السبت، ديسمبر 26، 2009

عندما تستقل إرادتنا..


عندما تستقل إرادتنا..
[15:31مكة المكرمة ] [24/12/2009]
رسالة من: محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله، النبي الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد..
صار لزامًا على أمة الإسلام أن تضع يدها على مواطن الداء فيها؛ حتى تبدأ أولى خطواتها على طريق العلاج؛ لتنهض من كبوتها، ولعل إيمانها بحتمية النهوض يكون هو الدافع لتتحمَّل شجاعة مواجهة العلل التي باتت تنخر في جسدها؛ لتحوِّل الجسد الواحد إلى أعضاء متفرقة بلا ملامح، وتعمل عللها في العضو الواحد فتفسُد أنسجتُه وتتنافر خلاياه.. أليس هذا بربكم هو حال أمتنا؟ دول تتصارع.. وأنظمة تتناحر.. وحكومات تأكل الحقوق وتجثم على الصدور والخيرات.. وشعوب تمزقها الصراعات والمؤامرات قبل الغارات والتفجيرات.
ومن يتمعَّن في صورة الواقع يجد روحًا غائبةً عن أمتنا تارةً، أو مغيبةً تارةً أخرى.. إنها روح الإرادة الحرة التي تدفع الشعوب للحياة، وليس المقصود اليوم بالحياة أسبابها من مأكل ومشرب وتناسل، ولكنَّا نقصد هنا الحياة الإنسانية التي ترى الإنسان محور الكون.. ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ(34)﴾ (إبراهيم)؛ فله سخَّر الله كل شيء؛ ليحيا ويدير المفردات من حوله بقرار واختيار حفظه له الله، حتى في علاقته به جلَّ وعلا حين قال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)﴾ (الكافرون).
إن الإرادة التي نريد هي تلك النابعة من إيمان حقيقي بقيمة الإنسان الذي كرَّمه ربُّه وخالقه حين قال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70)﴾ (الإسراء) لتفجِّر في الإنسان طاقات الفعل المتنوع؛ ما بين تواصل إنساني.. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)﴾ (الحجرات)، واقتحام لكل دروب الأرض..﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)﴾ (الملك)، وتحصيل لكل علم.. ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (9)﴾ (الزمر)، ومقاومةٍ لكل ظلم واستبداد وعدوان وتجبُّر ﴿وَلَمَنْ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41)﴾ (الشورى).
سلب الإرادة
ولا شك أن المتربصين بأمتنا سعوا عبر مخططات عديدة لسلب شعبها إرادته عبر شتى الطرق والوسائل الممكنة؛ حتى تستحيل الشعوب مطيةً لكل غاصب يوجه طاقتها في فضاء غير متناهٍ.
ومن ثم فليس بمستغرَب أن يتم تخدير شعوب كانت توحِّدها راية الإسلام، وتحركها صرخة وإسلاماه لتنتفض ملبيةً صرخة مواطنة في دولة الإسلام الواسعة دون أن تفكر هذه الشعوب في حسب أو نسب أو عرق هذه السيدة!.
وكذا ليس مستغربًا عندما يتم أسر إرادة الشعوب المسلمة أن تجدها غير مبالية؛ بينما يد بني صهيون تعبث بقواعد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين، والوقف الذي أوقفه عمر بن الخطاب لكل المسلمين ليجعل من كل فرد في هذه الأمة أمينًا عليه إلى يوم الدين.
وعندما تتغير بوصلة الإرادة تختلف الأولويات ليصبح الفرد قبل المجموع، وساعتها يقل الولاء للوطن، ويتراجع الإحساس بالمسئولية، وتنمو آفات التسلق والنفاق والابتزاز، وتموت بذور التواصل بين الناس؛ لينمو على رفاتها كل الطفيليات المجتمعية، وتتسلَّط على الأمة أسباب التخلُّف بإرادة مزيفة وموجهة، ويعم الفساد بكل ألوانه وأشكاله، بدءًا من فساد الحكم، ووصولاً إلى فساد العلاقات الإنسانية.. ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)﴾ (الروم).
إن شعوبًا مسلوبة الإرادة لا تقدر إلا على الفعل الموجَّه الذي يرى بعين سالب إرادتها لا بعينها، ومن ثم تكون حركته مرهونةً بمنطق غير واعٍ للحقيقة من الضلال، فتهتف خلف الطاغوت.. ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56)﴾ (النمل)، ولكنها رغم حركتها المسلوبة الإرادة فإن التاريخ لا يعفيها من المسئولية عن عدم الانتفاضة لتحرير إرادتها، ويكون مآلها هو ذات مآل الطغاة.. ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45)﴾ (غافر)، ولا يعفيها الله من ذنب الاستضعاف الناتج من الاستخفاف بعقولها وإرادتها؛ لأن محصلة ذلك هو تراجع الإنسانية كلها.. ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54)﴾ (الزخرف).
