الأحد، يناير 31، 2010

العمل المتواصل واستمرار العطاء

العمل المتواصل واستمرار العطاء








الشرقية أون لاين - 28/01/2010



د. محيي حامد





إن وضوح الرؤية حول دعوة الإخوان المسلمين وأهدافها ومنهجها في كيفية النهوض بالأمة الإسلامية وتحقيق المشروع الإسلامي الحضاري، وما يتبع ذلك من استشعار المسئولية وتوافر الحماسة والإرادة القوية التي لا يتطرَّق إليها ضعفٌ ولا يأسٌ من إحداث الإصلاح والتغيير المنشود؛ كل هذا يتطلَّب العملَ المتواصلَ واستمرار العطاءَ والتضحية؛ لأن طريق الدعوة غيرُ مفروش بالورد، بل طريقٌ شاقٌ طويلٌ وليس بالسهل القصير؛ فهي صراعٌ بين الحق والباطل، يتطلب صبرًا واحتمالاً وبذلاً وعطاءً وتضحية دون تعجُّلٍ لنتائج ودون يأسٍ أو قنوطٍ.







إن العمل الصالح مرادفٌ للإيمان ومصدِّقٌ له، وهما معًا من أسباب التمكين والنصر في الحياة الدنيا، ومن أسباب النعيم في الجنة، والعمل في مجال الدعوة من أجل التمكين لدين الله في الأرض وإقامة دولة الإسلام من أفضل مجالات العمل الصالح وأشرفها.







ولقد اهتم الإمام البنا رحمه الله بقضية العمل أيَّما اهتمام، فجعل ركن العمل من أركان البيعة العاشرة التي يحفظها كل أخ، قولاً وفعلاً، ويعاهد الله على أن يعمل بها حتى يلقاه وفيًّا لبيعته التي بايع عليها، ولقد حدَّد الإمام البنا رحمه الله "مراتب العمل المطلوبة من الأخ الصادق:



1- إصلاح نفسه حتى يكون: قويَّ الجسم، متينَ الخلق، مثقَّفَ الفكر، قادرًا على الكسب، سليمَ العقيدة، صحيحَ العبادة، مجاهدًا لنفسه، حريصًا على وقته، منظَّمًا في شئونه، نافعًا لغيره، وذلك واجب كل أخ على حدته.







2- تكوين بيت مسلم؛ بأن يحمل أهله على احترام فكرته، والمحافظة على آداب الإسلام في كل مظاهر الحياة المنزلية، وحسن اختيار الزوجة، وتوظيفها على حقها وواجبها، وحسن تربية الأولاد والخدم وتنشئتهم على مبادئ الإسلام, وذلك واجب كل أخ على حدته كذلك.







3- إرشاد المجتمع بنشر دعوة الخير فيه، ومحاربة الرذائل والمنكرات، وتشجيع الفضائل، والأمر بالمعروف، والمبادرة إلى فعل الخير، وكسب الرأي العام إلى جانب الفكرة الإسلامية بمختلف مظاهر الحياة العامة بها دائمًا، وذلك واجب كلٍّ على حدته، وواجب الجماعة كهيئةٍ عامةٍ.







4- تحرير الوطن بتخليصه من كل سلطان أجبني غير إسلامي سياسي واقتصادي أو روحي.

5- إصلاح الحكومة حتى تكون إسلاميةً بحق، وبذلك تؤدي مهمتها كخادمٍ للأمة وأجيرٍ عندها وعاملٍ على مصلحتها، والحكومة إسلامية ما كان أعضاؤها مسلمين مؤدين لفرائض الإسلام غير مجاهرين بعصيان، وكانت منفِّذةً أحكام الإسلام وتعاليمه.







6- إعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية؛ بتحرير أخطائها وإحياء مجدها وتقريب ثقافتها وجمع كلمتها؛ حتى يؤدي ذلك كله إلى إعادة الخلافة المفقودة والوحدة المنشود.







7- أستاذية العالم بنشر دعوة الإسلام في ربوعه.







وهذه المراتب الأربعة الأخيرة تجب على الجماعة، وما أثقلها تبعات!!، وما أعظمها مهمات!!، يراها الناس خيالاً ويراه الأخ المسلم حقيقةً، ولن نيأس أبدًا، ولنا في الله أعظم أمل".







إن مراتب ركن العمل التي حدَّدها الإمام البنا رحمه الله تشمل العديد من المهام والواجبات التي تحتاج إلى عزائم الرجال وأصحاب الهمم العالية؛ حتى يمكن تحقيقها وفقًا لما هو منشودٌ منها، ولذا فقد وجب على كل أخ وصاحب رسالة- الذي عقد الصفقة الرابحة مع الله طمعًا في الفردوس الأعلى- أن يسخِّر كل ما يملك من وقتٍ وجهدٍ ومالٍ وعلمٍ ونفسٍ في مَيْدان العمل للدعوة والجهاد في سبيل الله، ولا يبخل بشيء من ذلك؛ وفاءً لبيعته كما ورد في ركن التضحية؛ فلا دعوةَ بدون جهاد، ولا جهادَ بدون تضحية، ولا تضيع في سبيل فكرتنا تضحيةٌ، وإنما هو الأجر الجزيل والثواب الجميل.







إن الأخ المجاهد في سبيل الله لرفعة هذا الدين والتمكين له وللنهوض بالأمة الإسلامية في مواجهة التحديات الحالية والمستقبلية لا بد أن يكون على درجةٍ عاليةٍ من الفهم الصحيح لدينه والفهم الشامل النقي لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يكون على درجةٍ كبيرةٍ من الإخلاص، وأن يكون ممن يؤثرون العمل على القول؛ بعد أن عرف الطريق، وأخلص النية لله، وتجرَّد لدعوته مما سواها من المبادئ والأشخاص.







ولقد ذكر الإمام البنا رحمه الله أن رجل القول غير رجل العمل، ورجل العمل غير رجل الجهاد، ورجل الجهاد فقط غير رجل الجهاد المنتج الحكيم؛ الذي يؤدي إلى أعظم الربح بأقل التضحيات، وأن كثيرين يستطيعون أن يقولوا، ولكنَّ قليلاً من هذا الكثير يثبت عند العمل، وكثيرًا من هذا القليل يستطيعون أن يعملوا، ولكنَّ قليلاً منهم يقدرون على حمل أعباء الجهاد الشاقة والعمل العنيف، وهؤلاء هم المجاهدون، وهو الصفوة القلائل من الأنصار، ولكنهم قد يخطئون الطريق ولا يصيبون الهدف إن لم تتداركهم عناية الله.







وعلى صاحب الدعوة أن يؤدي واجباته دون أن تؤثر محصلة إنتاجه في سيره؛ فلا يداخله الغرور إذا فتح الله عليه وأقبل عليه الناس، كما لا يداخله اليأس أو تفتُر همَّته إذا لم يستجيب لدعوته إلا القليل أو إذا تعرَّض للأذى ممن يدعوهم، بل عليه أن يصبر على أذاهم ويقول "رب اهدِ قومي؛ فإنهم لا يعلمون".







إن صاحب الدعوة مطلوبٌ منه أن يعمل في مجال الدعوة إلى الله، ومنوطٌ به أعمالٌ أخرى؛ كعمله الذي يكتسب منه، ومهام أسرته وبيته، وهذه الأعمال كلُّها عبادةٌ لله ما دامت النيِّة الصادقةُ والصحيحةُ متحقِّقةً، وما دامت سيرة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم مقتدًى بها، وسنته صلى الله عليه وسلم متَّبعةً قولاً وفعلاً، وما دام صاحب الدعوة يستطيع أن يوظِّف عمله الحياتي والوظيفي فيما ينفع أمر هذه الدعوة ويرفع من شأنها في جميع المجالات والتخصصات التي تُبنى عليها نهضة الأمم والشعوب، وهذا يتطلَّب التوازنَ بين متطلبات العمل الدعوي والعمل المعيشي وباقي المهامِّ المطلوبة منه.







قد يتفاوت الأفراد في مقدار ما يقدِّمون في مجال العمل للدعوة؛ فقد نرى أخًا استحوذ عليه العمل للدعوة بدرجةٍ كبيرةٍ ووجد في ذلك سعادتَه ومتعتَه، وقد يكون ذلك على حساب عمله المعيشي أو على حساب أهله وبيته وأولاده أو على حساب صحته وأعصابه، وفي الجهة المقابلة قد نجد من استحوذ عليه عمله المعيشي ومشاغل الآسرة والأولاد، وكان ذلك على حساب عمله في مجال الدعوة بل على حساب آخرته إن لم تتداركه رحمة الله، وبين تلك الصورتين صورٌ متعددةٌ بدرجاتٍ متفاوتةٍ، والصورة السليمة والمثلى هي أن يؤديَ الأخ عملَه المعيشي على وجهٍ صحيحٍ؛ فهو عبادةٌ وعليه أن يتقنه؛ ليكون دخلُه حلالاً طيِّبًا، ويعطي أهله وبيته حقَّهم من الرعاية والعاطفة والمودة؛ فهو راعٍ لهم ومسئولٌ عن رعيته، وأن يعطي بدنَه حقَّه وإلا تعرَّض للعلل والأسقام، ويكون ذلك سببًا في عجزه عن القيام بأعباء الدعوة، أو يتأثَّر عمله وإنتاجه وعلاقاته مع غيره من إخوانه بسبب ذلك.







وقبل ذلك كله وأثناءه وبعده يعطي الأخ لدعوته خلاصةَ وقتِه وجهدِه ومالِه دون أن يقصِّر في واجباته الأخرى، وهذا يتطلَّب تحديد الأولويات وتنظيم الجهود والأوقات والمحافظة عليها وتوزيعها على الواجبات والمهامّ المطلوبة بشكلٍ متوازنٍ ودقيقٍ؛ حتى يمكن أن يؤديَها على أحسن وجهٍ وفي أكمل صورة، ويتطلَّب ذلك أيضًا عدمَ الانشغال بالحياة الدنيا وتطلُّعاتها التي لا تنتهي أبدًا، وكم من نماذج تأثَّر عطاؤها في الدعوة بسبب الطموحات والتطلعات الحياتية والتنافس في الدنيا!!.. فلنحذر من ذلك، ولنأخذْ أنفسنا بقول الله سبحانه وتعالى: @831;يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11)@830; (الصف).







إن مجالات العمل المتعددة للدعوة لا بد أن تتناسب مع الهدف العظيم الذي تتصدَّى لتحقيقه، وتحتاج إلى زمنٍ طويلٍ وجهودٍ كبيرةٍ، وإنه لا يصلح لتحمُّل هذه الأعباء والقيام بهذه الأعمال إلا من رصد حياته لهذه الدعوة، وأعدَّ النفس لها وفطمها عن شهواتها ومألوفاتها، ولذا وجب على كل أخٍ أن يحرص على وقته وشغله بكل عمل جادٍّ نافع لدعوته، لا نصيب للهوٍ أو لغوٍ أو سهوٍ في وقته؛ لأنه يعلم أن الوقت هو الحياة، وأن الواجبات أكثر من الأوقات، بل عليه أن يفرح ويسعد بتوفيق الله تعالي له في شغل وقته بالعمل للدعوة، واستنفاد طاقتَه فيها، وذلك من فضل الله عليه @831;قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ@830; (يونس: 58).







إن هذه الدعوة لا يصلح لها إلا من أحاط بها من كل جوانبها، ووهب لها ما تكلِّفه إياه من نفسه وماله ووقته وصحته، وأخذت الدعوة عليه لبَّه، والتحمت مع روحه وقلبه، وكان متحمسًا لتحقيقها في واقع الأمر، ولن نستطيع أن نحقق نصرًا لديننا ولأمتنا إلا إذا كان عملنا عن عقيدةٍ واقتناعٍ، واختلطت قلوبنا بعقيدتنا، وعقيدتنا بقلوبنا، فأصبحنا نحن الفكرة، والفكرة نحن، وعندما تخلو نفوسُنا من حظ أنفسنا، عندئذٍ يتنزل نصر الله على عباده العاملين المجاهدين في سبيله.







إن استمرار الدعوة وانتشارها وتماسك بنيانها يتطلَّب منا العمل المتواصل الذي لا يتأثَّر أو يضعف أو يتراجع تحت أي ضغطٍ أو ظروفٍ طارئةٍ نتعرَّض لها، ولنعلم أن نجاحنا يكمن في استمرار العطاء والعمل الجادّ من أجل تحقيق غايتنا وأهدافنا، وليستشعر كل أخٍ منا أنه عندما يبذل للدعوة وقته أو جهده فإنه يأخذ أجرًا عظيمًا وثوابًا جزيلاً ورضىً من رب العالمين؛ مما يدفعه إلى مزيدٍ من العطاء والبذل والتضحية، وهكذا دواليك، وتصبح القاعدة الحاكمة: "عندما أعطي إنما آخذ" هي المنطلق والمحرِّك الأساسي الذي يدفع الجميع إلى التنافس في تقديم كل الجهود والأوقات والأموال والأنفس من أجل رضى الله عز وجل وابتغاء جنته.







فهل نشمِّر ونجتهد ونعطي ونبذل كلَّ ما عندنا، ويصدق فينا قول ربنا @831;إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ@830; (التوبة: من الآية 111)؟!، وهل نعقل قول ربنا عز وجل @831;وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ@830; (الأنعام: 32) فتهون علينا دنيانا من أجل أخرانا، فتصبح الآخرة أكبر همِّنا؟!







إننا في حاجةٍ إلى يقظةِ المشاعر والقلوب التي تحرِّك الجوارح والعقول، فينتفض الجسد كله للعمل الدءوب المتواصل؛حتى يتحقق نصر الله- ز وجل- وما ذلك على الله ببعيد!.







فهلمَّ بنا إلى العمل الجاد المتواصل لإعلاء كلمة الله تعالى في الأرض والتمكين لدينه؛ لإسعاد البشرية وسيادة الدنيا، ونسأل الله أن يلهمنا رشدًا، وأن يوفقنا للعمل الصالح.. آمين.



------------



* عضو مكتب الإرشاد.





الثلاثاء، يناير 26، 2010

سقطت جدرانهم ... فمتى تسقط جدراننا

سقطت جدرانهم ... فمتى تسقط جدراننا


الأثنين 25 يناير 2010

والغربي والمناطق المحيطة في ألمانيا الشرقية كان الغرض منه تحجيم المرور بين برلين الغربية وألمانيا الشرقية بدأ بناؤه في 13 أوت 1961 وجرى تحصينه على مدار السنين ثم تم فتحه في 09 نوفمبر 1989 وهدم بعد ذلك بشكل شبه كامل، سقط هذا الجدار بعد 28 عاما وسقطت معه أحقاد الشرق والغرب وأبت الألمانيتين إلا الوحدة على حساب التفرق والمحبة بدل العداوة والتجاذب بدل التنافر، فآلت ألمانيا اليوم إلى ما آلت إليه من رفعة وسؤدد ورقي وتقدم وازدهار، أما جدراننا العربية فما تزال شاهقة كالجبال وتزداد حجاراتها البائسة تماسكا ووحدة، فهل هذا الواقع آيل إلى زوال؟

كثيرة هي الجدران العربية التي تفصل بين محمد في الجزائر وأحمد في مصر وزيد في سوريا وعمر في العراق... وكثيرة هي الجدران التي تفصل بين عائشة في الصومال وبين أختها فاطمة في ليبيا...إلخ نعم إنها جدران العار التي قسمت الأمة العربية والإسلامية إلى طوائف وملل ونحل متناحرة يضرب بعضها بعضا ويتآمر بعضها على البعض الآخر, جدران ورثت الخلاف للأجيال العربية المتعاقبة حتى أصبح الإيمان بهذه الجدران وعبادتها يكاد يكون شرطا من شروط المواطنة

والانتماء, بل وكلما أضفت أيها العربي لبنة على هذه الجدران صرت مواطنا عربيا بامتياز بل وأصبحت العربي الحر الممدوح صباح مساء, بل وسر تحت رعاية وحراسة وتشجيع بناة هذه الجدران ومشيديها ولا ضير أن تكرم على أعلى المستويات وتستدعى إلى الملتقيات والمحافل ليقلدوك وسام العروبة على المجهودات التي بذلتها في بناء هذه الجدران, أما من يحاول تهديم جدار واحد أو كل الجدران فسيصنف لا محالة في خانة الأعداء والمعكرين للصفو العام بل ويعتبر خصما أو عربيا غير مرغوب في عروبته وانتمائه.

إنها جدران جلبت لأمتنا العربية الخذلان و الذل والهوان والصغار ميعت الثقافة في مقابل ثقافات ونظم اجتماعية غربية تطبق علينا مرة باسم العولمة ومرة أخرى باسم حوار الحضارات وباسم التكامل الثقافي في مرات أخرى وفي ظل هذا الواقع المتردي ورغما علمنا به ما نزال نبني ونشيد الجدار تلو الجدار.

