقة أن قوات الحكومة الصينية قد قتلت آلاف المواطنين الإيجوريين، وتهدد بإعدام زعمائهم والوطنيين منهم.

موقف الدول والشعوب الإسلامية من الإيجور المسلمين:

باستثناء تركيا التي وقف رئيس وزرائها المحترم وقفة قوية منصفة إلى جانب الحق، وأعلن أن ما يجري في تركستان هو إبادة بشرية وتطهير عرقي؛ فإن باقي البلاد الإسلامية تكاد تكون غائبة عن الوعي، إن لم تكن مشاركة فيما يفعله الصينيون بإخوانهم، وحتى منظمة المؤتمر الإسلامي بات قرارها وموقفها مرهونا بضعف دول المنظمة وعجزه وتردده.

وقد صار من الواجب على الأمة أن ترفع صوتها وبكل قوة لإيقاف هذه المجازر الوحشية وإعطاء الإيجوريين حقوقهم، خصوصا وأن الأمة الإسلامية تملك الكثير من أوراق الضغط الاقتصادية والسياسية على الصين.

كما أن على حكومة الصين أن تدرك أن ضعف الحكومات الإسلامية وعجزها لا يعني أن الشعوب المسلمة ستبقى ساكتة، خصوصا وأنها تمثل أكبر سوق استهلاكي للمنتجات الصينية، وهنا يأتي دور المنظمات الشعبية والأهلية في الدعوة للتضامن مع المظلومين المضطهدين في تركستان الشرقية، والدعوة العامة إلى مقاطعة المنتجات الصينية إذا لم تتخل الحكومة الصينية عن حملات التطهير العنصرية العرقية التي تقوم بها في حق إخواننا الإيجوريين.

مروة الشربيني والعنصرية ضد حجاب المرأة المسلمة:

هذه صورة أخرى مفزعة ومفجعة لما يسببه التحريض ضد المسلمين، ولما ينتج عن الترويج المستمر للربط الظالم بين حجاب المرأة المسلمة وبين التخلف، وقد رأينا قبل أيام من الحادثة الفاجعة الرئيس الفرنسي وهو يتنكر لأبسط مبادئ حقوق الإنسان، ويصف الحجاب الإسلامي بأنه صورة من صور قمع المرأة، وأنه لن يسمح به في بلاده، ضاربا عرض الحائط بأبسط معاني الحرية الإنسانية التي يدعيها الغرب، وبذلك يتبين للعقلاء من الذي يغذي العنف والتطرف والكراهية والعنصرية بين الشعوب.

ولا يزال يتبين للجميع حجم التعاطف وردات الفعل الإسلامي مع الدكتورة مروة الشربيني التي اغتالتها يد العنصرية الحاقدة، وسط صمت غربي مفضوح استفز حتى بعض المنصفين في أوربا، الذين كتبوا عن هذا النفاق الغربي، الذي يملأ الدنيا صياحا وعويلا وهو يرى فتاة إيرانية تتعرض للقتل في ظروف سياسية يعلمها الجميع، بينما يصمت على جريمة كراهية ترتكب في قلب المحكمة، فقط لأن المقتولة مسلمة متمسكة بدينها وحجابها، واعتقاده أنه لن تكون هناك ردود أفعال حاسمة من الدولة التى تنتمى إليها.

دعوة للحوار وفهم الإسلام:

إن جوهر الأزمة بين الإسلام والغرب في الحقيقة هو في الفهم الخاطئ لحقائق ومبادئ الإسلام، حتى أصبح مجرد ذكر كلمة مسلم يستدعي مصطلحات من قبيل الإرهاب والتخلف ورفض الآخر!

ولعل العقلاء والمنصفين في العالم ينتبهون إلى الجناية الكبرى التي يجنيها العنصريون على البشرية، فيتسارعون إلى نزع فتيلها وإطفاء نارها من خلال التواصل والحوار والتفاهم مع العالم الإسلامي، وفهم الإسلام على حقيقته، باعتباره دينا خالصا يرفض العنصرية ويحارب التمييز والكراهية، ويدعو إلى الوحدة الإنسانية وإلى التعاون بين الناس وجمع الدنيا كلها على كلمة سواء @831;قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ@830; [آل عمران/64]

والبداية الحقيقية للحوار هي بالتجرد للحق، وبالفهم الدقيق للحضارة الإسلامية، فلا يكون حوارا يفرض الغرب فيه هيمنته وسيطرته علينا، بل حوارا يتيح إمكانية اكتشاف أساليب التعايش السلمي بدون هيمنة أو قهر أو سيطرة، على أساس الاحترام المتبادل، والرغبة في المساهمة في تطوير الحضارة الإنسانية، بدلا من أن يدمر الغرب تلك الحضارة بعنصريته واستعلائه وغروره.

هذا الحوار الإيجابي يحتاج إلى صياغة علاقة جديدة بين الغرب والإسلام، وهذه العلاقة تحتاج منا نحن المسلمين إلى تطوير مصادر قوتنا الإسلامية، وتفجير طاقات الأمة؛ للمشاركة في بناء عالم جديد يقوم على العدل والمساواة ورفض العنصرية والغرور والخرافات العرقية. فهل يدرك عقلاء البشرية الأمر قبل فوات الأوان؟!.

والله أكبر ولله الحمد



الأربعاء، يوليو 15، 2009

مقالات نادرة عن شهر رجب المحرم

مقالات نادرة عن شهر رجب المحرم

[14:14مكة المكرمة ] [14/07/2009]
حسن الهضيبي
إعداد- عبد الحليم الكناني وعبده مصطفى دسوقي:

على هامش الإسراء والمعراج

بقلم: المستشار/ حسن الهضيبي- المرشد الثاني للإخوان المسلمين

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: من الآية 9).

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء: 1).

﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى* مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى* وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى* عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ (النجم: 1- 5).

قال صاحبي وهو يحاورني: أنا أؤمن بأن الإسراء والمعراج كانا بالروح والبدن.. ولو أن الناس فهموا أن ذلك كان بالروح فقط لما أنكر قوم على الرسول قوله، ولما كانت هذه الآيات التي تفيد الانتقال من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى؛ ذلك أن المسلم وغير المسلم، البَر والفاجر، كلٌّ منهم يرى الرؤيا المفاجئة، وأنه انتقل من المغرب إلى المشرق فلا يعترض أحد عليه، فلو كان الإسراء بالروح فقط لم يكن في الأمر معجزة، مع أن الإسراء لم يكن إلا معجزةً تحدَّى بها الرسول عليه السلام الناس، فهو بالروح والبدن ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ (الإسراء: من الآية 60).
قال: لكن الذي حاك في صدري أن تمَّت هذه الرحلة في وقت قصير، دون أن يصاب الرسول فيها بأذى من هول السرعة وتقلُّب الأجواء، ثم العروج إلى السماوات العلا؛ حيث لا توجد الأوساط المناسبة للحياة الإنسانية، ومع ذلك يعود الرسول إلى بيته حيًّا معافًى سليمًا، لم تزده الرحلة إلا نشاطًا دبَّ فيه من حباء الله تعالى له واختصاصه بالنعمة، وأن ذلك حاك في صدري، فلما كثرت المخترعات في العصر الحديث، وعرفت الطائرات ثم الطائرات النفاثة، وتفتيت الذرة والتليفون "والراديو" إلى آخر ما هناك، سهَّل ذلك عندي فهم الأمر الذي لم أكن أفهم، وإن كنت أعترف بأن هذا ليس كذاك.

قلت لصاحبي: إن هذا ليس كذاك كما تقول، وإياك أن يلتبس عليك أمر المخترعات الحديثة ومعجزات الرسل، فليست المخترعات إلا كشفًا للسنن الكونية، هدى الله العقول إليها بإرادته، كما هداهم منذ زمان إلى الزرع والسقي والحصاد والسياحة؛ مما يعتبر من البدهيات التي لا تلفت النظر لاعتيادنا لها وإلفنا إياها، ولو فكرنا وتدبَّرنا لوجدنا أن الزرع أدخل في باب الغرابة من الطائرة "والراديو"، وأما المعجزات فإنها مخالفة للسنة الكونية مخالفة تامة، ولو كانت غير ذلك لما كان فيها شيء من التحدي، ولا دلالة على صدق صاحبها، وإليك بعض أمثلة من القرآن الكريم تدلُّ على ذلك:

- ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة: 260)، فتقطيع الطير أجزاء يعدمه الحياة، ولم يعهد أن ما ذُبِحَ من الطير أو قُتِلَ عادت إليه الحياة مرةً أخرى، ولكن الله تعالى أراد أن يؤيِّد عبده ونبيه بمعجزة هي إحياء الطير الميِّت، واستجابته لدعائه له، وسعيه إليه، فهذه مخالفة للسنة التي سنها الله تعالى.
- ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (الأنبياء: 69)، والسنة التي خلقها الله ألا تكون النار بردًا وسلامًا، بل تكون محرقة مميتة.
- ومعجزة موسى عليه السلام هي معجزة العصا التي تصير حيةً تسعى.. غصن ميت من شجرة ينقلب حيوانًا، فإذا هو يلقف ما يأفكون، وليس في سنن الكون ما يحيل العصا حيوانًا، بذلك قد وقع لموسى مخالفة لهذه السنن، ولم يقبل عقل فرعون هذه المخالفة، بل قال حين آمن السحرة: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ (الشعراء: من الآية 49).
- ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 91).. ﴿..فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا (19) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُنْ بَغِيًّا (20) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21)﴾ (مريم)، ولو أن هذه العبارة لم تُذكَر في القرآن والإنجيل لما صدَّقها أحد لمخالفتها سنة الله التي استنَّها لبقاء النسل على الأرض ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ (الحجرات: من الآية 13)، ولكن الله تعالى أراد أن يجعله آيةً لنا ورحمةً منه فكانت إرادته.
هذا بعض ما جاء في القرآن من معجزات الرسل، وكله يسير على غير سنة ولا قاعدة ولا منطق ولا شيء مما عهده الناس أو كانوا يعهدونه أو سوف يعهدونه، وإنما هي إرادة الله الذي يستطيع وحده أن يخالف ما وضع لهذا الكون من سنن، ويضع ذلك لمن شاء.