أوروبا التي ضربت أروع الأمثلة في الوحدة رغم ما يشوب هذه الأخيرة من نقائص وتحديات وعقبات كثيرة إلا أن وحدتها في التصورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بل وحتى العسكرية والرياضية جعلت من تجربتها مثالا يحتذى بها وأنا هنا لست مادحا أو منبهرا في هذه التجربة بقدر ما أنا منبهر كيف لأعضاء هذه الدول المختلفين جغرافيا ومذهبيا ولغويا أن يصبروا على بعضهم البعض بل ويتجاوزوا خلافاتهم التاريخية وماضيهم الدموي الملئ بالمآمرات والمجازر والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان وما الحرب العالمية الأولى والثانية عنا ببعيد وإلا ما الذي يجمع الألماني المتعصب لعرقه وبنو جنسه الناطق بالألمانية بالفرنسي الناطق بالفرنسية والمتعصب هو الأخر للغته وتاريخه الإمبراطوري التوسعي الاستعماري كما تجاوز البلدان مشاكلهم الحدودية الكبيرة بل ما الذي يجمع الايطالي الذي تحتضن أرضه عرش الفاتيكان مهد المسيحيين الكاثوليك والناطق باللغة الايطالية بالبريطاني الناطق بالانجليزية والذي يستهويه هوى الأمريكيين وحبهم كثيرا بل ما الذي يجمع الأوربيتين الشرقية والغربية رغم الاختلافات الهائلة بينهما في شتى المجالات والميادين المختلفة إنها وحدة غريبة فعلا تجعل من الإنسان يقف كثيرا عندها والاتحاد الأوروبي رغم تشدقه بالعلمانية وإبراز الوجه الاقتصادي لهذا الاتحاد إلا أنه وكما وصفه الكثير من عقلاء وحكماء هذا العالم أنه نادي مسيحي رفض وما يزال وسيظل يرفض انضمام تركيا المسلمة إليه في إعلان صارخ للتعصب الديني لهذا النادي المسيحي.

تقدموا وتأخرنا للأسف الشديد توحدوا وتفرقنا غلبوا الحكمة وغلبنا العصبية أثاروا التسامح وآثرنا الحقد والانتقام إنها جدران العار التي حالت دون تقدمنا وهي جدران كثيرة لا يسع المجال إلى ذكرها جميعا وسنقتصر على أهمها:

جدار الخلافات الحدودية

إنه جدار شاهق عمق الخلافات بين الدول العربية والإسلامية وهو أحد العوامل الرئيسية في منع الوحدة ورسم مشروع إسلامي واحد لمواجهة باقي التكتلات على غرار أوروبا ودول آسيا... بل ووصلت الخلافات حتى إلى تجنب الجلوس إلى طاولة واحدة وطرح هذه الخلافات بكل صراحة ومكاشفة ضمن مؤسسات عربية وإسلامية خالصة فلا يعقل أن تتدخل أوروبا وأمريكا وآسيا لحل مشاكل الإخوة المتخاصمين ومؤسساتنا مغيبة على غرار منظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية... فمشكلة الصحراء الغربية مثلا وترت العلاقات ليس بين المغرب والجزائر فحسب بل امتدت ظلالها إلى عرقلة الاتحاد المغاربي برمته وعصفت بكل المجهودات المخلصة للنهوض بهذا الاتحاد الذي لم تم تفعيله لصنع المعجزات كونه يمتلك كل مؤهلات الوحدة: فالجغرافيا موحدة والموقع استراتيجي والدين واحد واللغة واحدة واللهجة متقاربة بل وحتى المذهب واحد وهو المذهب المالكي رغم كل هذه المؤهلات مازال المشكل قائما والخلاف حادا ضف إلى ذلك مشكلة الجزر الإماراتية مع إيران وإدعاء كليهما أحقيته بها مرورا بالمشاكل الحدودية بين العراق والكويت قديما وحديثا وصولا إلى المشاكل الحدودية بين سوريا ولبنان وانتهاء إلى مشاكل حدودية قد تنشأ بين الفينة والأخرى متناسين حديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم في ما يعرف بمبشرات النصر التي ساقها نبينا الكريم في الكثير من المناسبات: "يا مسلم يا عبدالله هذا يهودي خلفي تعال فاقتله" فورد النص ب: يا مسلم ولم يقل يا مصري أو يا جزائري أو يا عراقي أو يا سوري فصلى الله على سيدنا محمد.

جدار التآمر

لم تقر كل التشريعات والملل والنحل سابقا ولاحقا مشروعية أن يتآمر الأخ على أخيه أو الصديق على صديقه أو الجار على جاره وتاريخنا العربي للأسف الشديد ملئ بالتآمر وسوف أقتصر فقط على ذكر الجدار الفولاذي أو ما سمي بجدار العار الذي تبنيه الحكومة المصرية فهل يعقل أن قطاعا محاصرا وضعيفا وفقيرا ومخنوقا يهدد دولة عظمى بحجم ومساحة مصر التي تربطها بعض الكيلومترات مع قطاع غزة في حين تربطها بالكيان الصهيوني المحتل أضعاف أضعاف أضعاف الكيلومترات لتقضي بذلك مصر على آخر شريان ومنبع حياة كان يعتمد عليه شعب غزة المسكين في مأكله ومشربه وملبسه في ضرب صارخ لأدنى معاني الجيرة والأخوة وأبناء الدين الواحد واللسان الواحد, فهل يمكن أن نصدق أن ممثلة أمريكية تبيع بعضا من ممتلكاتها وأثاثها لتتبرع به لصالح أطفال غزة اليتامى والمشردين بينما يقف الإخوة الأشقاء في وجه هؤلاء المنكوبين الذين لا يجدون ما يأكلون فضلا عن امتلاكهم لأسلحة تهدد ما يسمى بالأمن القومي، أم هل نصدق أن نائبا بريطانيا اسمه "جورج غالاوي" يتحدى الكل ويفارق عائلته ومشاغله في لندن ليوصل شيئا من حياة لقطاع تآمر عليه الصديق قبل العدو والقائمة مفتوحة للمتعاطفين اليهود والنصارى وكثير من عقلاء وحكماء العالم الذي قلت فيه الحكمة والعقل.

فلكم الله يا شعب فلسطين

جدار العصبية

عندما بعث "النبي صلى الله عليه وسلم" وجد التعصب عادة جاهلية مقيتة تم تشييد جدارها وتقويته لبنة لبنة ليكون عاليا وشاهقا فالعصبية كانت مصدرا للرزق عند بعض المرتزقة جاء الإسلام ليهدمه بلا عودة فقضى على القبلية والطبقية والزعاماتية ليرصخ مبادئ المساواة وألا فرق بين عربي أو أعجمي إلا بالتقوى فتعايش عمر العربي مع سلمان الفارسي وبلال الحبشي وصهيب الرومي.

يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: "لم يرسخ محمد صلى الله عليه وسلم مبدأ الإخوة الإسلامية فحسب بل الإخوة العالمية والإنسانية وكان يقول عليه الصلاة والسلام أشهد أنك الله لا إله إلا أنت وأشهد أن العباد كلهم إخوة."

لكننا نرى وللأسف الشديد أن العصبية والتعصب عاد من جديد ودب في جسم أمتنا العربية والإسلامية فأصبحنا نسمع عن الشيعي والسني العربي والكردي الفارسي والأحوازي التركي والعجمي فهل يعقل أن يخاطب مسلم أخاه المسلم بالقول أنني مسلم أكثر منك أو عبي أبلغ منك وهل يصدق أن يخاطب العربي أخاه العربي بأوصاف يأبى الإنسان ترديدها وذكرها أم هل يعقل أن يختلف العرب والمسلمون عن أكثر القضايا تعقيدا في هذا الزمان وهي القضية الفلسطينية أم هل بلغ الخلاف والتردي وضيق الحسابات إلى درجة الاختلاف والخلاف حول المبادئ والمقدسات؟

لا يمكنني أن أصدق أبدا أن كرة القدم وهي مجرد لعبة لا تتجاوز منطق الربح والخسارة أن توتر العلاقة بين شعبين وبلدين عربيين ومسلمين ولماذا لم يحدث هذا مع الايرلنديين والفرنسيين الذين تأهلوا وأقصد هنا الفرنسيون إلى المونديال ولكن بطعم الخسارة ولماذا لم ينتفض الايرلنديون على ظلم الفيفا

لهم وما أدراك ما الأيرلنديون التي كانت أرضهم ولا تزال مسرحا لأشهر الحروب دموية وعنفا وتطرفا بين أبناء الدين الواحد الكاثوليك والبروتستانت. يجب أن نراجع حساباتنا ونعود إلى جذورنا التي ارتقى بتطبيقها أجدادنا وسادوا أمما كانت قبل مجئ الإسلام عصية على المواجهة لقوتها وجبروتها ليرسخ المسلمون آنذاك مبادئ المساواة والمحبة والتسامح والرقي ونبذ العنف والتطرف والتخلف مبادئ لم يجمع العالم عليها إلا مأخرا فيما أصبح يعرف بالميثاق العلمي لحقوق الإنسان.

أمل النهوض ممكن

لم نشأ في هذه الإطلالة الاكتفاء بوصف ما تعانيه أمتنا وإن كان الوصف عبارة عن صرخة لا بد منها لكل عربي أو مسلم يحب أمته ودينه فرغم الجدران التي ذكرناها والكثير من الجدران الأخرى التي لم نذكرها إلا أننا نقول في الأخير أن الخير في الأمة باق فهي أمة قد تمرض نعم, كما قد تنام نعم, كما قد تتعب وتفتر نعم, ولكنها لن تموت وستصحو في يوم موعود وفق الآيات والأحاديث الشريفة ستصحو بطاقاتها وثرواتها وشبابها وبالكثير من المواهب الكامنة التي ينقصها الاكتشاف والاستخراج والاستعمال.


د. البيومي: الأنشطة الزلزالية الضخمة تهدد منطقتنا [26/01/2010][08:48 مكة المكرمة]



د. البيومي: الأنشطة الزلزالية الضخمة تهدد منطقتنا [26/01/2010][08:48 مكة المكرمة]






الدكتور رشاد البيومي







































- الغردقة وشرم الشيخ وسفاجا وجدة.. مهدَّدة بزلازل مدمرة



- السيول نعمة ربانية ولكن حكوماتنا لا تعرف استغلالها



- هناك فالق مائل كامن تحت القاهرة يُحتمل نشاطه في أي لحظة



- أسوان تتعرَّض لزلازل يومية بسبب بحيرة ناصر



- تحذيرات غرق الدلتا حقيقة ولا بد من إستراتيجية للإنقاذ



- مفاعل ديمونة يمثل خطرًا كبيرًا على العريش ورفح







أجرى الحوار- عبد المعز محمد، شارك فيه- محمد سعيد:



حالة من الرعب والفزع اجتاحت العالم مع تصاعد وتيرة مخاطر الكوارث الطبيعية التي تضرب بلدان العالم من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، فمع الجهود المبذولة لخفض نسبة الغازات المنبعثة من الدول الصناعية وتسببها في ظاهرة الاحتباس الحراري أصبح الوضع البيئي والإنساني على المحك.







وجاءت كارثتا هاييتي والسيول في مصر لتزيد من المخاطر التي يستشعرها الناس، فزلزال هاييتي راح ضحيته أكثر 120 ألف قتيل وأكثر من 250 ألف جريح، فضلاً عن تدمير البنية التحتية، وتسببت السيول في سيناء وأسوان في مقتل وإصابة العشرات واختفاء قرى بأكملها وتحولها إلى برك مياه في ظل عجز حكومي فاضح في التعاطي مع الكارثة.







(إخوان أون لاين) حاور الدكتور رشاد البيومي أستاذ الجيولوجيا بجامعة القاهرة ووكيل نقابة العلميين، وعضو الجمعية المصرية الجيولوجية المصرية، وعضو الجمعية الجيولوجية الأمريكية، وعضو مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين؛ حول أسباب تلك الكوارث المتلاحقة، وأين تقع المنطقة العربية منها، ومدى تأثيرها، وكيفية التعامل معها، وحول خطورة تآكل الشوطئ واختفاء الدلتا واحتمالية تعرض القاهرة ومدن مصرية وعربية لخطر الزلازل؛ فإلى نص الحوار:



* كيف ترى القصور الحكومي الشديد الذي كشفت عنه كارثة السيول الأخيرة التي اجتاحات سيناء وأسوان، وعدم الاستفادة منها؟



** السيول نعمة ربانية وللأسف يتم التعامل معها بشكل سيئ للغاية، وما حدث من عمل إنشاءات في مجرى السيل هو جريمة، فمخرات السيول وخاصة في المناطق المنكوبة معروفة ومحددة، والتعامل معها بهذا الشكل يعد فسادًا يجب محاسبة المسئولين عنه.







* وكيف يمكن الاستفادة من السيول وتحويلها من ضرر إلى منفعة عامة؟



** بشكل مبسط لا يحتاج إلى تعقيد، يأتي ذلك من خلال بناء سدود وخزانات على الوديان ومخرات السيول تتم الاستفادة منها في الزراعة لنفع الناس، خاصة أن تلك المناطق التي تحدث بها السيول مناطق قاحلة يندر فيها المطر كما هو الحال في وادي العريش ووادي قنا.







كارثة هاييتي

آلاف الضحايا سقطوا في الزلزال المدمر بهاييتي









* في نفس الوقت الذي ضربت فيه السيول كلاًّ من سيناء وأسوان، ضرب هاييتي التي تقع على المحيط الأطلنطي زلزال راح ضحيته أكثر من 120 ألف قتيل وأكثر من 250 ألف جريح.. فما الأسباب العلمية التي تقف وراء هذا الزلزال؟



** هاييتي جزيرة بركانية نشأت نتيجة نشاط بركاني تحت القشرة الأرضية، وغالبًا ما يحدث ذلك في تلك المناطق وخاصة منطقة البحر الكاريبي الذي يشهد بين الحين والآخر نوعًا من النشاط الزلزالي والبركاني، ينتج عن ذلك ظهور صخور بركانية من قاع المحيط شكلت عبر آلاف السنين "هاييتي"، وتسمى تلك المناطق بـ"بلوم" الزهرة، لأنها دائمًا تكون غير مستقرة على الإطلاق، وبحسب نظرية الألواح المتحركة، فإن المحيط الأطلنطي ينفرج من 1 سم إلى 1.7 سم كل عام من خلال قياسات علمية محددة، وأن تلك الطفوح البركانية الموجودة في قاع المحيط نتيجة النشاط البركاني، يكون من المتوقع ونتيجة الحركة الدائمة تحت الضغط الكامن داخل الصخور من المتوقع أن يحدث زيادة في الضغط الداخلي مما ينتج عنه الزلزال أو البركان، وهو ما شاهدناه في هاييتي، فالزلزال وصل إلى 8 ريختر، وهو ضخم جدًّا ومدمر فضلاً عن توابعه التي تحدث دمارًا كبيرًا هي الأخرى.







* في الآونة الأخيرة وبخاصة عند حدوث زلازل في بلاد تطل على المحيطات يتوقع البعض حدوث ما يسمى بتسونامي.. فما الحقيقة العلمية لذلك أيضًا؟



** هناك مجموعات من الزلازل أكثرها خطورة التي تصل إلى 9 ريختر لأنها عندئذ تكون مدمرة، فضلاً عن توابعها التي تبلغ 6 و7 و8 درجات بمقياس ريختر، وكما قلت لك إن تلك الزلازل نتيجة حركة صخرية داخل المحيطات، فيحدث ما يسمَّى بالتسونامي، وهو عبارة عن كمية كبيرة من المياه والأمواج تهاجم الشواطئ بأكبر من سعتها، فينتج من ذلك فيضانات كبيرة وغزو أمواج؛ ما يتسبَّب في دمار شاسع مثل ما شاهدناه منذ سنوات قليلة في جنوب شرق آسيا مخلفًا وراءه آلاف القتلى وعشرات البيوت المدمرة.



* مع التقدم العلمي الضخم لماذا لا توجد آلية تكنولوجية لتوقع حدوث الزلازل؟



** بالفعل هناك أبحاث علمية كبيرة ومتقدمة للغاية في كثير من دول العالم، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية لقياس ذلك الضغط الكامن الذي يتسبَّب في حدوث الزلازل، بل إن بعض الأبحاث استعانت في أبحاثها ببعض أنواع الحيوانات التي لديها القدرة على استشعار الخطر، ولكن رغم ذلك يبقى العلم عاجزًا عن معرفة أو توقع متى وأين وكيف يقع الزلزال.







مدن عربية مهددة











* ما أكثر الدول أو المناطق الذي يهددها هذا الخطر؟



** الأكثر تعرضًا لهذا الخطر هي دول جنوب شرق آسيا، وخاصة ماليزيا وإندونيسيا وشبه القارة الهندية، وفي البحر المتوسط تركيا وقبرص، وفي البحر الأحمر المدن الساحلية وخاصة الغردقة وشرم الشيخ وسفاجا، والدول المواجهة للمحيطين الأطلنطي والهادي.







* وأين تقع المنطقة العربية من هذه النشاطات البركانية والزلزالية؟



** المنطقة العربية وللأسف واقعة أمام خطر هي الأخرى، وإن كان ذلك بشكل مختلف أو أقل ضررًا، فهناك مناطق بها نشاط بركاني داخلي كالبحر الأحمر الذي ينفرج سنويًّا وبحسب القياسات العلمية من 1 سم إلى 1.5 سم سنويًّا، وينتج من ذلك طفوح بركانية تترسب على شاطئيه، وتسببت في حدوث زلازل في أوقات سابقة، وأتذكر أثناء حضوري مؤتمر في لندن أوائل الثمانينيات كانت هناك تحذيرات علمية للسعودية بعدم بناء مدن سكنية كبيرة على المدن الساحلية إلا على بعد 100 ميل؛ لأن ذلك الانفراج في البحر الأحمر قد يؤثر بحركته النشطة في تلك المدن، كما أن هناك انكماشًا في البحر الأبيض الذي يضيق سنويًّا بنسب مختلفة، وكذلك هناك حركات نشطة تحت الجزيرة القبرصية حيث يوجد تحتها فالق نشط يتسبب في حدوث زلازل تتعرض له الدول العربية المطلة على البحر الأبيض.







مصر والزلازل



* هل معنى ذلك أن مصر بعيدة عن حزام الزلازل؟





مصر شهدت زلازل وعواصف وسيولاً بشكل متكرر







** هذا كلام غير دقيق، فالقاهرة وكما هو معروف علميًّا موجود تحتها فالق كامن، من الممكن أن ينشط في أي لحظة، وأعتقد أن الدول التي تفكر بشكل صحيح تقوم ببناء المنازل وإنشاءاتها طبقًا لـ"كود الزلازل"؛ الأمر الذي يقلل من نسبة الخسائر البشرية والإنشائية في حال حدوث زلازل وهو ما لا نطبقه للأسف؛ ما يعرِّضنا لكارثة في حال حدوث نشاطات زلزالية، لا قدر الله.







* الأبحاث العلمية ذكرت أيضًا أن البحيرات الصناعية تشكل خطرًا على الدول التي تقع فيها.. فما مدى صحة ذلك؟



** لا شك أن البحيرات الصناعية الكبرى تمثل خطرًا على الدول التي تقع فيها مما ينتج منها الكثير من الزلازل المدمرة، وبحسب المقولة العلمية الشهيرة "عندما تعمل بركة ينتج عنها بالتأكيد زلازل"، وهو الأمر الخطير الذي يتعرض له العديد من أهالي أسوان نتيجة بحيرة ناصر خلف السد العالي، لأن هذه البحيرة أدت لوجود خلل في طبقات الأرض بعكس البحيرات الطبيعية، وهذا الخلل تعبر عنه الأرض بزلازل، وهناك بعض الأماكن بأسوان خلف السد تتعرض لما بين 3 إلى أربع زلازل أسبوعيًّا، إلا أن الله سبحانه وتعالى كان رءوفًا بنا بوجود فالق الكلابشة الموجود في تلك المنطقة لأنه يمتص المياه من البحيرة ويخفف من حدة تلك الزلازل المتتابعة.







ولعلنا نتذكر زلازل عام 92 والذي تسبب فيه الإهمال بتصريف مياه الصرف الصحي في مفيض الريان فنتج عنه بركة ضخمة تفاعلت مع القشرة الأرضية فكان ما كان.







ملاعب الجولف



* وهل هناك تأثير للبحيرات الصناعية في القرى والمدن عالية الرفاهية وكذلك ملاعب الجولف التي غزت مصر.. هل من الممكن أن يؤدي ذلك لكارثة؟



** علميًّا هذه البحيرات الصغيرة الحجم لا تشكل خطرًا ولكن مع انتشارها وقربها من بعضها البعض قد تسبب كارثة، لأن فكرة إنشاء بحيرة قائمة على إحلال المياه بكثافتها العالية محل القشرة الطينية خطر جدًّا، وهو الأمر الذي يسبب خللاً كبيرًا وينتج عنه زلازل وتشققات وتصدعات أرضية.







* وما الإجراءات التي يجب أن تتخذها الدولة لإنقاذ ذلك الوضع الخطير؟



** من أهم الأشياء هو تفعيل نظام كود الزلازل، فهناك أكواد معينة كل واحد منها خاص بحجم وطبيعة الخطر الذي تواجهه، والتي يجب الأخذ بها في الإنشاءات بحيث يكون التصميم والارتفاعات والمواد التي يتم البناء بها مناسبة لطبيعة القشرة الأرضية ولكود الزلازل التابع له، بحيث تأخذ تلك المباني الأمواج الزلزالية بشكل مرن دون خطورة على الأرواح البشرية، حتى لا يحدث ما حدث في زلازل 1992 الذي كانت قوته 4.5 درجة بمقياس ريختر فقط ولكنه تسبب في كارثة إنسانية رغم ضعفه.

















* هناك كارثة أخرى حذر منها العلماء وهو غرق الدلتا نتيجة الاحتباس الحراري، وهو ما قابله آراء أخرى قللت من هذا الخطر.. فما حقيقة الوضع في هذه المنطقة؟



** للأسف تلك التحذيرات صحيحة وواقعية، وهناك عاملان أساسيان يمثلان منطلقين للخطورة، الأول: التغيرات التي تحدث في المناخ وارتفاع درجة الحرارة مع تزايد انبعاث العديد من الغازات، وذوبان القطبين الشمالي والجنوبي الأمر الذي يزيد من مستوى البحار والمحيطات، والثاني هو السد العالي، فالسد وما له مكانة كبيرة وتأثير ضخم إلا أنه أصبح طرفًا أصيلاً في تلك الأزمة.







* كيف؟



** السد العالي وعلى مدار تاريخه الذي قارب الخمسين عامًا يقوم بحجز فتات الصخور المحملة مع مياه النيل التي كانت تترسب على جانبي النهر وخاصة في منطقة الدلتا وكانت تلك الصخور المفتتة يطلق عليها "الغريان" تعمل على تجديد التربة، وهو الأمر الذي حرمها منه السد العالي فأصبحت الأرض وكما يقال في العامية المصرية "مطبلة وملحت"، فضلاً عن المواد الأخرى التي كان يسببها طرح مياه النيل في البحر، وعلى شاطئ المتوسط والتي كانت تختلط بالرمال فينتج عنها الرمال السوداء والتي يستخرج منها عدد من المواد المشعة والذهب.







* وهل تلك الكارثة تسير بخطى سريعة أم أنها ستكون بعد عشرات السنين؟



** للأسف تسير بخطى سريعة للغاية، ولعل المصطافين الذي يذهبون إلى مصايف بلطيم وجمصة يشاهدون تسارع تآكل الشوطئ فكل عام يتآكل تقريبًا أكثر من 3 أمتار.







* وما الجهود التي يجب أن تبذل لتدارك تلك الكارثة؟



** هناك من يدعو إلى عمل مصدات على الشواطئ لإنقاذها، ورغم فاعلية تلك المصدات إلا أنها مكلفة للغاية، والمطلوب على وجه السرعة وضع إستراتيجية عاجلة من الدولة والجهات البحثية لتدارك الأمر وإنقاذ الموقف.







مفاعل ديمونة



* هناك تقارير علمية حذرت من خطورة المفاعلات الصهيونية القريبة من الأراضي المصرية وخاصة مفاعل ديمونة، وحذرت بعض هذه التقارير من حدوث زلازل قوية قد تضرب مصر.. فهل هذه التحذيرات حقيقية أم أن لها بعدًا سياسيًّا؟





مفاعل ديمونة النووي













** هذا خطر حقيقي فعلاً وطبقًا لتقرير أعده علماء الجيولوجيا بهيئة الطاقة الذرية منذ عدة سنوات فإنهم قد حذروا من تعرض مصر لزلزال مدمر، يفوق 6 درجات بمقياس ريختر، بسبب الأنشطة النووية التي يمارسها الكيان الصهيوني في صحراء النقب، ومن الناحية العلمية فإن كثرة التجارب الصهيونية في ديمونة تؤدي إلى احتمال انفجاره إثر انشقاقه في السنوات الأخيرة مما أثر سلبًا على وضع القشرة الأرضية في محيط المفاعل وفي محيط المنطقة العربية المحيطة بالأراضي المحتلة خاصة مصر لأن المفاعل يقع في صحراء النقب على الحدود المصرية.







وللأسف الشديد وطبقًا لشهادة معدي التقرير فإن الحكومة الأمريكية أمرت مراكزها العلمية بالتكتم على الأبحاث التي أثبتت أن قشرة وادي الصدع الكبير والتي تمر بمصر قادمة من بحيرة تنجانيقا حتى جبال لبنان قد تأثرت بشدة وخاصة في الجزء الذي يدخل خليج العقبة، وبالتأكيد فإن أكثر المناطق المصرية تعرضًا لهذا الخطر هي منطقة العريش ورفح.





تعليقات

1 - أضيف بواسطة : هشام الخير ، مصر / بحيرة في 26/01/2010

بارك الله فيك وفي علمك يا أستاذنا ، وياليت أولي الأمر والمسئولين يستمعون لهذا حفاظا على هذا البلد الطيب وحرصا على سلامتها للأجيال القادمة ، والله نسأل أن يحفظ بلدنا من كل سوء .



2 - أضيف بواسطة : خيري الشوادفي ، مصر في 26/01/2010

جزاكم الله خيرا على هذه المعلومات العلمية وجعلكم صمام امان لهذه البلد وبلاد المسلمين وغير المسلمين أرجو من اخواني الأفاضل مناقشة مواضيع الزلازل والسيول وغيرها من الكوارث المسماه ( الطبيعية - وغير الطبيعيةأيضا ) من الناحية الشرعية من خلال القرآن والسنة (الأسباب والعلاج)





الأحد، يناير 24، 2010

الإخوان المسلمون والسهام السوداء

الإخوان المسلمون والسهام السوداء[24/01/2010][14:13 مكة المكرمة]







د. جابر قميحة

بقلم: د. جابر قميحة







منذ اثنين وثمانين عامًا أنشأ الإمام الشهيد حسن البنا- رحمه الله- جمعية الإخوان المسلمين من ستة أشخاص في مدينة الإسماعيلية (سنة 1928م)، وانتشرت الدعوة على المستوى المصري، ثم العربي، ثم العالمي، وفي كلمات قلائل:



تحوَّلت دعوة الإخوان من جمعية، إلى جماعة، إلى تيار له وجوده الحي في كل دول العالم، وهذه الحقيقة تعتبر نقضًا ميدانيًّا لما قاله "الرئيس مبارك" الذي سُئل عن الإخوان؛ فأجاب: "مفيش حاجة عندنا اسمها إخوان.. مفيش شيء اسمه إخوان"، وهو أسلوب تحقيري في التعبير عن عباد الله، إذ يصفهم بكلمتي "شيء... وحاجة".



*******







وباستقراء التاريخ الحديث نرى جماعة الإخوان ذات ملمحين واضحين فارقين:



الملمح الأول: البقاء والاستمرارية؛ حتى إن أحد المفكرين المحايدين كتب مقالاً جـاء فيه "إنها جماعة غير قابلة للموت".







والملمح الثاني: الثبات والصمود أمام المحن المسعورة التي واجهتها الجماعة: من قتل، وشنق، وتعذيب، ومطاردة.







أقول إنهما ملمحان فارقان، لا يستطيع أحد أن ينكرهما، ولا يوجد واحد منهما في أي حزب من الأحزاب الأخرى، ومن حقنا أن نسأل: أين حزب الوفد صاحب الأغلبية التاريخية في عهدي سعد زغلول، ومصطفى النحاس؟ وأين الحزب الوطني: حزب مصطفى كامل ومحمد فريد؟ وأين حزب الأحرار الدستوريين؟ وأين الحزب السعدي؟ وأين حزب إسماعيل صدقي باشا الذي سماه حزب الشعب؟







كلها أحزاب لم تتعرض لأية محنة أو اضطهاد، وكلها أحزاب لم يعدْ لها وجود ماعدا بقية قليلة من أعضاء حزب الوفد، تتطاحن على الزعامة.







أما ما يُسمى حاليًّا "الحزب الوطني الديمقراطي" فيذكرني بحزب الشعب (حزب صدقي باشا) الذي نشأ بقرار حكومي، ولا تصدق من يزعم أن "الحزب الوطني" هذا نبع من أعماق الشعب.







كان "حزب مصر" آخر مواليد "الميمونة": فجده الأول هو "هيئة التحرير"، وجده الثاني كان اسمه "الاتحاد القومي"، وآخر الجدود هو "الاتحاد الاشتراكي" الذي أنجب المحروس "حزب مصر"، وفي أغسطس سنة 1978م أعلن السادات "بقرار منه" إنشاء "الحزب الوطني".







ولم يصدر قرار بحل "حزب مصر"، وهذا يعني أن من تمسك بعضويته في حزب مصر لا يعد خارجًا على القانون؛ ولكن القلة القليلة جدًّا التي أعلنت تمسكها بهذه العضوية ألقي بها في غيابة الاعتقال، أما الغالبية الغالبة من النواب فهرولوا إلى الالتحاق "بالحزب الوطني" الذي أعلن السادات مولده، دون أن يعلن عن برنامج له.







وبعد الذي ذكرته آنفًا أذكّر القارئ بما يأتي:



1- أعلن السادات ميلاد "الحزب الوطني" بلا داعية ظاهرة، فقد سبق للسادات ورجاله إظهار الاعتزاز الفائق بحزب مصر ومبادئه كتنظيم حزبي غير مسبوق.







2- بعدها بشهر في (18/9/1978م) أعلن رسميًّا عن اتفاقية "كامب ديفيد"، وذلك في مؤتمر صحفي حضره موقعو الاتفاق الثلاثة وهم: "السادات، وبيجن، والرئيس الأمريكي جيمي كارتر".







3- وتوالي هذه الوقائع بهذه السرعة اللاهثة يؤكد صحة ما قيل من إصرار بيجن وكارتر على "إنشاء" حزب جديد يمثل قوة شعبية يستند إليها السادات في تأييد هذه الاتفاقية.



*******







وأضحك طويلاً حينما أرى أحد مسئوليهم يصرِّح أن عدد الأعضاء الذين يحملون بطاقة العضوية تعدى المليونين، بالإضافة إلى المحبين.







وأنا أسميها "بطاقات الاستنفاع"، أو جواز المرور لتحقيق المصالح الخاصة.



*******







وطبيعة الدعوات في وجودها الداخلي ليست صفوًا خالصًا، فلا بد من الخارجين على الجماعة والمنشقين عليها، حدث ذلك في الصف الإخواني من شخصيات لها ثقلها:



فالجماعة- من أول نشأتها سنة 1928م حتى الآن- تعرَّضت وتتعرَّض لمحن عاتية قاسية, ومن أشهرها ابتعاد- أو إبعاد- أحمد السكري وفصله, وارتماؤه بعد ذلك في أحضان الوفديين, فكان يكتب كل يوم مقالاً في صحيفتهم "صوت الأمة" يحمل فيه على الإخوان ومرشدهم، وكانت الصحيفة تنشر كل يوم عنوانًا ثابتًا نصه "هذه الجماعة تهوي"، وتحت العنوان عشرات من الأسماء المخترعة لأشخاص يعلنون استقالتهم من الجماعة.



*******







أما الفتن التي أشعلها عبد الناصر ورجاله أيام المرشد الثاني حسن الهضيبي- رحمه الله- فمعروفة مشهورة، وقد أطفأها الله، ونكتفي بعرض واحدة منها تتلخص فيما يأتي:



استطاع عبد الناصر أن يستقطب بعض أعضاء الهيئة التأسيسية الذين استجابوا له, وانطلقوا إلى المدن المصرية ليجمعوا توقيعات بإقالة المرشد حسن الهضيبي، وقد شهدت بنفسي- وأنا طالب في المرحلة الثانوية, وأحد مسئولي قسم الطلبة بالإخوان في المنزلة- واقعة أرويها للتاريخ، وخلاصتها: أن الدكتور طلبة زايد رئيس شعبة الإخوان بميت عاصم دقهلية، وعضو الهيئة التأسيسية جاء للأستاذ عبد الرحمن جبر رئيس الإخوان بمنطقة المنزلة وعضو الهيئة التأسيسية, وطلب منه التوقيع على "عريضة" تقيل حسن الهضيبي، فرفض الأستاذ عبد الرحمن وقال له بالحرف الواحد:



- ولكن هذه خيانة.. وغدر.