كذلك كان الإسراء وكان المعراج مخالفَيْن لسنن الله التي جعلها لعباده، ومن أقدَرُ مِنَ الله على ذلك ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ* فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (يس: 82، 83).
دروس يجب ألا تغيب في ذكرى الإسراء والمعراج

بقلم: الأستاذ/ عمر التلمساني- المرشد الثالث للإخوان المسلمين

بهذه المناسبة الجليلة، مناسبة الإسراء والمعراج, رأينا أن نعرض وجهة نظرنا بأدلَّة استقيناها من مظانِّها التي رجعنا إليها, إنه أمرٌ شغل المسلمين, واختلف فيه علماؤهم, ولسنا ندَّعي علمًا للحكم فيه بصواب فريق دون فريق, ولكننا من الفهم، في حدود الحل والحرمة, بحيث نستطيع أن نقتنع بوجهة نظر, يدعمها دليل يُرضينا ونرتاح إليه, وفي كلتا الحالتين لا نحمل أحدًا على الأخذ بما نقول؛ فلكل منهم أن يرتاح إلى ما اقتنع به.
ولما كثر الكلام في أيامنا هذه بقصد زعزعة مكانة السنة في أذهان المسلمين, والأخذ بها كمصدر صحيح سليم من مصادر التشريع, عبادةً ومعاملاتٍ, دار في خلدي أن أتحدث عن مكانة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الدين, ولئن كان هذا الحديث مكررًا, ولئن كانت هذه المكانة مقطوعًا بسموِّها وجلالها, فإن التذكير بها واجب؛ لأن الذكرى تنفع المؤمنين, وهمي الأول في ذلك هو ذلك الشباب الطاهر, المقبل على مصادر دينه, يستسقي منها ما يعزه في دنياه ويسعده في آخرته؛ حتى يتوافر له اليقين القوي بصحة ما جاء به رسولهم الكريم صلوات الله وسلامه عليه, قرآنًا وحديثًا, ومتى اطمأن الشباب إلى هذا أخذ بكل ما جاءه به نبيه صلى الله عليه وسلم, معرضًا عن تلك المحاولات الفاشلة التي تريد صرفه عما شرح الله صدره له, من دقة تشريع دينه وزعامة نبيه عليه الصلاة والسلام.
وبإهلال رجب الفرد قدرت أن المناسبة مواتية, فاتخذت ذلك وسيلةً للكتابة عن الإسراء والمعراج من هذه الزاوية، إني أوقن بأن الرسول صلى الله عليه وسلم أُسرِيَ به روحًا وجسدًا, وهذا اليقين لا يحتاج عندي إلى دليل أو برهان, ولكني قدرت أن غيري قد يحتاج إلى هذا الدليل, فجمعت له من الأدلة ما وقع تحت نظري أثناء قراءتي, وإني لأبتهل إلى الله جل وعلا أن يكون فيما أقدم خيرٌ ما ينتفع به المسلمون, فإن تم القصد فلله الحمد والمنة, وإلا فجهدٌ أردت به خيرًا, ومحاولةٌ أتضرع إلى الله أن يكتب لي بها الأجر, قدر ما انطوت عليه نيتي.
أولاً: لو كان الإسراء والمعراج بالروح فقط, لما كان آية, ولما كان معجزة, فكثير من الناس تطوف أرواحهم في الرؤى بعوالم ما لهم بها من عهد, وما كانت تخطر لهم على بال, والكثيرون قد اطلعوا في رؤاهم على الجنة, وأدهشهم ما هي عليه من حسن وجمال وروعة وجلال, فهل كانت هذه خصيصة يتميزون بها عن غيرهم من صالحي المؤمنين؟ وأي فرْق بينهم وبين سيد الأولين والآخرين عليه الصلاة والسلام في هذا المقام, إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أُسري به وعُرِجَ به روحًا دون جسد؟! أليس في حقيقة الإسراء والمعراج روحًا وجسدًا معجزةٌ يزيد تأثيرها من إيمان الشباب زيادةً تزيده تعلقًا بكل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؟ فإذا ما رسِّخ هذا المعنى عند الشباب تبيَّنت له حقيقة مكانة رسول الله صلى الله عليه وسلم, فازداد له حبًّا, وازداد لرسالته جهدًا وعملاً، مهما تكبَّد في سبيل ذلك من العقبات والصعاب.