فقال له الدكتور طلبة زايد:



- هذا تصرف شكلي، فنحن مع الأستاذ الهضيبي إلى الأبد، ولكننا سنطلع عبد الناصر على هذه العريضة، لنهدئ من غضبه على الإخوان، وتعود الجماعة تزاول نشاطها، بصورة طبيعية، تحت قيادة مرشدنا حسن الهضيبي، وكل تصرفاتنا وكلامنا الآن سر بيننا؛ ولكن الدكتور طلبة غدر وخان، فقد فوجئنا في اليوم التالي بجريدة (الجمهورية) تنشر عريضة وعليها توقيعات عشرات من الهيئة التأسيسية، يطالبون فيها بإقالة المرشد حسن الهضيبي؛ وطبعا كان غالبية هؤلاء مخدوعين في عملاء من أمثال طلبة زايد، وقد رأيت بعدها الأستاذ عبد الرحمن جبر وهو يبكي، ويردد بينه وبين نفسه: لقد خدعني طلبة، وحسابي وحسابه على الله.



*******







وتمكَّن عبد الناصر من اصطناع مجموعة معروفة من الشباب الذين طوَّعهم بالترهيب أو الترغيب؛ حتى تمكنت من احتلال المركز العام للإخوان في غفلة من الإخوان الذين انطلقوا إلى المركز العام لتحريره من هؤلاء الصنائع، فلما شعروا بذلك ولوا هاربين.



*******







ولم يخل تاريخ الجماعة في فترة من الفترات التالية من متاعب وصعوبات، وحملات دعائية تشوه تاريخها، ويجند لها وسائل الإعلام المختلفة وأذناب الحاكم وحواريوه؛ ولعل أشد هذه الحملات كانت هي الأخيرة بمناسبة انتخاب مكتب الإرشاد والمرشد الجديد للجماعة، ولكن الإخوان بحمد الله خرجوا من هذه الحملات أكثر تماسكًا وتعاونًا وإصرارًا على وحدة الصف في سبيل دعوتهم، ولا يسمح المقام باستعراض ألوان أو لون من هذه الحملات الساقطة. وصدق الله سبحانه وتعالى إذ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)﴾ (محمد).







وقال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾ (الروم).



*******







وعودًا على بدء أقول: لم يتعرض حزب أو جماعة في العصر الحديث لما تعرَّضت له جماعة الإخوان من محن واضطهاد، ولا لجزء يسير من ذلك: فهناك "حرب شاملة" معلنة رسميًّا على الجماعة, من قياديين كبار جدًّا, إلى أذناب يردِّدون أصوات الأسياد، ونرى الهاجمين يستحلون أخس آليات الهجوم من تزوير، وكذب، ومغالطات، وتهويل في التصوير والتجسيم، ووراءهم إمكانات مادية ضخمة، ومساندات سلطوية هائلة:



- فالإخوان جماعة محظورة قانونًا، أي ليس لها وجود قانوني.



- وهي جماعة إرهابية لها جهازها السري الجديد.



- وهي جماعة خائنة لها اتصالات سرية بالأمريكان.



- وهي جماعة تساند حماس في إرهابها.



- وهي جماعة تعد أخطر على مصر والعرب من "إسرائيل".







ومن قبيل التضخيم والتهويل ما كتبه أحدهم في صحيفة قومية عن العرض الرياضي الذي قدَّمه طلاب الإخوان بالأزهر، وارتدى بعضهم زي الفدائيين من حماس، فكتب أحدهم في صحيفة قومية- إنه يعد إنذارًا وتهديدًا للوجود الوطني، وللسلام الاجتماعي، وإرهابًا للمواطنين في حياتهم و... و... إلخ.







وقريب من ذلك أن الأستاذ عاكف صرَّح أكثر من مرة بأن "بابه مفتوح للصحفيين والباحثين والدارسين الأمريكان بشرط أن يكون ذلك عن طريق الخارجية المصرية"؛ ووجدها "الهمام" حمدي رزق فرصة لاتهام الإخوان ومرشدهم بالخيانة الوطنية، زاعمًا أن لهم اتصالات سرية مع أمريكا.... (المصري اليوم 29/5/2007م).



*******







والهمام الثاني اسمه أحمد موسى نائب رئيس تحرير (الأهرام) الذي خصَّص صفحة كل يوم سبت للهجوم على الإخوان ومرشدهم، ومن أغرب ما قرأت له ما كتبه في السطور الآتية:







المرشد يأكل جمبري وقواعده تبحث عن الدواء‏!‏



"في الوقت الذي تبحث فيه قواعد جماعة الإخوان المحظورة عن ثمن الدواء‏,‏ نجد أن المرشد مهدي عاكف يتجول في المدن والمحافظات الساحلية؛ للبحث عن مطاعم الأسماك الشهيرة من العين السخنة للإسكندرية ليتناول وجباته الغذائية المفضلة، ويدفع قيمة الفواتير بمبالغ كبيرة لا تتناسب مع حالة الزهد التي يحاول المرشد ورفاقه الظهور بها لكسب تعاطف الغلابة‏,‏ فالرجل لا يعنيه من هم داخل السجون، فهو ينام مرتاح البال دون مبالاة، ويبدو أنه ذهب هذه المرة لأحد المطاعم الشهيرة بالإسكندرية لتناول الغذاء المفضل للهروب من تساؤلات قواعده عن الذمة المالية والأموال التي تدخل للجماعة دون حسيب أو رقيب‏.‏







وحتى تكون قواعد المرشد شاهدة على تصرفاته، فأقدم إليهم قائمة بفاتورة الغداء الذي تناوله عصر يوم الجمعة ‏6‏ أبريل الحالي بمطعم شهير بالإسكندرية، وشملت أنواعًا مختلفة وهي‏: 6‏ كيلو بوري بمبلغ ‏224‏ جنيهًا‏,‏ و‏2‏ كيلو سمك موسى بمبلغ ‏136‏ جنيهًا‏, 2.5‏ كيلو جمبري جامبو بمبلغ ‏484‏ جنيهًا‏,‏ وكيلو سبيط بمبلغ ‏60‏ جنيهًا، و‏2.0‏ كيلو بربون بمبلغ ‏172‏ جنيهًا‏,‏ و‏3‏ شوربة سيفود بمبلغ ‏60‏ جنيهًا‏,‏ وبلغت فاتورة غداء المرشد وصديقيه ‏1136‏ جنيهًا‏ (ألف ومائة وستة وثلاثون جنيهًا‏)..‏ بالهنا والشفا‏!!‏"



أحمد موسى (الأهرام 14/4/2007م).







ويظهر أن أحمد موسي يكتب لقراء "بريالة" لأننا إذا صدقناه؛ فمعنى هذا أن المرشد وضيفيه أكل كل منهم قرابة 4.5 كيلو من السمك الخالص، وهذا غير الشوربة والخبز والأرز والمخللات، والحلو.







وهكذا قدَّم السيد أحمد موسى بقلمه دليلاً قاطعًا على أنه لم يسمع بشيء اسمه الصدق، وأمانة الكلمة.



*******







وفي الشهر الأخير من عام 2009م تكثفت الحملة- بل الحملات- على الجماعة ومرشدها، وتضافرت كل وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية على الكذب والافتراء والتهويل، وسايرت صحف المعارضة الإعلام الحكومي في كثير من هذه الحملات، مرتكزة على انتخابات مكتب الإرشاد، وظهور بعض الاختلافات في الرأي بين بعض الأعضاء، ومما قيل وكتب في هذه الحملات:



- نتائج تؤكد أن خيرت الشاطر المحبوس حاليًّا على ذمة المحكمة العسكرية لمدة سبع سنوات هو الذي "طبخ الطبخة"، وأنه صاحب التوجيه للنتائج النهائية.







- شبه أبو العلا ماضي وكيل مؤسسي حزب الوسط وقيادي سابق في جماعة الإخوان ما حدث بأنه مذبحة، وقد تكون مثل مذبحة القلعة في نظره؛ حيث تخلص محمود عزت من فلول وبقايا من كانت لهم وجهة نظر مختلفة، فكان التخلص من حبيب؛ لأنه فكَّر وأعد نفسه لمنصب المرشد وبحكم منصبه السابق كنائب أول، وكذلك تمَّ التخلص من أبو الفتوح؛ لأنه كان أكثر المقاومين لقرارات عدة وبشكل جاد، أما دخول عصام فأكد أنه نال العضوية؛ لأنه لم يختلف كثيرًا عن الاتجاه الغالب، وإن كان يشبه بأنه صاحب اتجاه جديد في الجماعة وهو "المصلحي".







وأكد ماضي أن ما حدث خسر فيه الإخوان خسارة كثيرة لن يستطيعوا على مدى عقود تعويضها؛ وهي خسارة وسقوط أمام الرأي العام، فظهر أنهم غير ديمقراطيين ولا يقبلون التعددية فيما بينهم.







- سرت تسريبات في أعقاب الانتخابات الأخيرة لمكتب الإرشاد بجماعة "الإخوان المسلمين" عن اعتزام الدكتور محمد حبيب والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح اللذين خرجا من تشكيلة المكتب الجديدة تشكيل مكتب إرشاد موازٍ؛ احتجاجًا على الانتخابات التي يرى الإصلاحيون أنها جاءت مخالفة للوائح الجماعة.







وكان أكثر من كتبوا كذبًا وحقدًا الصحفي الأمني أحمد موسى، ومما جاء في مقاله:



‏ - الجماعة كان أمامها فضح المختلفين مهما كان وضعهم ودون النظر لتاريخهم أو ما قدموه لتنظيمهم‏,‏ وسربت أسرارهم في ليلة ظلماء؛ وهي رسالة لكل الإخوان بأن من يريد اللعب وعدم السمع والطاعة والانصياع ستتم "شرشحته" على الملأ‏.‏







- قبلت قيادات وكوادر الجماعة بهذا الأسلوب الفاضح والدنيء، والذي استهدف رموزها، فكل واحد منهم يمتلك مستندات على الآخرين‏,‏ ومن يفتح فمه سيكون مصيره نشر فضائحه المالية والشخصية‏,‏ وهذا واحد من أساليب السيطرة التي تتبعها الجماعة‏,‏ وبالتالي الذين فكروا بالتشكيك في الانتخابات لن يواصلوا الطريق.







- لم يعد الناس يثقون في أي كلام يخرج من أفواه الإخوان عن الديمقراطية أو نقد الآخرين‏؛‏ لأنهم ارتكبوا فضيحة ستظل في تاريخهم، ولن يمحوها سوى التراجع عن الانتخابات وإعادتها من جديد‏,‏ وغير ذلك فتكون قد سقطت وتستمر في التساقط يومًا بعد آخر‏,‏ وفشلت في تقديم مبررات مقنعة للرأي العام الذي اكتشف أن الإخوان بعيدون عن الشورى والديمقراطية، وحتى تطبيق تعاليم الدين الإسلامي في التعامل مع المخالفين في الرأي‏.







- الصقر الأكبر محمود عزت ضرب عرض الحائط بكل اللوائح، وانفرد بالقرارات في غيبة من النائب الأول محمد حبيب الذي صُدم نتيجة لإبعاده عن كل شيء، وترتيب بيت الجماعة بعيدًا عنه (الأهرام السبت 26/12/2009م).



*******







ولأمر ما يكتب إعلامي شهير "إن هذه الفتنة في الصف الإخواني دليل قاطع على أن الجماعة في طريقها إلى الانتهاء والموت الأبدي...".







ويتطوع السيد أبو العلا ماضي ليزعم- في إحدى القنوات الفضائية- أن الدكتور محمد بديع يدعي أن الإخوان المسلمين هم "جماعة المسلمين، ويكفر من لا يؤمن بفكرهم، أو يحكم عليهم بالنفاق".







وجاء الواقع ينسف ما ادعاه السيد ماضي؛ ففي ظهر السبت 16/1/2010م وقف الدكتور محمد بديع ليقول في خطاب مبايعته: ".. إن الإخوان المسلمين لا يعتبرون أنفسهم جماعة المسلمين، ولكن جماعة من المسلمين...."، وهذا ما أكده كل المرشدين السابقين ابتداءً من الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله.







وأبو العلا في منطقه الهش هذا يذكرني بأحد المحامين الذي استضافته إحدى القنوات التلفازية- من ثلاثة أشهر تقريبًا- ليتحدث عن الحركة الإسلامية الحديثة، فقال- ضمن ما قال- لقد خطط محمد عاكف أن يُظهر إصراره على ترك منصبه، وعندها يقوم أنصاره وحواريوه يهتفون: "بالروح.. بالدم نفديك يا عاكف.."، وجاء الواقع أيضًا ليقول: جانبك الصواب يا محامينا الكبير، فقد رفض الأستاذ عاكف أن يمد مدته يومًا واحدًا، وكان نعم المرشد القائد إيمانًا وعزمًا وحزمًا وحرصًا على نصرة الحق، والتصدي للباطل.







وعلى أساس متين من الشورى بُويع الدكتور محمد بديع؛ ليكون المرشد الثامن للإخوان المسلمين، أما ما ذكره بعضهم من تقسيم الإخوان إلى: قطبيين، وإصلاحيين، ومحافظين، وصقور، وحمائم... فأنا أعتبره من قبيل "العبث اللغوي" الذي لا يستحق أن نناقشه.



*******







لقد أثبت الواقع أن الإخوان هم أكثر الناس ديمقراطية، وإن كنت أميل إلى توظيف مصطلح بديل هو "الشورية الإسلامية".







هذا وقد أكد الأستاذ ضياء رشوان الخبير بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بـ(الأهرام) أن جماعة الإخوان المسلمين قدمت درسًا بليغًا في تداول السلطة للنظام الحاكم في مصر، وكذلك لجميع الأحزاب السياسية والجماعات الإسلامية والمؤسسات الدينية، وعلى رأسها الأزهر الشريف والكنيسة الأرثوذكسية.







وأخيرًا.. أقول لأصحاب السهام السوداء: لا قيمة ولا تأثير لسهامكم في المسيرة الإخوانية.



رحم الله المتنبي إذ قال:



رماني الدهر بالأنصال حتى فؤادي في غشــاء من نبــال



فكنت إذا أصابتني سهــام تكسرت النصال على النصال



-------------



* gkomeha@gmail.com


الأربعاء، يناير 20، 2010

القرضاوي : مصر في كابوس.. ربنا يخلصها منه

القرضاوي : مصر في كابوس.. ربنا يخلصها منه




20/01/2010




نافذة مصر / الشروق



نصح الدكتور يوسف القرضاوى رئيس الاتحاد العالمى لعلماء المسلمين جمال مبارك نجل الرئيس والأمين العام المساعد للحزب الوطنى بأن يعلن انسحابه من معركة الرئاسة المقبلة، فحسبه 30 عاما قضاها فى بيت الرئاسة على حد تعبيره.



ورأى القرضاوى أن مصر تعيش فى كابوس لن تتخلص منه ولن تستعيد دورها ومكانتها التى فقدتها خلال العقود الأخيرة إلا بالديمقراطية الحقيقية، وبفتح نوافذ الحرية.



وطالب الشيخ النخب السياسية والثقافية بأن تضغط لتعديل الدستور حتى يسمح بفتح الباب أمام جميع المصريين بالترشح فى انتخابات الرئاسة المقبلة.





س : تحدث البعض عن جواز توجيه فوائد البنوك للتبرع بها لأطفال غزة فهل هذا جائز فعلا؟



ج : جائز ويجب إن وجدت فوائد بنوك أن تصرف فى المصالح الإسلامية، وعلى الفقراء وأوجه الخير، وأولى الجهات التى يجب أن توجه إليها هم إخواننا اللاجئون والفلسطينيون فى غزة لأنهم مشردون يستحقون الزكاة، فهم فقراء ومساكين وأبناء سبيل، كما أنهم فى سبيل الله ويجوز أيضا أن تنفق الأموال المحرمة عليهم، فبعض السلف يقول «ارميها البحر»، وهذا لا يجوز لأن ذلك إضاعة للأموال على المسلمين فلا يجوز أن نتلفها ولا ننتفع بها لأنفسنا، خاصة أن بعض أثرياء الخليج أودع فى بنوك أوروبا وأمريكا مئات الملايين وفوائدها بعشرات الملايين فكيف نترك ذلك، فهذه الأموال يجب أن تعطى للجهات المستحقة وأولهم أهل غزة والناس المحاصرون والمجوعون.



س : وهل يمكن أن تدخل عوائد العمليات المشبوهة كالمخدرات وغيرها ضمن هذه التبرعات فى حال توبة من يقومون بهذه التجارة؟



ج : جائز بشرط أن تكون نية صاحبها هو التطهر منها، علما بأنه لن يكون له ثواب الصدقة لأن المال الحرام لا يملك، والصدقة تكون عما يملكه الإنسان، لكنه له ثواب من جهة أخرى حيث إنه تعفف أن يدخلها جيبه أو بيته، فساعد فى إيصالها لهذه الجهات كى ينتفع بها.



س: قضية غزة تتفاقم وتتصاعد يوما بعد يوم.. فهل يرجع ذلك إلى ضعف الحكام أم للشعوب، أم لانقسامات الفصائل الفلسطينية؟



ج: كل هذه الجهات لها دخل فى هذا الموقف الذى نراه، فضعف الحكام وعدم استطاعتهم أن يقولوا «لا» للأمريكان ولإسرائيل سبب، كما أن للشعوب أيضا دورا، فشعوبنا استنامت من كثرة ما نالها من آثار الاستبداد الطويل والحكم العسكرى.



س: لكن الشعوب خرجت وأعلنت موقفها فى مظاهرات ومسيرات جابت الشوارع العربية والإسلامية ألا ينم ذلك عن شىء؟



ج: ينم عن نوع من الحركة بدلا من النوم المطلق ويبشر بأن الشعوب بدأت تتحرك وتقول «لا»، ومازلنا نأمل خيرا أن تتحول هذه الاستفاقات الجزئية إلى شىء عام يرفض هذه الأوضاع ويحاول تغييرها ويجبر الحكام على التغيير، لأنه مهما كانت ملاحظتنا على الحكام فهم إفراز الشعوب، وهذا ما جعل بعض السلف يقول «كما تكونوا يولى عليكم» فلابد أن يكون الشعب عنده قابلية ورغبة فى التغيير، كما يقول المفكر الجزائرى مالك بن نبى «الذى جعل الاستعمار يستأسد ويحتل بلاد المسلمين هو قابلية هذه الشعوب للاستعمار»، وأيضا اختلافات الفلسطينيون مع بعضهم البعض أصبح وضعا غير مقبول، فهم دائما يعتبون على لأننى أقول إن الفلسطينيين مختلفون ويقولون أنى أساوى بين الظالم والمظلوم وبين المعتدى والمعتدى عليه، لكنى أقول إن الكل يجب عليه أن يعمل على وحدة الصف واستعلاء ما أصاب إخوانه، والقرآن لم يمتدح الذل إلا فى موضوعين ذل الإنسان لأبويه وذل الإنسان لإخوانه فهذا مطلوب من إخواننا الفلسطينيين عليهم إن يعملوا بكل ما يستطيعوا على لم الشمل وجمع الصف وتوحيد الكلمة والوقوف صفا أمام العدو.



س : وهل من المنتظر أن يحدث هذا فى ظل التباين الكبير بين الفصائل الفلسطينية؟



ج: للأسف هناك مدرستان مختلفتان فى الفكر فهناك من يرى بوجوب التفاوض مع إسرائيل، لأنه لا معنى ولا جدوى من المقاومة، ويرى أن السبيل الوحيد لنيل الحقوق هو التفاوض ولا شىء غير التفاوض، وهناك من يرى أن المقاومة هى الأساس وهذا صحيح فإسرائيل لا تعطى لمن يريد أن توهب إليه الحرية، والذين صاروا فى طريق التفاوض من مدريد إلى اليوم لم يحصلوا على شىء فالقضايا الكبرى علقت لتناقش فى النهاية غير المنظورة كقضية القدس واللاجئين والمستوطنات والحدود.. إذا ما الذى يسعون إلى حله فهذه القضايا شىء أساسى وبدونها لن يحصلوا على شىء.



س : إذا كيف ترى المخرج والحل لهذه التعقيدات؟



ج : لابد أن يكون لنا موقف نحن العرب والمسلمين فى نصرة الحق ورفض الباطل، لكن أن يظل موقفنا مائعا هذا لا يصلح كما يجب أن نقول للمخطئ أنت مخطئ وعليك تغيير طريقتك.



س : كيف يتخذ العرب والمسلمون هذا الموقف وحكوماتهم لا تستطيع أن تقول لا لأمريكا وإسرائيل بحسب قولك؟



ج : الشعوب عليها أن ترفض هذا الوضع ولابد أن ندعمها ونقوى من مظاهراتها والعمل على تجميعها بحيث تضغط على الحكام والفلسطينيين لتغيير موقفهم.



س : هل تركيا بدأت فى سحب البساط من مصر بشأن دورها فى المنطقة العربية؟



ج: هذا هو الواضح، فمواقف تركيا القوية الحقيقية ظهرت بقوة فى المرحلة الأخيرة، فكما قالت بعض التقارير أن رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركى ومعه هوجو شافيز رئيس فنزويلا وبعض الشخصيات العالمية، سيذهبون على رأس قافلة إغاثة إلى غزة هذا موقف غير مسبوق، وقبل ذلك كانت لهم مواقف عديدة مشرفه ضد إسرائيل كانسحاب أردوغان من بعض المؤتمرات بسبب إسرائيل، وفى أيام محنة غزة العام الماضى شكلنا وفدا من علماء المسلمين وزرنا بعض البلاد منها تركيا التى استقبلتنا وكان لها موقفها مشرف وفى غاية الوضوح.



س : فى المقابل كيف تقيم الدور المصرى؟



ج: سأقيم لك دور مصر من خلال نفس الموقف السابق.. حينما شكلنا وفد علماء المسلمين السابق الإشارة إليه اقترحنا زيارة عدة دول ذات صلة بالقضية الفلسطينية ومنها السعودية والأردن ومصر وسوريا وتركيا وقطر، كل البلاد سمحت لنا بالدخول لعرض القضية، لكن للأسف مصر وبدون أى سبب معلن قالت لنا «نأسف لا نستطيع استقبالكم»، وكان موقف غير مفهوم.



س : إلى أى حد وصل الدور المصرى؟



ج: وصل إلى حد بناء جدار لتجويع أهل غزة وتمويتهم.



س : انتقد البعض فتواك بشأن الجدار العازل واعتبروها سياسية.. وطالبوا بفصل الفتوى عن السياسية فما تعليقك؟



ج: عليهم أن يقولوا ذلك للأزهر فالعالم إذا سئل فى أى موضوع عن حكم الشرع فيه فعليه أن يفتى بما يراه فبإجماع المذاهب والفرق المختلفة أن الشريعة تطبق على جميع أفعال المكلفين فلا يخرج فعل من المكلفين سواء كان صاحبه حاكما أو محكوما فقيرا أو غنيا رجلا أو امرأة إلا ورأى الشرع مستحب أو غير مستحب فلا يوجد بالشرع ما يسمى بأن السياسة بعيدة عن الدين.. ولماذا تلجا الدولة لاستفتاء علماء الدين لاستشارتهم فى أمور بعينها عند الحاجة كما حدث بقضية زرع الأعضاء وختان الإناث، السادات قال لا سياسة فى الدين مع ذلك كان يدخل السياسة فى الدين ودعاه البعض أمير المؤمنين.



وفيما يخص الجدار فالأمر لا يحتاج إلى الرجوع لمتخصصين، فقد قال لى الشيخ معز عبدالستار وهو من كبار العلماء «المسالة لا تحتاج إلى فقهاء فهى بديهية فهل يجوز للإنسان أن يحاصر إخوانه حتى يموتوا جوعا».



س : الحكومة المصرية قالت إن الجدار دفاع وحماية لأمن مصر القومى؟



ج: هذا خطأ يكرس القطرية ولا تقوم به عروبة ولا إسلام، لقد حاول البعض أن يروج لشعار «مصر أولا» فرد عليهم أبوخلدون ساطع الحصرى المفكر السورى وأحد مؤسسى الفكر القومى العربى بعدة مقالات، وقال «العروبة أولا فهم، فدعاة تمصير مصر لا يعرفون أنها ليس لها أى اعتبار وحدها»، فلا يمكن أن تأمن مصر وغزة غير آمنة، والحكم الشرعى يقول فى ذلك «إن احتل بلد على أهله أن يقاوموا ويقاتلوا العدو فإذا قدورا فبها وإن لم يقدروا فعلى جيرانها الأقرب فالأقرب حتى يشمل المسلمين جميعا، والأقرب لغزة هى مصر، ويجب ألا ننسى أن مصر كانت تحكم غزة لسنوات، وكانت جزءا منها فالأمر بديهى.



س : وزير الأوقاف الفلسطينى طالبكم بالاعتذار لأبومازن فما ردكم على ذلك؟



ج: هذا يدل أن أبومازن ليس رجلا حكيما فقد نسب إليه أنه طالب إسرائيل بضرب غزة حتى يتخلص من حماس وعندما قال له بعض الفتحويين عندما تضرب غزة سيكون هناك ضحايا من العامة والناس البريئة، فرد قائلا: «يستاهلوا لأنهم هم من انتخبوا حماس»، وعندما سمعت هذا الكلام قلت إذا كان أبومازن قال ذلك حقا فلا يكفى إعدامه ولابد من أن يرجم، وكلامى هذا ليس بفتوى، كما أنه معلق على صحة ما نسب إليه، ولا يجوز أن يزج وزير الأوقاف الفلسطينى الخطباء وأئمة المساجد فى مثل هذا الأمر ويطالبهم بالرد على ويرد عليهم المصلون فتتحول إلى فتنة.



س : هل وقعت مصر تحت ضغوط أمريكية فيما يخص بناء الجدار؟



ج: أمريكا لا تستطيع أن تفرض شيئا على أى دولة إذا لم يكن لدى هذا البلد قابلية للاستجابة، ويمكن أن تستجيب لضغوط فى مقابل تمرير كذا أو غض الطرف عن كذا أو تأييد كذا، بمعنى «شيلنى واشيلك».



س : هل من ضمن كذا وكذا مشاكل الأقباط فى مصر؟



ج: لا.



س : إذا ما هو الـ«الكذا» الذى دفع مصر إلى الاستجابة لضغط أمريكا؟



ج: والله ممكن يكون التوريث مثلا.



س : أى الجدار مقابل التوريث؟



ج: لا أستطيع أن أقطع بذلك فأنا أضرب أمثلة بأنه يمكن أن يحدث هذا، أما عن مشاكل الأقباط فهى ليست موجودة إلا فى أذهان بعض الناس، أظن أنه ليست هناك مشكلة بين المسلمين والأقباط فمنزلى يطل على كنيسة وأتابع نشاطهم من الصباح إلى المساء ولدى العديد من الأصدقاء الأقباط كجورج إسحق ورفيق حبيب، وفى لبنان مشيل اده نائبى فى مؤسسة القدس والدكتور بشارة وعطاالله حنا فى القدس أيضا، والأب أنطوان، وغيرهم الكثير فى سوريا والعديد من الدول العربية، وبعضهم يقولون لى إننا نتابع برنامج الشريعة والحياة ولا نضيع حلقة.. والوقع أن هناك تهويلا من البعض، وهناك من يتعمد الإساءة للعلاقة بين المسلمين والأقباط، فحادث نجع حمادى حادث فردى قام به رجل لا متدين ولا أى شىء.



س : لكن على مدار الثلاثين عاما الماضية شهدت مصر العديد من أحداث التوتر الطائفى فما تحليلك لذلك؟



ج: عندما تحلل هذه المسألة نجد أن الثأر هو السبب الرئيسى، فمعظم هذه الأحداث تحدث فى الصعيد والسبب الأكبر هو الثأر.



س : هناك رأى يقول إن صعوبة بناء الكنائس وعدم تولى الأقباط لمناصب معينة يشعرهم بحالة غبن تجاه الدولة؟



ج: كيف يكون هناك مع وجود محافظ قبطى وثلاثة وزراء.. لقد زرت إيران منذ 13 سنة أيام ولاية خاتمى وتحدثت مع المسئولين هناك عن مشكلة المسلمين السنة، وطالبتهم بأن يعطوا لهم حقوقهم، وضربت لهم مثلا بالأقباط فى مصر، وهم أقل من السنة فى إيران بكثير، وقلت لهم إن من الأقباط وزراء ونواب، والكنائس موجودة، وأحب أن ألفت النظر إلى أن حاجة الأقباط للكنائس ليست كحاجة المسلمين إلى المساجد التى من المفترض أن يزورها المسلمون 5 مرات يوميا لأداء الصلاة بينما يحتاج الأقباط إلى زيارة الكنائس يوما واحدا فى الأسبوع ومع ذلك يوجد عدد كبير من الكنائس.



س : هناك من يحمل الدولة مسئولية الأحداث الطائفية وآخرون يحملون بعض الجماعات الإسلامية، وهناك من يحمل الكنيسة.. فى رأيك على أى جهة تقع مسئولية التوتر الطائفى؟



ج: كل منها مسئول بقدر ما، فلا تستطيع أن تحمل الدولة أو الكنيسة أو الجماعات الإسلامية كل شىء، فعلى مستوى الجماعات الإسلامية هناك جماعات متسامحة بطبيعتها مثل جماعة الإخوان المسلمين منذ أيام حسن البنا والعلاقة بالكنيسة جيدة، والمسلمون معروفون بتسامحهم فالتسامح فضيلة إسلامية ومفروض على المسلم أن يتعامل بتسامح فقد قال تعالى «لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ»، وهناك وصايا خاصة بأقباط مصر فالرسول صلى الله عليه وسلم أمرنا بأن نبرهم ونصل أرحامهم فإن لنا فيهم نسبا وصهرا، كما أن الأزهر كانت له صلة بالأقباط جيدة.



س : وماذا عن دور الكنيسة؟



ج: أوقات تأخذ الكنيسة دور الانكماش والتخويف والتهويل، مثلها فى ذلك مثل دول الغرب التى تخشى من ظاهرة أطلقوا عليها «الإسلاموفوبيا» وهذا لا أصل له.



كنت مدعوا بإحدى المحاضرات بدار الحكمة حول المشروع الحضارى الإسلامى وكان من المفترض أن يشاركنى الحوار الراحل د.إسماعيل صبرى عبدالله القطب اليسارى المعروف، لكنه تغيب عن الحضور فتحملت وحدى الحديث عن اليسار الإسلامى وفى نهاية المحاضرة قام جورج إسحق وطرح على سؤالا خاصا بدور الأقباط فى المشروع الحضارى الإسلامى فقلت له «دورهم كدور المسلمين فمطلوب منهم أن يساهموا فى البناء الحضارى وهم إخوة للمسلمين»، وشرحت القضية وبعد أن صفق الناس جاء جورج بعد المحاضرة، وقال لى «ليتك يا شيخ تزور الكنائس وتقول لهم هذا الكلام لأنه هناك خوفا من الإسلام وسوء فهم يهيئ للبعض أنه لو انتصر الإسلام سيبيدهم، فهذه مفاهيم تقال لهم وتعبئهم ويساعد على هذا بعض المسلمين والمشايخ الذين لا يفهمون الدين.



س : ما النصيحة التى توجهها لجمال مبارك.. فقد سبق ونصحت والده بألا يمدد لنفسه أو يورث ابنه؟



ج: أقول له أن يكون واحدا من المصريين، وإذا كان لابد من أن يرشح نفسه للرئاسة، فعليه أن يكون كباقى المصريين، ولا يعتبر المسألة مفروغا منها وأن أباه رئيس جمهورية فيجب بالتبعية أن يبقى رئيسا للجمهورية، فهى ليست وراثة، فلابد أن يختاره الشعب بحرية وشفافية.



فنحن نريد أن يختار الشعب رئيسا بكل حرية وبملء إرادته ولو مرة، وأنا لو من جمال أنسحب وأريح نفسى، فعمر بن الخطاب رضى الله عنه عندما قالوا له رشح عبدالله ابنك للخلافة قال: (بحسب آل الخطاب أن يحمل المسئولية منهم واحد، وودت أن أخرج منها كفافا لا على ولا لى)، فكيف للرئيس مبارك أن يحمل نفسه المسئولية ويحمل أولاده من بعده؟!»،وعلى أولاده لن يقولوا لقد أخذنا نصيبنا ثلاثين عاما، فعلينا أن نعطى لغيرنا فسحة، وإذا كانت مغنما فقد حصلنا على المغانم، أما إذا كانت مرغما فحسبنا ما تحملناه.



س : هل نفهم من كلامك أنك مع حق جمال مبارك فى الترشح كواحد من المصريين فى ظل الأوضاع الدستورية المقيدة لغيره من الترشح؟



ج: لا.. بالطبع أن أولا أدعو الجميع أن يركزوا جهودهم على تعديل الدستور حتى تحذف المواد المقيدة والمانعة والتى تقف حاجزا وعقبة أمام الكثير من المصريين الراغبين فى الترشح فمصر ولادة وبها من الكفاءات والخبرات الكثير، لذلك يجب أن تكون هناك حملة عامة تشمل الجميع الأحزاب والنخب والجماعات ورجال الأزهر والكنيسة والجميع، للمطالبة بضرورة تعديل الدستور حتى يعطى فرصة متساوية للجميع من أجل الترشيح للرئاسة وإلا معنى ذلك إننا نضحك على أنفسنا.