نيًا: قوله تبارك وتعالى ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ ولم يقل بروحه, والقرآن كما نوقن جميعًا لا تنقصه الدقة في التعبير؛ لأنه القول الفصل؛ قول رب العالمين، فما الذي يحملنا على العدول عن الظاهر واللجوء إلى التأويل وليس هناك ما يدعو إليه؟ وهذا ما نريد أن نرسخه في أذهان الشباب المسلم, فعليه أن يتمسك بظاهر النص آيةً وحديثًا, وألا يلجأ إلى التأويل إلا إذا استحال الفهم استحالةً تدفع إلى التأويل, حسب الشروط التي وفَّق الله تعالى العلماء إلى الاتفاق عليها, وفي هذا يتجنَّب شبابنا المسلم الكثير من المزالق التي يُلجئه إليها من أوتي نصيبًا من الجدل لا خير فيه.

وإذا كان الإنسان قد استطاع بعقله المحدود أن يصل بالسرعة إلى حدٍّ مدهش, فهل تعجز قدرة الله عن ذلك؟! حاشاه!!.
ثالثًا: لو كان منامًا لصدَّقه الكفار, الذين هاجموا رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولمَا كان معجزةً، ولمَا ارتدَّ بسببه بعض حديثي العهد بالإسلام من المسلمين الذين افتُتنوا بهذه المعجزة الخارجة عن نطاق العقل البشري, ولهذا ننصح شبابنا المسلم ألا يدخل في جدال بسبب المعجزات؛ لأنها أمور خارقة للعادة وليست في مقدور البشر, يؤكد هذا قوله تعالى ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17)﴾ (النجم)، فأي زوغان للبصر إذا كان الأمر منامًا؟! فليحذر شبابنا من الذين يؤوِّلون القرءان والأحاديث تأويلاً لا يقرُّه عقل ولا يؤمن بقدرة الخالق وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم.
صلاته صلى الله عليه وسلم بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام, إذ أمَّهم ببيت المقدس, الذي وصفه للمشركين بدقة, لمَّا تحدَّوه أن يصفه لهم, وإن شبابنا إذا تشكَّك بالمعجزات اهتزَّ إيمانه بالقضية التي يدافع عنها, والإنسان لا يصدق ولا يعتمد في الذود عن قضية إلا إذا آمن بها, فكيف الحال وقضيتنا هذه قضية كفر أو إيمان؟ وأين؟ في بيت المقدس الطاهر, الذي انتَهك حرمته اليهود.
على شبابنا ألا ينسى أول قبلة صلى إليها المسلمون, عليه أن يجعلها حيَّةً في خاطره, في مشاعره, في تفكيره, وأن يعد نفسه لليوم الذي يستعيد فيه قدسه الشريف, مهما غلا الثمن.
خامسًا: مجيء جبريل عليه السلام بالبراق ليركبه رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلو كان الأمر رؤيا لحلَّق الرسول صلى الله عليه وسلم في السموات العلا دون براق ولا غير براق, كما يحدث لمن يرى في منامه أنه يحلِّق في الفضاء بغير مركب ولا أداة، وما وصل إليه العلم يقرِّب فعلاً إلى الأذهان صدْقَ تلك المعجزة، رغم أننا في غير حاجة على صدقها، بعد ما تحدث عنها الرسول عليه الصلاة والسلام في دقة إحاطة لا تتوافر في الرؤى أبدًا؛ لأن الذي يقص رؤيا رآها لا بد أن يغيب عنه بعض أحداثها, أما هذه المعجزة فقد رويت بدقة وإحاطة وشمول لا يتوافر أبدًا في قص أية رؤيا من الرؤى.
سادسًا: في أحاديث الإسراء والمعراج كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يستفتح عند كل سماء كان يسأل فيجيب في كل مرة, أو الملك الذي كان معه: "محمد" فيفتح له، وظلت هذه الأسئلة تتكرر كل مرة على باب كل سماء من السموات السبع، فهل يمكن أن تكون هذه الحركات من استفتاح وفتح وأسئلة وأجوبة في رؤيا حالم أو حالة راءٍ.
إن الحالم أو الرائي يكون في هذه الحالة شديد الحساسية, توقظه أية حركة؛ لأنه يكون حينئذ بين اليقظة والنوم, فممَّا لا يمكن أن يستسيغه العقل بسهولة أن يتم كل هذا في الرؤيا, وإذن فهي اليقظة والمعجزة التي تمت بالروح والجسد, والتي نطلب من الشباب أن يرتاح إليها قلبيًّا, وأن يكون شديد الوثوق في قدرة العلي الكبير على فعل المعجزات التي لا يمكن أن تستوعبها تقديرات العقول البشرية المخلوقة، وفي هذا ما ينمِّي في صدره الأمل الكبير في نصر الله, مهما ران على تقدير العقل من الشكوك؛ نظرًا للفارق المادي بين قوة المسلمين وبين قوة أعدائهم, فالله- ولا شك، وبدون تردد- على كل شيء قدير.
سابعًا: نفس الوضع في التقائه بنبي بعد نبي في كل سماء من السموات السبع, وما دار بينهم وبينه صلوات الله عليهم جميعًا وسلامه, في كل سماء, وتردُّده صلى الله عليه وسلم بين موسى عليه السلام وبين ربه سبحانه وتعالى؛ بشأن الصلوات التي انتهت إلى خمس في العدد وخمسين في الأجر, هل يمكن أن يتم كل هذا في رؤيا قد تستغرق بعض ثوانٍ؟!

ثامنًا: أخذ جبريل عليه السلام بيده صلى الله عليه وسلم, فعرج به إلى السماء حتى وصلا إلى مستوى سمعا فيه صرير الأقلام، ووقف جبريل عليه السلام، ولم يتجاوز ذلك المقام، وطلب منه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتقدم فلم يستطع، فلكل منهم مقام معلوم، هذه الروعة كلها لا تكون رؤيا.
إن هذا الحديث الرائع الفريد لا يمكن أن يكون رؤيا يا شباب العصر.. ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)﴾ (الأعراف).. آمنوا بهذه المعجزة الفذة، وأيقنوا بها، واحذروا أن يشكِّككم الملحدون في آيات الله البينات, وكونوا عند إيمان أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ ساعة إذ لم يتشكَّك عندما بلغه الخبر، فكان الصاحب الوفي الواثق، فقال: "إن كان قال فقد صدق".
تاسعًا: إن الوصول إلى سدرة المنتهى, التي ينتهي إليها ما ينزل من عند الله, وينتهي عندها ما يصل مما دونها لن يكون رؤيا؛ لأنها المقام الذي لا ترقى إليه عقول البشر التي لم تؤتَ من العلم إلا قليلاً.
عاشرًا: لقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين ما قاله عن أحداث تلك المعجزة الخارقة إنه دخل الجنة ورآها، ورأى كل ما فيها رأي العين العادية التي نعرفها في الخلق, العين التي ترى حسيًّا ولن تكون إلا ليقظ لا لحالم.
حادي عشر: حديث روته أم هانئ رضي الله عنها: "لقد صليت معكم العشاء الآخرة, كما رأيت بهذا الوادي, ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه, ثم صليت الغداة معكم الآن"، فهل صلى العشاء الآخرة وصلى الغداة في الرؤيا كذلك؟!
ثاني عشر: وإذا كان إبراهيم عليه السلام خليل الرحمن, وإذا كان موسى عليه السلام كليم الديان, فكيف لا نصدق أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قد كلم الله تعالى كفاحًا؟ إنه صلى الله عليه وسلم في وصفه ربه لم يشبِّه ولم يجسِّم ولم يعطِّل, ولكنه قال الصدق الذي يليق بالصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام, والحق الذي يليق بجلال ذي الجلال والإكرام, قال: "نور أنَّى أراه؟!".
منزلة الرسول
هذا هو الإسراء والمعراج بالروح والجسد, وهذا هو الحق المبين الذي يجب أن ينتهي إليه إيمان الشباب العامل في سبيل الله, وإذا ما أضفنا إلى ما تقدم منزلة الرسول صلى الله عليه وسلم وهي المنزلة التي سمت فوق كل منازل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام؛ انكشفت عن بصائرنا الحجب المادية الصماء، واستطعنا أن ندرك بيُسر كيف تتم تلك المعجزة الخارقة, جسدًا وروحًا, فهي ليست على قدرة الله بمستحيلة وليست على مكانة محمد صلى الله عليه وسلم عند ربه بعزيزة.

إن الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام سألوا الله تعالى, فأعطاهم, أما محمد صلى الله عليه وسلم, فقد ادَّخر طلبه إلى يوم القيامة.

‌أ- فقد قال إبراهيم عليه السلام ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)﴾ (الشعراء), أما محمد صلى الله عليه وسلم فقال له ربه ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2)﴾ (الفتح).

ب- وقال الخليل أيضًا عليه السلام ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87)﴾ (الشعراء), وأما محمد صلى الله عليه وسلم فقد حباه ربه بقوله ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ﴾ (التحريم: من الآية 8)، فهو تأتيه البشارة قبل أن يطلبها.