س : بعض المراقبين يرون أن مكانة مصر تراجعت على جميع المستويات داخليا وخارجيا فكيف تستعيد مصر مكانتها مرة أخرى؟



ج: لن تستعيد مصر مكانتها وعافيتها ودورها إلا بفتح نوافذ الحرية، واستخراج الطاقات الكامنة والمكبوتة، فكيف لا تجد مصر أحدا مناسبا عندما تبحث عن رئيسا لها فهل عدمت القدرات والمواهب بمصر، فالكبت لا يجعل أى شخصية تظهر فلابد أن تفتح الأبواب على مصراعيها وتظهر الشخصيات وتتنافس، فالديمقراطية الحقيقية هى الحل وليست المزيفة.



س : هل تظن أن النظام الحالى بمصر سيفتح النوافذ؟



ج: النظام الحالى لن يسمح بذلك بل سيسمح بوجود أفراد يلعبون دور الديكور ليكون شكلا للديمقراطية، لكن النتيجة معروفة من الأول، فالنظام سيسمح لبعض الناس بالاتفاق معهم على الترشح.



س : ما البديل؟



ج: لابد من الضغط الشعبى حتى يستطيع الشعب أن يقول لا وبقوة ولابد أن يشعر الشعب المصرى بأن الحرية والإرادة السياسية الوطنية أهم من المأكل والملبس، العرب قديما قالوا: «جوع كلبك يتبعك»، وللأسف هناك من ينظر إلى الشعوب على أنها كلاب تتبعهم فيجوعونها لتظل تحتاج إلى لقمة يمدون أيديهم بها إليهم.



س : هل نجحوا في سياسة التجويع؟



ج: نعم نجحوا فلابد من توعية الشعب عن طريق الإعلاميين والتربويين وكل من لديه فكر وحكمة فالمثقفون عليهم ألا يعيشوا لأنفسهم.



س : كيف تنظر لمصر الآن؟



ج: ربنا يأخذ بأيد مصر ويخلصها من الكابوس، فمصر قوة لها ثقلها بالمنطقة إلى جانب تركيا وإيران.



س : ما البلد التى ترتاح فيه؟



ج : مصر البلد الوحيدة التى أرتاح فيها وأحب أن أستقر به.




السبت، يناير 16، 2010

;لمةالمرشدالسابق والحالى

رسالتي إلى الإخوان المسلمين.. سبعة عقود في رحاب الإخوان المسلمين[16/01/2010][11:17 مكة المكرمة]






أ. محمد مهدي عاكف





الحمدُ للهِ الذي أَكْرمَ خَوَاصَّ عبادِه المؤمنينَ بالأُلْفَةِ في الدين، ووفَّقَهم لِحَمْل رسالةِ الإصلاحِ والخيرِ إلى العالمين، ووعدَهم التوفيقَ والنصرَ في الدنيا وحُسْنَ ثوابِ الآخرةِ يومَ الدين، وصلى اللهُ وسلَّم وباركَ على إمامِ المرسلين، وقُدْوةِ الدعاةِ المجاهدين، وعلى آلِه وأصحابِه وأتباعِه الهُداةِ المصلحين، ومَنْ سار في طريقهم وسلك سبيلَهم إلى يوم الدين.







أما بعد؛ فهذه رسالةٌ استثنائيَّةٌ بكلِّ ما تحملُه الكلمةُ من مَعَانٍ؛ إذْ هي الرسالةُ الأخيرةُ التي أكتبُها من موقعِ المسئولية في هذه الجماعةِ المباركةِ؛ وفاءً لمبادئي، والتزامًا بما أعلنتُه منذ أن شرَّفني وكلَّفني الإخوانُ المسلمون بتحمُّل المسئوليةِ في الموقعِ الأوَّلِ لقيادةِ هذه الدعوةِ المنصورةِ بإذنِ الله، ليعلمَ القاصي والداني أنَّ الإخوانَ المسلمين لا يتلوَّنون ولا يتغيَّرون ولا يقولون إلا ما يفعلون.







حاجة العالم إلى دعوة الإخوان المسلمين



أيها الإخوانُ الأحباءُ، أشقاءَ الروحِ، ورفقاءَ الدرب، وشركاءَ الطموح والآمال، لقد كان مِنْ توفيقِ اللهِ لي منذ وقتٍ مبكرٍ في حياتي وقبل زُهَاء سبعين عامًا؛ أن عرَّفني بهذه الدعوةِ المباركةِ، وشرَّفني بلقاءِ مرشدِها ومؤسِّسِها الإمامِ الشهيدِ حسنِ البنا رحمه الله، وبصحبةِ رعيلِها الأوَّلِ من عظماءِ الرجالِ الذين عرفهم تاريخُنا الحديثُ من مصر وغيرها. ومِن تمامِ توفيقِه سبحانَه أن ثبَّتني عليها برغمِ كلِّ الضغوطِ والتَّحَدِّياتِ، وأسألُه سبحانه أن يختمَ لي بالموتِ عليها، حتى يجمَعَنِي برسولِه- صلى الله عليه وسلم- والدعاةِ مِنْ خلفِه يومَ اللقاء.

لقد أدركتُ بيقينٍ أنَّ هذه الدعوةَ هي حاجةُ مصرَ، بل حاجةُ العربِ، بل حاجةُ المسلمينَ، بل حاجةُ الدنيا بأَسْرِها؛ لما حَمَلتْه مِنْ مبادئَ جدَّدَتْ بها الإسلامَ العظيمَ، وكشفتْ روْعتَه، وصوَّبتْ فهمَ رسالتِهِ، باعتبارِها رسالةَ إصلاحٍ شاملٍ لكلِّ مَنَاحي الحياة، على حدِّ قوله تعالى ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)﴾ (الأنعام).







فبَعْدَ أن كان قد شاعَ خطأً أنَّ الإسلامَ مقصورٌ على ضُروبٍ من العباداتِ والرُّوحانيَّاتِ، جاءتْ دعوةُ الإخوانِ المسلمينَ لِتُعْلِنَ أنَّ الإسلامَ دينٌ شاملٌ، ينتظمُ شئونَ الحياة جميعًا، ويُفتي في كل شأنٍ منها، ويضعُ له نظامًا مُحكَمًا دقيقًا، ولا يقفُ مكتوفًا أمامَ المشكلاتِ الحيويَّة والنُّظُمِ التي لا بُدَّ منها لإِصلاحِ الناس، "فهو دولةٌ ووطنٌ أو حكومةٌ وأمةٌ، وهو خُلُقٌ وقوةٌ أو رحمةٌ وعدالةٌ، وهو ثقافةٌ وقانونٌ أو علمٌ وقضاءٌ، وهو مادةٌ وثروةٌ أو كسبٌ وغنىً، وهو جهادٌ ودعوةٌ أو جيشٌ وفكرةٌ، كما هو عقيدةٌ صادقةٌ وعبادةٌ صحيحةٌ، سواء بسواء".







وما أشدَّ حاجةَ العالمِ كلِّه إلى أن يفهمَ الإسلامَ على هذا النَّحْوِ العظيمِ، فعندئذٍ تتحقَّقُ آمالٌ كثيرةٌ، وتَنْمَحِي مفاسدُ عظيمةٌ، ويَحِلُّ على البشريةِ سلامٌ تامٌّ وأمنٌ مُطْمَئِنٌ، فيَا لَيْتَ قومي يعلمون!.







منهاج الإصلاح عند الإخوان



أدرك الإخوانُ أنَّ السبيلَ إلى تحقيقِ هذا الفهمِ الصحيحِ للإسلامِ في الواقعِ يبدأُ بإصلاحٍ يزيلُ مِنْ واقعِ الأمةِ الشعورَ الخامدَ والخُلُقَ الفاسدَ والشُّحَّ المقيمَ، فقصدوا أولاً إلى تربيةِ النفوسِ وتجديدِ الأرواحِ وتقويةِ الأخلاقِ وتنميةِ الرجولةِ الصحيحةِ في نفوسِ الأمة، وعلى هذا الأساس:





1- وُضع المنهاجُ العقديُّ للإخوانِ المسلمينَ، مُسْتخلَصًا مِنْ كتابِ الله وسُنَّةِ رسولِه- صلى الله عليه وسلم- الصحيحةِ، لا يَخْرُجُ عنهما قِيدَ شَعْرَةٍ، بما يجعلُ الإسلامَ حيًّا في أعصابِ المسلمِ، يقظًا في وعْيِهِ وضميرِهِ، مُوَجِّهًا لحركتِه وسلوكِه.



2- ووُضع المنهاجُ التربويُّ للإخوانِ، الذي يحققُ الالتزامَ الصحيحَ بكُلِّ عباداتِ الإسلامِ وشعائرِهِ؛ التي هي أقربُ السُّبُل إلى تزكيةِ النفوسِ وتطهيرِ الأرواح.



3- ووُضع المنهاجُ الثقافيُّ المتكاملُ، الذي يحقق الفهمَ الصحيحَ الوسطيَّ لحقائقِ الإسلامِ مِنْ غير إفراطٍ ولا تفريطٍ، ويَعْصِمُ مِنْ الخلْطِ والشَّطَطِ، ويُرسِي الأَساسَ السليمَ للوحدةِ العربيةِ والإسلاميةِ الجامعة.



4- ووُضع المنهاجُ العمليُّ، ليطبِّقَ الإخوانُ مبادئَ الإسلامِ وأخلاقَه في الواقعِ في تعاملاتِهم وسُلوكِهم ومجتمعاتِهم، وقدَّم الإخوانُ- حيث وُجدوا- نماذجَ رائدةً في كل مجالاتِ العملِ المِهَنِيِّ والاجتماعيِّ النافع.



5- ووُضع المنهاجُ الحركيُّ والسياسيُّ المُسْتَلْهَم من الإسلامِ، فدعا الإخوانُ ولا يزالونَ يَدْعُون إلى إصلاحٍ شاملٍ كاملٍ، تتعاونُ عليه قُوَى الأمةِ جميعًا بلا استثناءٍ ولا إقصاءٍ، ويشاركُ فيه الشعبُ والأمةُ بكلِّ فئاتِها، ويتناولُ كلَّ الأوضاعِ الفاسدةِ بالتغييرِ والتبديلِ، انطلاقًا مِنْ دينِ الأمة وهُوِّيَّتِها الثقافيةِ والحضاريةِ، وشاركوا وسوف يستمرون في المشاركةِ الفعَّالةِ والإيجابيةِ في كلِّ عملٍ أو تَجَمُّعٍ يَهْدِفُ إلى إعزازِ أمتِهم ووطنِهم في كل ميْدانٍ، على المستوى المحليِّ والعالمي.



6- ووُضع المنهاجُ الجهاديُّ الصحيحُ، الذي يُفَرِّق بين مجاهدةِ المحتلِّ للبلادِ عن طريقِ المقاومةِ المسلَّحةِ وبين المجاهدةِ السِّلْميَّة للأنظمةِ الوطنيةِ الفاسدةِ عن طريقِ النصحِ والتوجيهِ والإرشادِ وتصحيحِ المفاهيمِ والمشاركةِ في الأنشطةِ الاجتماعيةِ والاقتصاديةِ والسياسيةِ، بعيدًا عن العنفِ وحمْلِ السلاحِ ونشْرِ الفوضى في المجتمعات.



7- ووُضعت اللوائحُ التنظيميةُ، لاستكمالِ الهياكلِ، وإعدادِ الخُطَطِ، وتحديدِ الإستراتيجياتِ، واتخاذِ القراراتِ، وتطويرِ الآليَّاتِ، وضَبْطِ سَيْرِ العملِ، ومتابعةِ تحقيقِ الأهدافِ، ورصْدِ الأحداثِ والمتغيراتِ، وتصحيحِ الأخطاءِ، في ظلالٍ من الأُخُوَّةِ والمحبةِ والثِّقةِ والانضباط.







كلُّ ذلك والإخوانُ يُراجعون مناهِجَهم ولوائِحَهم حينًا بعْدَ حينٍ، فيستحدثون ما يُصَحِّحُ الخطأَ ويُقَوِّمُ المسيرةَ، ويسمعون لِنَاصِحِيهم ومُحِبِّيهم، كما يستفيدون مِنْ ناقِدِيهم وخصومِ دعوتِهم، ولا يَأْلُون جُهْدًا في مراجعةِ مواقِفِهم وتطويرِ آرائِهم حَسْبَ الجديدِ الذي يُواجهونه مِنَ المواقفِ والأفكارِ، في مُرُونةٍ لا تُناقِضُ الثوابتَ ولا تَنْقُضُ المبادئَ التي اقتنعوا بها، وهم يدركون أنهم لَنْ يزالوا بخيرٍ ما قَبِلُوا النصيحة، ورضيَ اللهُ عن أميرِ المؤمنينَ عمرَ بنِ الخطابِ الذي دعا لمَنْ دلَّه على عيبِهِ، فقال: "رَحِمَ اللهُ امْرءًا أَهْدَى إليَّ عُيُوبِي".







دعوة الإخوان هي دعوة الإنقاذ لأمتنا الحبيبة



لهذا لا جَرَمَ أن أقول: إنَّ في دعوةِ الإخوانِ المسلمينَ لو فَقِهَها الناسُ لَمُنقِذًا، وإنَّ في منهاجِهم الربَّانيِّ لو اتبعتْه الأمةُ لَنَجَاحًا، وإنَّ في جهودِهم لو أُعِينُوا عليها لأَمَلاً، وإنهم لَماضُون في طريقِهم لخدمةِ دينِهم وأمتِهم بإذنِ الله، لا يَضرُّهم مَنْ خَذَلَهم ولا مَنْ ناوَأَهُم، حتى يأذنَ اللهُ لأمتِهم وللدنيا أنْ تسعدَ بالخير الذي يحملون إليها، ولعلَّ من المناسب هنا أن أُذَكِّر قومَنا وأذكِّر المتحاملينَ على دعوتِنا، والمشكِّكينَ في مبادِئِنا ووطنيَّتِنا؛ بما تنطوي عليه نفوسُنا، وعبَّر عنه الإمامُ الشهيدُ حسنُ البنا في رسالة (دعوتُنا) حين قال:



"ونُحِبُّ أنْ يعلمَ قومُنا أنهم أحبُّ إلينا من أنفسِنا، وأنه حبيبٌ إلى هذه النفوسِ أن تذهبَ فِداءً لعزَّتِهم إن كان فيها الفِداءُ، وأن تُزْهَق ثمنًا لمجدِهم وكرامتِهم ودينِهم وآمالِهم إن كان فيها الغَنَاء، وما أَوْقَفَنا هذا الموقفَ منهم إلا هذه العاطفةُ التي استبدَّتْ بقلوبِنا، ومَلَكَتْ علينا مشاعرَنا، فأقضَّتْ مضاجِعَنا، وأسالتْ مدامِعَنا، وإنه لعزيزٌ علينا جِدُّ عزيزٍ أن نرى ما يُحيطُ بقومِنا، ثم نستسلمَ للذلِّ، أو نرضى بالهوانِ، أو نستكينَ لليأسِ، فنحن نعملُ للناسِ في سبيلِ الله أكثرَ مما نعملُ لأنفسِنا، فنحنُ لكم لا لغيركم أيها الأحبابُ، ولن نكونَ عليكم في يومٍ من الأيام.







ولَسْنَا نَمْتَنُّ بشيءٍ، ولا نرى لأنفسِنا في ذلك فضلاً، وإنما نعتقدُ قولَ الله تعالى ﴿بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (الحجرات: من الآية 17).







وكم نتمنَّى- لَوْ تنفع الْمُنَى- أن تتفتَّحَ هذه القلوبُ على مَرْأى ومَسْمَعٍ من أمَّتِنا، فينظرَ إخوانُنا: هل يَرَوْنَ فيها إلا حُبَّ الخيرِ لهم والإشفاقَ عليهم والتفانيَ في صالِحِهم؟ وهل يَجِدون إلا ألمًا مُضْنِيًا من هذه الحالِ التي وصلْنا إليها؟ ولكنْ حسْبُنا أن اللهَ يعلمُ ذلك كلَّه، وهو وحدَهُ الكفيلُ بالتأييدِ الموفِّقُ للتسديد".







المستقبل لدعوة الحق التي يحملها الإخوان المسلمون



أيها الإخوان المسلمون، إنَّ المستقبلَ لجماعتِكم ولدعوتِكم ولدينِكم؛ لأسبابٍ واقعيةٍ كثيرة:



1- أولُها: وعدُ اللهِ للعاملينَ المخلصينَ لدينِه ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور: من الآية 55)، ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ (41)﴾ (الحج)، واللهُ لا يُخْلِفُ الميعاد.