‌ج- وقال الخليل عليه السلام "حسبي الله"، وطمأن الله محمدًا عليه الصلاة والسلام بقوله ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ.. (64)﴾ (الأنفال).
‌د- وقال الخليل عليه السلام ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ (84)﴾ (الشعراء), أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد أعطاه ربه من غير سؤال ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾ (الشرح).

‌هـ- وقال الخليل إبراهيم عليه السلام : ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ (35)﴾ (إبراهيم)، أما الحبيب صلى الله عليه وسلم فقال له الله تعالى ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33)﴾.
إني لا أريد بهذا أن أنتقص من قدر خليل الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام, فهو خليل الرحمن وهو أبو الأنبياء, وهو جدُّ محمد صلى الله عليه وسلم, وكل ما يرفع من قدر نبينا عليه الصلاة والسلام فهو عائد إليه شرفه وجلاله.

إنني أريد بهذا أن أعرض على شباب هذا الجيل قدر زعيمهم عليه الصلاة والسلام, وأنهم كانوا موفَّقين كل التوفيق يوم أن هتفوا من قلوبهم ومن أعماقهم "الرسول زعيمنا" ولعل الذي يزعج المتزعِّمين هو أن يروا شباب الإسلام في كل بلد ودولة لا يتزعمهم إلا محمد عليه الصلاة والسلام.

الفهم الصحيح الواسع نؤمن بالإسراء والمعراج جسدًا وروحًا, ونرى في هذه المعجزة الخارقة ما يفتح أمامنا أبواب الخير, بعد أن مهَّد لنا كل طرق العمل الصالح المنتج؛ في بساطة ويسر, وفي تخطيط رائع جميل دقيق؛ تعجز عنه كل جهود البشر.
دروس يجب ألا تغيب

وفي الإسراء دروس يجب ألا تغيب عن ذهن الشباب العامل في ميادين الدعوة الإسلامية؛ أيًّا كان موقع هذا الميدان في حياتنا, وعلى سبيل المثال لقد كان رقيُّ النبي صلى الله عليه وسلم بهذه المعجزة العالية مرقًى لم ترقَ إليه الرسل والأنبياء جميعًا, ونال منزلةً لن يحظى بمثلها أحدٌ من أهل السموات والأرض, فماذا كان أثر هذه المعجزة الفريدة عليه؟ هل تغير من خلقه شيء؟ من تواضعه.. من أدبه.. من حسن معاشرته للناس.. من تفانيه في الوفاء لرسالته.. من رضائه بحاله التي كان عليها قبل الإسراء الرائع والمعراج الفريد, هل تعالى على أحد من المسلمين؟ هل اختص نفسه بشيء لم يُحِطْ به أحدٌ من المسلمين؟ هل خاشن من يدعوهم إلى الإسلام؟

هذه معانٍ يجب على شبابنا العامل للإسلام أن يعيها تمامًا, وأن يتخلَّق بها وهو يسير في طريق دعوته, جامعًا للناس حولها, ومحببهم فيها, وشارحًا لجلالها وجمالها وكمالها, ويأخذ الشاب رأيًا من آراء الفقهاء, في فرعية من الفروع, فيلتزمها ويظن ألا دين بغيرها, ويتعصَّب لها, ويظن أنه فقه الدين كله بها, ويخاشن غيره في الدعوة إليها, ويقاطع من لا يفهم فهمه ويرى برأيه, بل قد يصل به الأمر أحيانًا إلى حد الرعونة في الإلزام برأيه للآخرين, وكل هذا ليس من خلق الدعاة في شيء، بل وليس من الدين في شيء.
إننا لن نستطيع أن نسع الناس بأموالنا ولا جاهنا ولا عشيرتنا ولا منطقنا وأدلتنا؛ لأن هذا فوق مستوى القدرة البشرية, فليسع الناس منا إذن حسن الخلق, فالكلمة الطيبة صدقة, والبسمة الوادعة صدقة, والصحبة الوفية صدقة, والألفة الحانية صدقة, والحرص على كسب القلوب صدقة, والإيثار صدقة.
بهذا ومثله يستطيع الشاب المسلم أن يستميل القلوب إلى جانبه, وينشر دعوته, وينجح في رسالته, يرى فيه أهله وزملاؤه وأساتذته وكلُّ من في محيطه صورةً حيةً جذابةً للدعوة التي يعيش فيها ويعمل من أجلها, فلا يحبونه وحده, بل ويسارعون إلى الدعوة التي يدعو إليها, وهذا هو الجهد المثمر حقًّا في طريق الدعوات, أما التعالي واستجهال الناس والغلظة, فكلها مثبطات ومعوقات ومنفرات.

نصيحتي إليك

أيها الابن الحبيب الداعي إلى الله.. أعرني سمعك لأمنحك نصيحتي, إن الله قسم الخلق قسمين وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27).. ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41)﴾ (الواقعة) فكن يا قرة العين من أصحاب اليمين, ثم جعل الله القسمين ثلاثة: مقتصد وسابق وظالم لنفسه ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ﴾ (فاطر: من الآية 32)، فكن يا حبة القلب من السابقين, ولن نكون يوم القيامة عند الله بنسب أو جاه أو لقب أو مال, فليس لهذا كله مثقال ذرة في موازين الحساب، ولكنه القلب السليم والإيمان واليقين, والجد والجهد وحب الخير للعالمين ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ (88) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾ (الشعراء).

إن صاحب المعراج فضَّله الله على كل الرسل والأنبياء, فقد قال الله سبحانه وتعالى إنهم كانوا لقومهم خاصةً ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ (إبراهيم: من الآية 4)، أما هو صلى الله عليه وسلم فللعالمين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)﴾ (الأنبياء) فهذا كان هذا حال زعيمك صلى الله عليه وسلم، وأنت قد ارتضيته زعيمًا, فكن بين الناس في مثل هذه المكانة السامية, حتى تبلغ عند الله ما تريد, وما ذلك على أي مخلص بعزيز, فهل لنا في عامنا هذا أن نقدم بين يدي هذه الذكرى الحلوة الندية عهدًا مع الله, أن نترك ما ألفنا واعتدنا, وأن نخرج إلى الناس في خلق الداعية الأمين, الرجل الصادق الكريم, المستهين بكل قوى الأرض اعتصامًا برب العالمين, المهذب المتواضع الرصين؟ وأن نكون حيث وصف الله عباده المرتضين ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا (63)﴾ (الفرقان).
من كل قلبي.. من كل جوانحي.. من كل مادياتي وروحانياتي؛ أبتهل إلى الله خاشعا متخشعًا, أن نكون جميعًا هناك، والسلام على عباده الذين اصطفى.

وبعد..

إني لم أعرض لهذا, ليزداد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قدرًا, فكل ما يقال عنه دون قدره بكثير, ولا لا لأثبت هنا أن الله قادر على صنع المعجزات, فهو القادر على كل شيء, ونحن العاجزون عن كل شيء, ولكني أردت أن أهز في صدور المسلمين قلوبًا أخشى أن يكون إحساسها نحو فاجعة القدس بدا يتضاءل, إن استيلاء اليهود على القدس بمثابة النار التي لا تهمد حرقتها, والخزي الذي يحقر جبهة كل مسلم لا يفكر في إزالة هذا العار الأبدي, خزي الدنيا والآخرة, إنه الصدمة المرة التي أراد الله أن ينذر بها المسلمين بمصير محتوم, إن لم يتداركوا حالهم.

إن معاهدةً عُقِدَت بين حكومة مصر وحكومة "إسرائيل", وقد يكون هناك من ارتضاها, قلة أو كثرة لا يهم, ولكننا كإخوان مسلمين لن نعالج هذا الجرح الغائر في صدورنا, إلا بدواء إنقاذ بيت المقدس من بين يدي غاصبيه, حتى ولو استند اليهود إلى كل معاهدات العالم أجمع, ولن نطلب له إلا بعلاج التضحية والفداء, والمران على الجهاد المقدس ننميه في صدور شباب هذا الجيل ليعلِّموه لمن بعدهم, وسننتصر بفضل الله وقوته: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (51)﴾ (الإسراء).
لقد كان ما قلت عن الإسراء والمعراج رأيًا للسابقين أرتاح إليه, فآخذ به, ولمن يرى غير ذلك فله ما يرى, إن أخطأ فله أجر, وإن أصاب فله أجران.. وإنما الخير أردت ﴿وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4)﴾ (الأحزاب).