2- أنَّ المشروعَ الربانيَّ الإصلاحيَّ الحضاريَّ الذي تحملونه قد دلَّتْ كلُّ وقائعِ التاريخِ وحقائقِ العقلِ والواقعِ أنه الأنفعُ للبشريةِ والمنقذُ لها من التِّيه، ولذلك فهو يحملُ سِرَّ بقائِه؛ كائنةً ما كانت الظروفُ الإقليميةُ والدولية ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ (الرعد: من الآية 17).



3- أنَّ المشروعَ النَّهْضويَّ الإنقاذيَّ الذي تستمسكون به قد رُوِي بدماءٍ زكيةٍ من شهداءِ هذه الدعوة المباركة، بدءًا من الإمامِ الشهيدِ حسن البنا، والمجاهدِ الشهيدِ عزِّ الدين القسامِ، ومرورًا بدماءِ شهداءِ الدعوةِ في سجونِ الظلمِ والطغيان: محمد فرغلي، وعبدِ القادر عودة، ومحمد يوسف هواش، وإبراهيمَ الطيب، وهنداوي دوير، ومحمود عبد اللطيف، وسيد قطب، وعبد الفتاح إسماعيل، وكمال السنانيري، وعبد الله عزام، وغيرِهم من الشهداء، وانتهاءً بشهداءِ العزةِ في فلسطين الحبيبة: أحمد ياسين، والرنتيسي، وصلاحِ شحادة، وفتحي الشقاقي، ويحيى عياش، ونزار ريان، وسعيد صيام، وغيرِهم من أبطال الجهاد والمقاومة، فضلاً عن عشراتِ الآلافِ مِنَ الصابرينَ الصامدينَ الذين تعرَّضوا لأنواعِ الظلمِ في سجونِ الظلمِ والطغيان، أو تحت نِير الأَسْرِ في سجونِ الاحتلالِ، والذين سطَّروا أروعَ تاريخٍ لثباتِ الإخوانِ المسلمينَ، عَبْرَ عُقُودٍ من الجهادِ والدعوةِ في مصرَ وفلسطينَ وغيرِهما. وهذه دماءٌ وتضحياتٌ لَنْ تضيعَ بإذن الله، وقد رأيتُم بشائرَ ثمارِها من التفافِ الأمةِ حولَ دعوتِكم، وتأييدِها الجارفِ لمشروعِكم، حتى صارتْ دعوتُكم مِلْءَ السمعِ والبصر في عشراتِ الأقطارِ العربيةِ والإسلامية.



4- أنَّ دعوتَكم وجماعتَكم تضمُّ عددًا هائلاً من أرقى النُّخبِ والعناصرِ الفكريةِ والعلميةِ والأكاديميةِ والاقتصاديةِ والسياسيةِ والمهنيةِ الصادقةِ والمخلصةِ، قلَّ أنْ يتوفَّرَ على مثلِها- كمًّا أو نوعًا- أيُّ فصيلٍ آخرَ أو دعوةٍ أخرى في هذا العالم، رغمَ كلِّ الضغوطِ التي تمارسُها الأنظمةُ الفاسدةُ المتسلطةُ، وهذا يعني أنكم تملكون مفاتيحَ المستقبلِ بإذن الله.



5- أنَّ مشروعَكُم النَّهْضَوِيَّ الإصلاحيَّ يجمع بين الأصالةِ والمعاصرةِ، ويتَّصفُ بالمرونةِ الإيجابيةِ، فهو إذْ يحافظُ على المقدساتِ والثوابتِ الشرعيةِ لا يتردَّدُ في التجاوبِ معَ كلِّ جديدٍٍ من الأفكارِ النافعةِ والصالحةِ، وشعارُه حديثُ النبي- صلى الله عليه وسلم-: "الْكَلِمَةُ الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ، فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا" (الترمذي وابن ماجه). فنحنُ أيُّها الإخوانُ نطلبُ الحكمةَ ونبحثُ عنها بمنتهى الجِدِّ والصِّدْقِ كما يبحثُ الإنسانُ عن ضالَّتِهِ التي تاهتْ منه، فإذا وجدها كان أحرصَ الناسِ عليها، وكذلك الإخوانُ لا يُفَوِّتون شيئًا من الحقِّ فيه صلاحُ أمتِهم، ولا يتأخَّرون عن قَبُوِل الصوابِ والرجوعِ إليه والاستمساكِ به، وذلك من أهمِّ أسبابِ نجاحِهم وقُوَّتِهم.



6- أنَّ الذين اتخذوكم خصومًا من الأنظمةِ المستبدةِ والطُّغَمِ الفاسدةِ لا يقفون على أرضٍ صُلْبةٍ، ولا يمتلكون عناصرَ في مثلِ طُهْرِكم وسلامةِ صدورِكم ونظافةِ أيديكم، ولا يتمتَّعون بأي قبولٍ حقيقيٍّ لدى جماهيرِ الأمة، ولذلك فهم يَحْمُون بعصا الأمنِ كراسيَّهم وفسادَهم، ولا يملكون القدرةَ على مواجهتِكم في مَيْدَانِ الفكرِ والسياسةِ وخدمةِ الأمةِ، ولا حيلةَ لهم غيرُ اعتقالِكم، ومحاولةِ إرباكِ مشروعِكم، والحيلولةِ بينكم وبين جماهيرِ أمتِكم، والاستقواءِ بالأجنبيِّ عليكم وعلى الأمةِ، وبذلِ غايةِ الجُهْدِ في الإيقاعِ بينكم، وتشويهِ جهادِكم، وقد أثبتت الأيامُ أنَّ ذلك لا يزيدُ الإخوانَ إلا تَوَحُّدًا في صفوفِهم، وثباتًا على مبادئِهم، ومحبةً لدى شعوبِهم وأمتِهم، على حدِّ قول أبي الطَّيِّبِ المتنبِّي:



وإذا أتَتْكَ مَذَمّتي من ناقصٍ فَهْيَ الشَهادَةُ لي بأنيّ كامِلُ







7- أنَّ مشروعَ الإخوانِ المسلمينَ للنهضةِ والإصلاحِ يعملُ على تحريرِ الوطنِ العربيِّ والإسلاميِّ مِنْ كلِّ سلطانٍ أجنبيٍّ في كلِّ المجالاتِ الاقتصاديةِ والسياسيةِ والثقافيةِ والرُّوحيةِ، وتحريرِ الأرضِ العربيةِ والإسلاميةِ مِنْ رِبْقَةِ الاحتلالِ، لذلك فإنَّ مشروعَهم يقفُ ضدَّه المشروعُ الصهيو أمريكي الذي يتعلقُ به نفرٌ من بني جلدتنا اتخذوا من خصومةِ الإخوانِ وتشويهِ صورتِهم الناصعةِ ومحاربةِ المشروعِ الإسلاميِّ عنوانًا لهم، ومشروعُهم هذا يَفْقِدُ يومًا بعدَ يومٍ قُوَّتَه وسَطْوَتَه وأنصارَه، ويتآكلُ- بسببِ مواقفِه الخاطئةِ- في كلِّ يومٍ رصيدُه الجماهيريُّ والشعبيُّ لصالحِ مشروعِكم الإسلاميِّ الحضاريِّ الذي يلقى إقبالاً متزايدًا وتأييدًا جارفًا مِنَ الشعوبِ الحرةِ الشريفةِ، وبِخاصَّةٍ شبابُها الناهضُ ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88)﴾ (ص).







إلى العمل الدءوب أيها الإخوان



لهذا أدعوكم أيها الإخوانُ المسلمونَ إلى التَّمَسُّكِ بدعوتِكم ومبادئِكم، والعضِّ عليها بالنواجذِ، وعدمِ التردُّدِ أو التراجعِ أمامَ هذا الاستهتارِ الظالمِ بحُريَّاتِكم، والحربِ الظالمةِ عليكم، والتضييقِ الباغي على أرزاقِكم، والتشويهِ الظالمِ لدعوتِكم ورموزِكم، فتلك ضريبةُ السَّيْرِ في طريقِ الإصلاحِ، وعُرْبُونُ النصرِ القريبِ القادمِ على الظلمِ والظالمينَ بإذن الله ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140)﴾ (آل عمران).







فاقتحموا المستقبلَ بما لديْكم من إيمانٍ عميقٍ، وطاقاتٍ رُوحيَّةٍ وماديَّةٍ ومعنويَّةٍ عظيمةٍ، وبما تملكون من عناصرَ مباركةٍ من رجالٍ ونساءٍ وشبابٍ وفتياتٍ، اجتمعوا على الحبِّ في الله، والأُخُوَّةِ على الإسلام، والثقةِ في المنهاجِ الحكيمِ، لا يعرفون اليأسَ، ولا يُقِيمون على الضَّيْمِ، ولا يتأخَّرون عن التضحيةِ في سبيلِ دينِهم وأمَّتِهم.







وإذْ أعلنُ لكم وللدنيا عن عزمي تحقيقَ ما وعدتُ به من إخلاءِ موقعِ القيادةِ لدماءٍ جديدةٍ، فإنَّني على ثقةٍ من أنَّ الجماعةَ التي تضمُّ هذه الطاقاتِ والخِبْراتِ لجديرةٌ بتحقيقِ الآمالِ واختيارِ أفضلِ العناصرِ بإذنِ الله، فلا تهابوا التغييرَ، ففيه بركةٌ عظيمةٌ، وإيَّاكم والإلْفَ أو التوقفَ عن تجديدِ الدماء؛ فإنَّ ذلك يُعطِّلُ الطاقاتِ، ويؤخِّرُ الوصولَ إلى الغايات.







وأما إخوانُنا الأحباءُ المغيَّبونَ خلفَ أسوارِ البغْيِ والظلمِ، في محاكماتٍ عسكريةٍ ظالمةٍ، أو في اعتقالاتٍ همجيةٍ آثمةٍ، أو في قضايا ملفقةٍ واهيةٍ، فإنني أقدم لهم خالصَ التحية وعظيمَ التقدير على صبرِهم وثباتِهم، كما أُقدِّم التحيةَ لآبائِهم وأمهاتِهم وزوجاتِهم وأولادِهم.. وأسأل الله لهم فرجًا عاجلاً، ولدعوتِهم فتحًا قريبًا.







إلى القوى الإسلاميةِ والقوميةِ والوطنيةِ في الأمة



إنَّ الإخوانَ المسلمينَ يدركون تمامَ الإدراكِ أنهم لا يُمكنُهم وحدَهم تحقيقُ أملِ الأمةِ في النهضةِ والإصلاحِ، ولا يَرَوْنَ أنفسَهم إلا فصيلاً مهمًّا وكبيرًا ومخلصًا من فصائلِ الأمةِ وقُواها الحيةِ، وأنَّ النجاحَ إنما يتِمُّ بتضافُرِ الجهودِ وتآزُرِ القُوَى، ومِنْ ثَمَّ فإنهم ما فَتِئُوا يَمُدُّون أيديَهم لكلِّ المخلصينَ والشرفاءِ من كافةِ التياراتِ والتوجُّهاتِ الحزبيةِ والسياسيةِ والفكريةِ للمشاركةِ والتعاونِ في العملِ لصالحِ الأمةِ، وإنَّ بينَ المخلصينَ من كافةِ التياراتِ وبين الإخوانِ لَكَثِيرًا من المشتركاتِ التي تنتظرُ شَدَّ اليدِ باليد وضَمَّ الجُهْدِ إلى الجُهْدِ، لما فيه الخيرُ والنفعُ للجميع، وإنا لفاعلون، فهل أنتم فاعلون؟.







ودَعُوني أُكَرِّرْ مضمونَ ما قاله الإخوانُ باستمرار: نحنُ الإخوانَ المسلمينَ لا نعملُ إطلاقًا على إقصاءِ أحدٍ أو تهميشِ دَوْرِهِ، ونرفضُ بكلِّ قوةٍ أن يعملَ الآخَرونَ على إقصائِنا أو تهميشِنا، ونرى بمنتهى الصدقِ والإخلاصِ أنَّ الوطنَ العزيزَ الذي نركبُ سفينتَه جميعًا في حاجةٍ إلى جهودِ الجميعِ برُؤاهم المتنوعةِ لإنقاذِ هذه السفينةِ التي تحملُنا جميعًا من الغرق، في ظلِّ ديمقراطيةٍ سليمةٍ وشورى حكيمةٍ، تُرْسِي مبدأَ المشاركةِ بين أبناءِ الوطنِ؛ لا مبدأَ المغالبةِ والإقصاءِ لأحدٍ، أو على حسابِ أحد.







وأما أولئك الذين يُصِرُّون على خصومتِنا، ويَأْبَوْن إلا الاعتداءَ والافتراءَ علينا والنظرَ إلينا بعين الشكِّ والرِّيبة، أو بعين الاستكبار والعُلُوّ، فلا نملك إلا أن نقول لهم ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (القصص: من الآية 55)، وندعو لهم بما دعا به النبي- صلى الله عليه وسلم-: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ" (متفق عليه).







شكر وتقدير



لقد حملتُ مسئوليةَ قيادةِ هذه الجماعةِ المباركةِ ستَّ سنواتٍ، ازدحمتْ بالأحداثِ والأعمالِ، وكان إلى جانبي ثُلَّةٌ كريمةٌ من خِيارِ الإخوانِ من أعضاءِ مكتبِ الإرشادِ، كانوا نِعْمَ العونُ والسندُ لي ولهذه الدعوةِ المباركةِ، منهم مَنْ قضى نَحْبَه، نسأل اللهُ أن يتغمَّدهم برحمتِه، ومنهم مَنْ غيَّبَتْه يدُ الظلمِ خلفَ الأسوارِ، ومنهم مَنْ تعرَّض للبطشِ والتنكيلِ والاعتقالِ المتكرِّرِ، فما وَهَنُوا وما ضَعُفُوا وما استكانوا، وما تردَّدوا في القيامِ بالواجبِ، والتضحيةِ بالأوقاتِ والراحاتِ والأنفسِ، فلهم من الله عظيمُ الأجر والمثوبة، ولهم مني خالصُ الشكر والتقدير، وأسأل الله أن يزيدهم توفيقًا لما فيه خيرُ الدعوة وخيرُ الأمة.



 أتقدمُ بخالصِ شكري وتقديري لإخواني الكرامِ مسئولي الجماعةِ في الداخلِ والخارجِ، القابضينَ على دينِهم، الثابتينَ على دعوتِهم، القائمينَ برسالتِهم، وأسألُ اللهَ أن يجزيَهم عن الدعوةِ وأهلِها خيرَ الجزاء.النهايةِ فكلُّ بشرٍ تحصلُ منه الهَنَاتُ والزَّلاتُ، ولستُ بدعًا من البشرِ في ذلك، وكلُّ بني آدمَ خَطَّاء، وخيرُ الخطائين التوَّابون، وأسألُ اللهَ أن يقبلَ عملي، ويغفرَ زَلَلي، وأنْ يختمَ لي بخيرِ ما يختمُ لعبادِه الصالحين، وآخرُ دعوانا أن الحمدُ لله رب العالمين، والله أكبر ولله الحمد، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته



خطاب فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين[16/01/2010][11:50 مكة المكرمة]






فضيلة الأستاذ الدكتور محمد بديع









بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.. وبعد؛



أيها السادة الأعزاء.. الإخوة الكرام والأخوات الفضليات..



أحييكم بتحية الإسلام العظيم فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..



شاءت إرادة الله عز وجل أن أتحمل هذه المسئولية الجسيمة، على غير تطلع مني، ولا تميز أو فضل لي؛ لكنه تقدير الله والتكليف الذي لا أملك معه غير النزول عنده، مستعينًا بالله، ومستلهمًا منه التوفيق، وواثقًا من معونتكم ومساندتكم؛ لتحقيق الأهداف السامية التي نذرنا أنفسنا وجهودنا لأجلها ابتغاء فضل الله ورضوانه.







الإخوة الكرام.. والأخوات الفضليات..



- في بداية حديثي أتوجه إلى أستاذنا وأخينا الكبير ومرشدنا الكريم الأستاذ محمد مهدي عاكف المرشد السابع للجماعة الذي قاد السفينة وسط العواصف والأنواء، وتجاوز بها العقبات، ثم قدَّم هذا النموذج الفريد لكل القادة والمسئولين في الحكومات والهيئات والأحزاب بالوفاء بعهده، وتسليم القيادة بعد فترة واحدة، فتعجز كل كلمات اللغة عن التعبير عما في صدورنا من حب وتقدير لهذا المرشد، ولا نملك إلا أن نقول: جزاك الله خيرًا وأثابك بفضله ثواب الصديقين..



- ونقول لإخواننا الأحبة من الإخوان المسلمين المنتشرين في أرجاء الدنيا؛ كم كنا نتمنى أن يتم هذا الحدث الكبير وأنتم بيننا ومعنا، ولكن إن غابت الأجساد فالأرواح تتلاقى، ودعواتكم تحملها الملائكة ونصائحكم واقتراحاتكم ننتظرها ونسعد بها.