اذكروا المسجد الأقصى

بقلم: الأستاذ/ صالح عشماوي- الوكيل العام لجماعة الإخوان في عهد الإمام البنا

المسجد الأقصى المبارك
احتفل المسلمون أمس بذكرى من أجلِّ الذكريات، ومعجزة من أروع المعجزات، تلك هي معجزة الإسراء والمعراج، ولست أريد سرد الوقائع والحوادث فقد تكفَّلت بذلك كتب السيرة، ولست أرمي إلى التحليل واستخلاص العبر، وما أكثرها في هذه المعجزة الخالدة، وأخيرًا لن أتعرَّض للدفاع عن ثبوت هذه المعجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الإسراء والمعراج كانا بالجسم والروح معًا وإلا لما كان هناك وجه للغرابة ولما استحقت أن تكون معجزةً.
لن أتناول شيئًا من هذا كله بالتفصيل، وسيرى من هذا كله بالتفصيل، وسيرى القارئ الكريم هذه النواحي جميعًا وقد عالجها إخواني وزملائي الكتاب في غير هذا المكان من "الدعوة".
وإنما أريد أن ألفت نظر المسلمين في يوم ذكرى هذه المعجزة الخالدة لسيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، وإلى لطيفة ربانية وإشارة إلهية، وردت في سورة الإسراء فقد قال تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)﴾ وحين نزلت هذه الآية الكريمة لم يكن في بيت المقدس "مسجد أقصى"، وإنما كان هناك معبد، ولكن القرآن الكريم عبَّر بما سبق في علم الله وقدّر في الأزل، من إقامة المسجد الأقصى في هذه البقعة المباركة.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجه في صلاته إلى بيت المقدس في الوقت الذي كان يتمنى فيه على الله أن يتجه إلى المسجد الحرام، وظل الحال كذلك إلى أن نزل الوحي بالتوجه إلى المسجد الحرام، فتحوَّل الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه ومن ورائه المسلمون من القبلة الأولى إلى المسجد الحرام، قبلة المسلمين جميعًا إلى يوم الدين، وسجل القرآن الكريم ذلك في قول الله ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (البقرة: من الآية 144).
وقد فهم الرسول عليه الصلاة والسلام وفهم الصحاب رضوان الله عليهم، هذه الإشارة الربانية؛ فحققوا قول الحق تبارك وتعالى وفتح المسلمون بيت المقدس في عهد عمر رضي الله عنه، وتحول المعبد القائم هناك وقتئذ إلى "المسجد الأقصى".
وما أحوج المسلمين في هذه الأيام أن يفقهوا من تعبير القرآن الكريم في سورة الإسراء عن المسجد الأقصى معنى كريمًا يدفعهم إلى حفظ الأمانة ولو بذلوا في ذلك دماءهم وأموالهم، ففي هذه الأيام قامت- ويا للأسف في قلب العروبة وفي صميم وطن المسلمين- دويلةٌ لقيطة تُدعى "إسرائيل"، وقد قامت على أكتاف شذَّاذ الآفاق وطريدي الشعوب الذين استطاعوا بمعاونة دول الاستعمار أن يستوطنوا أرض العرب، وأن يخرجوا سكانها الأصليين وأهلها الشرعيين هائمين على وجوههم مشردين ولاجئين!.
وهذه العصابات اليهودية لم يكفِها ما احتلت من أراضي فلسطين، وما استوطنت من أرض العرب والمسلمين، بل إنها لتطمع في وقاحة في توسيع رقعتها حتى تمتدَّ من الفرات إلى النيل! وأكثر من هذا أنها تحلم بضمِّ القدس وهدم المسجد الأقصى وتشييد هيكل سليمان على أنقاضه!.
وقد بدأت إسرائيل العربيدة في تنفيذ خطتها الإجرامية، واعتدت مرارًا على حدود الأردن وسوريا، وليس الاعتداء الوحشي على القوات المصرية في غزة ببعيد.
وعلى هذا فالدرس الأول والمعنى البارز الذي يجب أن يفهمه المسلمون اليوم من تعبير القرآن الكريم في سورة الإسراء؛ هو أنه يجب أن يبقى المسجد الأقصى مسجدًا في أيدي العرب والمسلمين، ولا يتحول أبدًا إلى هيكل في أيدي اليهود، وبذلك يحافظون على الأمانة الغالية التي تسلَّموها من أسلافهم الصالحين وأجدادهم الأولين، وبذلك يبقى تعبير القرآن الكريم سليمًا وصحيحًا متجدِّدًا على مر الدهور وكرِّ العصور.
وعلى المسلمين أن يعتمدوا بعد الله على أنفسهم وسواعدهم وعلى تضحياتهم ودمائهم، ومن الغفلة أن نعتمد على مجلس الأمن أو مجلس اللصوص، وقد خذلنا في جميع قضايانا، وعلى رأسها قضية فلسطين، وها قد رأينا أخيرًا كيف وضع بيرتز تقريره عن الاعتداء الوحشي الأخير، وفيه أيَّد "إسرائيل" وناصر وجهة نظر الصهيونيين!.

فليفقه المسلمون قرآنهم كما فهمه الصحابة من قبل، ولينفذوا آياته وليوطدوا أنفسهم على رد العدوان بالقوة والعاقبة للمتقين.

--------

المصدر:

1- مجلة (المسلمون): العدد 6، السنة الأولى، شعبان 1371هـ الموافق مايو 1952م.

2- مجلة (الدعوة): العدد 211، 27رجب 1374هـ الموافق 22مارس 1955م.

دروس من الإسراء والمعراج!!

فضيلة شهر رجب والعمل فيه بين القبول والرد

لا توجد تعليقات على هذا المقال
السابق 1| التالي

الاسم:

البلد:

البريد الإلكتروني:

التعليق

يرجى ألا يزيد التعليق عن 1000 حرف

يلتزم الموقع بنشر جميع التعليقات ما لم تشتمل على تجريح أو سب أو قذف لأشخاص أو هيئات