- وأما الأحبة الذين غيَّبتهم يد الظلم والاستبداد خلف الأسوار بغير حق إلا أنهم قالوا ربنا الله، وسعوا في إعزاز وطنهم وتقدم أمتهم؛ فإننا نقدم لهم خالص التحية على صبرهم وثباتهم وتضحياتهم التي نثق أنها لن تذهب هدرًا، ولن تضيع سدى، ورجاؤنا في الله كبير أن يفيء الظالمون لرشدهم، ويعودوا لصوابهم، ونراكم معنا تكملون المسيرة وتدعمون الدعوة، والله يحفظكم ويرعاكم.







الإخوة الكرام.. والأخوات الفضليات..



تعلمون جميعًا أن هدف الإخوان الأسمى هو الإصلاح الشامل الكامل، الذي يتناول الأوضاع الحالية بالإصلاح والتغيير ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (هود: من الآية 88)، وبالتعاون مع كل قوى الأمة المخلصة، وأصحاب الهمم العالية من المحبين لدينهم ولأمتهم.







ويعتقد الإخوان المسلمون أن الإسلام العظيم قد وضع الله فيه كل الأصول اللازمة لحياة الأمم ونهضتها وإسعادها؛ ولهذا جعلوا الإسلام مرجعيتهم ومنطلقهم نحو تحقيق الإصلاح، الذي يبدأ من نفوس الأفراد، فيتناولها بالتهذيب والتربية، مرورًا بالأسر والمجتمعات بتقويتها ورفع المظالم عنها، وجهادًا متواصلاً لتحرير الوطن من كل سلطان أجنبي وهيمنة فكرية وروحية وثقافية واستعمار عسكري واقتصادي وسياسي، ووصولاً إلى قيادة الأمة إلى التقدم والازدهار، وأخذ موقعها المناسب في الدنيا، وقد كان من نتائج هذا الفهم الشامل للإسلام أن وصف الإخوان بأنهم دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية، والقرآن العظيم ينطق بذلك كله في قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (القصص: من الآية 77)، وهم يدركون أن القرآن الكريم والسنة الصحيحة قد تضمنا القواعد الكلية في سائر الشئون، وبقي على الأمة أن تتلمس الأصلح لها في ضوء هذه القواعد من البدائل المختلفة والخيارات الفقهية التي تتغير بتغير العرف والعادات والزمان والمكان.

الإخوة الكرام.. والأخوات الفضليات..







مع وضوح فكرتنا ومقاصدنا وأهدافنا؛ فإن كثيرين يحاولون تعريفنا بغير ما نحن عليه، وينسبون إلينا ما ليس من أهدافنا ومقاصدنا، ما يفرض علينا أن نكرر بين الحين والآخر تعريف الناس بنا وبمبادئنا وثوابتنا ومواقفنا من القضايا المطروحة، حتى يستبين الحق للجميع.







وأقول في البداية للذين يتحدثون عن وحدة الجماعة وتماسك صفها: إن الذين يعملون لربهم ولدينهم ولأوطانهم بإخلاص لا يمكن إلا أن يكونوا صفًّا واحدًا، وإن تنوعت آراؤهم، وتفاوتت بعض اجتهاداتهم، ولا يعرف الإخوان على حقيقتهم من يتصور أن اختلاف الرأي بينهم يمكن أن يفسد الود، أو يؤثر في صدق الحب، وقد عاهدنا وبايعنا جميعًا ربنا عزَّ وجلَّ أن نعمل في سبيله صفًّا كالبنيان المرصوص.







ويعمل الإخوان بالحب والأخوة طبقًا لأعراف مستقرة ولوائح وقواعد منظمة لعمل الجماعة، وهذه بالضرورة محل مراجعة وتطوير مستمر لاستدراك الأخطاء البشرية والقصور الإنساني، في مرونة لا تناقض الثوابت، ولا تنقض المبادئ، والإخوان في هذا الصدد يقبلون النصيحة، ويستفيدون الحكمة من الجميع وشعارهم "رحم الله امرءًا أهدى إليَّ عيوبي".







الإخوة الكرام.. والأخوات الفضليات..



أحب أن أؤكد لحضراتكم على ما يلي:



- نحن جماعة من المسلمين ولسنا جماعة المسلمين، كما يروج الذين لا يعرفون دعوة الإخوان، فالإسلام أكبر من أن تحتكره جماعة، وبفضل الله سبحانه وتعالى تلقى دعوة الإخوان تعاطفًا شعبيًّا واسعًا في كل بلدان العالم العربي والإسلامي؛ لأنها دعوة وسطية تستقي من النبع الصافي القرآن والسنة.



- إن دعوتنا وحركتنا سلسلة متصلة الحلقات، يُبنى فيها اللاحق على جهود السابق وشعارنا ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الحشر: من الآية10).



- إننا نؤمن بالتدرج في الإصلاح، وأن ذلك لا يتم إلا بأسلوب سلمي ونضال دستوري قائم على الإقناع والحوار وعدم الإكراه؛ ولذلك نرفض العنف وندينه بكل أشكاله؛ سواءٌ من جانب الحكومات أو من جانب الأفراد، أو الجماعات أو المؤسسات.



- يرى الإخوان المسلمون أن نظام الحكم يجب أن يحافظ على الحريات الشخصية والشورى (أو الديمقراطية) واستمداد شرعية السلطة من الأمة وتحديد السلطات والفصل بينها وهم لا يعدلون بذلك بديلاً، ومن هذا المنطلق فهم يشاركون في الانتخابات العامة، ويطالبون بإصلاح الحكم من خلال الوسائل السلمية المتاحة، ومنها العمل البرلماني، والأهلي، ويعتبرون ذلك واجبًا يمليه عليهم فهمهم لدينهم وإخلاصهم لوطنهم.



- أما موقفنا من الأنظمة القائمة في بلادنا؛ فنحن نؤكد أن الإخوان لم يكونوا في يوم من الأيام خصومًا لها، وإن كان بعضها دائم التضييق عليهم والمصادرة لأموالهم وأرزاقهم والاعتقال المستمر لأفرادهم؛ لكن الإخوان لا يترددون أبدًا في الكشف عن الفساد في كل المجالات، ولا يتأخرون في توجيه النصائح وتقديم المقترحات للخروج من الأزمات المتلاحقة التي تتعرَّض لها بلادنا، ويربون أبناء وبنات الأمة على الأخلاق والفضائل والنفع للغير، وهذا كله يصب في مصلحة الوطن والمواطنين ومؤسسات الدولة.



- ويرى الإخوان أن الأصل في موقفهم من الأنظمة، أنهم يؤيدون الحسن ويعارضون السيئ، ومن ثم فإنهم حينما يعارضون لا يعارضون لمجرد المعارضة.



- أما إخواننا المسيحيون في مصر والعالم العربي والإسلامي؛ فموقفنا منهم واضح تمام الوضوح فهم شركاؤنا في الوطن وبناء حضارته، وزملاؤنا في الدفاع عنه، ورفقاؤنا في تنميته والنهوض به، والبر بهم والتعاون معهم فريضة إسلامية ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)﴾ (الممتحنة).



- ويرى الإخوان أن المواطنة أساسها المشاركة الكاملة والمساواة في الحقوق والواجبات، مع بقاء المسائل الخاصة (كالأحوال الشخصية) لكل حسب شرعته ومنهاجه.



- وبهذه المناسبة؛ فالإخوان يرفضون ويدينون بكل قوة كافة أشكال العنف الطائفي الذي يحصل بين الحين والآخر، ولا يترددون في إعلان موقفهم الرافض لهذه الحوادث المؤلمة في كل وقت، فالنصارى يمثلون مع المسلمين نسيجًا اجتماعيًّا وثقافيًّا وحضاريًّا واحدًا تداخلت خيوطه وتآلفت ألوانه وتماسكت عناصره عبر القرون والأجيال، كما أنهم يدعون إلى بحث أسباب التوتر الكامن بصراحة كاملة، ووضع الحلول التي تزيل كل الحساسيات، وتعيد إلى الجسد الوطني صحته وعافيته.



- وفيما يتصل بالمرأة؛ فالإخوان قد بيَّنوا قبل ذلك في وثيقة المرأة كافة حقوقها في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي "إنما النساء شقائق الرجال"، ونحن ندعو المرأة المسلمة لأن تقوم بدورها العام ولا تغيب عن المجتمع ولا عن القضايا العامة لمصلحة شعوبنا العربية والإسلامية.



- إن الشورى (أو الديمقراطية) هي وسليتنا الأساسية التي نجاهد لإقرارها وتدعيمها، وكل مؤسسات الجماعة يتم بناؤها على أساس من هذه الممارسة؛ بدءًا من مجالس إدارات الشعب، حتى مكتب الإرشاد العام، وينبه الإخوان أن الشورى في جوهرها تعني احترام الرأي الآخر، ثم الالتزام برأي الأغلبية.



- أما القوى الإسلامية والقومية والوطنية والأحزاب السياسية والنخب الفكرية والثقافية؛ فالإخوان يؤمنون تمامًا أن الجميع لا بد أن يكونوا شركاء في النهضة والإصلاح وهم يمدون أيديهم للجميع، ويرفضون إقصاء أحد أو استثناء أية هيئة أو تهميش أي دور، ويقبلون بتعدد الأحزاب، ووجوب إطلاق تكوينها بلا قيود ما دامت في إطار الدستور، ويؤمنون بتداول السلطة عن طريق الانتخابات الحرة النزيهة، فالأمة مصدر السلطة، وإصلاحها مسئوليتنا جميعًا بلا إقصاء ولا استثناء.



- يضع الإخوان المسلمون قضية فلسطين في أولويات اهتمامهم ويرونها قضية الأمة الكبرى، وأن أرض فلسطين بمقدساتها والمسجد الأقصى في القلب منها هي أرض العروبة والإسلام، ولا يدخرون جهدًا في الدفع بهذه القضية؛ لتكون في صدارة اهتمام الأنظمة والشعوب حتى تتحرر فلسطين ويتحقق الأمل بإذن الله.



- يقف الإخوان المسلمون دائمًا إلى جانب أمتهم الإسلامية والعربية، داعمين لقضاياها ومساندين لمواقفها العادلة، ولا يترددون في تقديم النصح لكافة الأنظمة والهيئات الإسلامية والعربية على المستوى الرسمي والشعبي، ولا يمتنعون من التضحية في سبيل أمتهم متى اقتضى الواجب ذلك، ويحملون دعوة الوحدة والتقارب والتعاون بين الدول الإسلامية والعربية لمقاومة مشروعات الاستعمار والهيمنة الصهيونية والغربية، والدعوة إلى لم الشمل وتوحيد الصف وحل الخلافات العربية والإسلامية داخل الدول، وفيما بينها عن طريق الحوار لا عن طريق السلاح، وهنا نذكر إخواننا في اليمن والسودان والصومال والعراق ولبنان وأفغانستان وباكستان بأن الطريق لسلامة وأمن شعوبهم لا يكون إلا عن طريق الحوار والتوافق لما فيه مصلحة هذه الشعوب العزيزة.



- وموقفنا من النظام العالمي الذي تقوده أمريكا والغرب واضح جلي، فنحن لسنا في خصومة مع الشعوب الغربية، ولكن خصومتنا مع هذه النظم العالمية التي ارتضت لشعوبها الحرية والديمقراطية، واستكثرت ذلك على شعوبنا، واستغلت قوتها المادية لفرض سيطرتها على بلادنا وعلى قرارنا، وزرعت ورعت الكيان الصهيوني ليكون شوكة في جسد الأمة العربية والإسلامية، وتتعامل مع قضايانا العادلة بمكيالين، وتسعى لإلغاء قيمنا وثقافتنا وهويتنا الإسلامية لحساب قيمها الغربية، وتسعى لتدمير الإيمان والأخلاق في بلادنا، ومن هنا فنحن ندعو الأمة للتوحد في مواجهة المشروع الصهيوني الأمريكي، والتعالي على كل الخلافات المذهبية، والتسامي عن التمسك بالنعرات العصبية، وعدم السماح مطلقًا بضرب أو احتلال أية دولة عربية أو إسلامية، وتفعيل مواثيق منظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية، وتفعيل معاهدات الدفاع المشترك في مواجهة قوى البغي والطغيان العالمي.



- ونحن ندعو هذه النظم العالمية لأن تلتزم بميزان العدل والحق، وبسط قيم الحرية والعدالة في أرجاء الأرض فذلك هو الكفيل بإحلال السلام العالمي وتحقيق التعاون بين شعوب الأرض "كُلُّكُمْ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ" (البزار)، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: من الآية 13) فَلَيْسَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ فَضْلٌ، وَلا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ فَضْلٌ، وَلا لأَسْوَدَ عَلَى أَبْيَضٍ وَلا لأَبْيَضَ عَلَى أَسْوَدَ فَضْلٌ إِلا بِالتَّقْوَى" (الطبراني).







الإخوة الكرام.. والأخوات الفضليات..



إننا ننظر إلى المستقبل بأمل وترقب..



إن الأمل هو شعار المؤمنين الصادقين، وهو زادنا في مسيرتنا الطويلة الممتدة فالعمل مع الأمل.. والحب مع الإخاء هما وسيلتا الإخوان لمواجهة الصعاب، وأن اليأس ليس من صفات المؤمنين، ولأن القعود ليس من شيم المجاهدين.







وأما الترقب فإنه يجمعنا مع كل المصريين والعرب والمسلمين، بل الإنسانية جمعاء من أجل مستقبل أفضل للعالم الذي تهدده النزاعات والأوبئة والأمراض، ويشفق عليه العلماء من الاحتباس الحراري والتصحر والجفاف، وتقوده إلى مصير مجهول ممارسات خاطئة للقوى الكبرى التي أرادت الانفراد بمقود البشرية، بعد أن ظنت أن الأرض قد دانت لها بغياب أقطاب أخرى، فإذا بالنتيجة بحور من الدماء والأشلاء في أنحاء متفرقة من العالم الإسلامي في أفغانستان والعراق والسودان والصومال وفلسطين ولبنان، وأزمات اقتصادية كلما أوشكت إحداها على الانتهاء أخذت بخناقها أخرى؛ ليعيش الناس في قلق بالغ وتوتر شديد على مستقبلهم ومستقبل أولادهم، ويشعرون أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن هناك من يختلق الأزمات.







الإخوة الكرام.. والأخوات الفضليات..



إن مصر والعرب والمسلمين بل والناس أجمعين لينتظرون منكم الكثير والكثير وأنتم- بإذن الله- أهل لتلك المهمة الثقيلة، وقادرون على حمل تلك التبعة الخطيرة، وتاريخكم يشهد لكم بالصبر والاحتمال، والعمل والإنتاج، رغم ما يُثار حولكم من شبهات ورغم ما حدث من هنات وأخطاء.







قدموا للعالم الإسلام الحقيقي.. إسلام الاعتدال والتسامح، إسلام احترام التعددية في العالم أجمع.. إسلام التعارف والتعاون على خير البشرية أجمع.







اسلكوا كل طريق، واستخدموا كل الوسائل والوسائط المشروعة لنشر دعوة الإسلام في العالمين.. جاهدوا الجهاد الحق ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ (الفرقان: من الآية 52) جهاد الدعوة والبيان.. بالقلم واللسان.. وبكل أنواع الفن الهادف ووسائله النظيفة.. بكل طريق لتوضيح حقائق الإسلام ورد الشبهات عنه، وشعاركم في ذلك قول الحق: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: من الآية 125) وقوله تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (العنكبوت: من الآية 46).







ربوا أنفسكم على الفضائل والكمالات.. والخلق القويم، وكونوا شامة بين الناس، تدلونهم على الله عزَّ وجلَّ بالقدوة الحسنة والسلوك المستقيم، وساهموا مع غيركم في إصلاح النفوس وتهذيب الأخلاق.







وتعاونوا مع كل العاملين للإسلام على البر والتقوى، بل تعاونوا مع كل المؤمنين في العالم أجمع من أجل نصرة الحق ورد الباطل وحماية الإيمان ومحاربة الكفر والإلحاد.







أصلحوا أنفسكم وبيوتكم، وسارعوا في الخيرات لإصلاح المجتمعات، وقفوا بجوار المظلومين في كل مكان لرد الحقوق المغتصبة ورد المظالم عن الناس.







أقبلوا على القرآن العظيم والسنة النبوية المشرفة وسيرة النبي الأمين وسير العظماء والمصلحين، تدارسوها واستفيدوا منها وصححوا مسيرتكم باستمرار، واعملوا فإن الله ينظر إلى أعمالكم ولا ينظر إلى صوركم. وترقبوا نصر الله، وما هو ببعيد: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5)﴾ (الروم) ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)﴾ (التوبة) صدق الله العظيم



﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (21)﴾ (يوسف).





تعليقات


لعام للإخوان المسلمين





تعليقات