الاستعمار الجديد
إن استعمارًا جديدًا صار جاثمًا على صدر أمتنا يدرك تمامًا أن تطويقه لها هو الضمانة الوحيدة لاستمراره وبقائه ونموِّه بمقدراتها، وهذا الاستعمار الجديد بات أشدَّ خطرًا من كل ألوان الاستعمار على مدار التاريخ وشواهده؛ لأنه يستهدف إرادتها بأساليب عدة:
- فبإرادتها يشهر الأخ السلاح في وجه أخيه؛ بدعوى مواجهة الإرهاب ليقتل بلا رحمة ولا تفرقة بين مذنب وبريء أو طفل وعجوز.
- وبإرادتها تضغط اليد على زرِّ القنابل المتفجرة لتسجِّل انتصارًا للمعارض على الحكومي في الوطن الواحد الذي قهر المحتل ولم يقهر روح الفرقة.
- وبإرادتها يتمُّ توقيع صفقات النفط والغاز والمقاولات والسياحة مع العدو؛ بينما الأخ يتسوَّل قوته ويبحث في تلال القمامة على ما يستر به عورته!.
- وبإرادتها يتم تجييش الشعوب خلف مباراة كرة قدم أو مسابقات غنائية لننتصر على ذواتنا في معارك وهمية تضيف إلى هزائم واقعنا هزيمةً قاسيةً مُرَّةً.
- وبإرادتها تتحوَّل الخلافات المذهبية إلى حروب طاحنة تجرُّ الأمة إلى ميادين فرعية، صارفةً إيَّاها عن ميدان فيه العدو الحقيقي يرتع ويهتك ويسرق ويدمي القلوب والأوطان والمقدسات.
- وبإرادتها تشاهد الأمة كلها العدو يحاصر غزة المسلوبة مع فلسطين من بدن الأمة، ومع ذلك لا تتحرك الشوارع ولا تنتفض الإرادة، والأدهى من ذلك أن تشارك العدو في الحصار وتمدَّه بالعدة ليشيد أسواره ويحكم حصاره.
لقد استُضعفت أمتنا وتفرَّقت وتناحرت وتقاتلت وحُوصرت، وفُجِّرت واعتقلت وحوكمت وفُرِضت عليها العقوبات، ودفعت لمن لا يستحق التعويضات، واستحقت أن تحمل اسم (عالم ثالث) في عالم ليس فيه ثانٍ، كل هذا يومَ ارتضت أن تتحوَّل إرادتها من الاستقلال إلى التبعية.
التغيير
إن من المطلوب إحداث ثورة في نفوسنا لتستطيع أن تحصل لإرادتها على صكِّ الاستقلال، وساعتها تضمن للإنسان إنسانيته، والإمام الشهيد حسن البنَّا رحمه الله عندما رسم صورةً للشعب الناهض جعل له صفات على رأسها (إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف).
وروح التغيير ليست وحيًا ينزل من السماء، ولا ماردًا يستحضره السحرة والدجالون، وإنما هي بذرة تبذرها يد الشعب المتطلع إلى الحرية في أرض من الوعي بالقيمة الإنسانية السامية، ولا تنمو هذه البذرة إلا عندما يحتضنها رحم الإرادة الذي بمخاضه يولد التغيير.. ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11).
وأنتم أيها الإخوان..
يا روحًا يسري في بدن الأمة ليحييها ويحرر إرادتها..
ويا أملاً يصارع نجمه سحب الاستبداد والقهر والظلم والعدوان..
يا جندًا على ثغور الحياة ترابطون سعيًا للغد القادم..
إن الآمال المعقودة عليكم كثيرة، وإن الواجبات تصارع الأوقات بعدما صار إيقاع الحياة سريع الخطى ثقيل الوطأة، فكونوا على قدر المسؤلية وأعدوا أنفسكم لقدر الأمانة التي لا يحملها إلا من وصفهم رب البرية بقوله: ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾ (الأحزاب). واعلموا أن الإخوان لا يستأثرون بالحق ولا يتعالون به، وإنما هم سائرون في دربه، وجادُّون في البحث عنه، يحملونه إلى الناس بشارةً، ويتحمَّلون إعراضهم عنه، آملين أن تتفتَّح لدعوتهم العقول ومن قبلها القلوب.
فلا يحملنَّكم اختلاف أولويات الناس مع أولوياتكم على اليأس أو القلق أو القنوط؛ فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، ولكن درِّبوا إرادتكم على الصبر فلا تغيير إلا به، وما من ثابت إلا الحق جلَّ في علاه، وتزوَّدوا بمداد الحق؛ أورادًا من كتابه وذكره، والجد في طلب رضاه؛ لتستحيل إرادتكم ربانيةَ التوجُّه، وساعتها يقسم الواحد منكم على قلوب الناس فتتحرك لتتغيَّر وتغيِّر مُستقلةً عن كل تبعية، ومتحررةً من كل قيد.. ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (6)﴾ (الروم).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والله أكبر ولله الحمد.

رسائل سابقة

الشعوب.. بين الوعي الحقيقي والوعي الزائف

الثلاثاء، ديسمبر 15، 2009

إنطلاقة حماس الـ22 (مصور) مئات الآلاف ، وسماء خضراء





الاثنين، ديسمبر 07، 2009

من تراث الإمام البنا : سبيل الظفر.. عبادة ثم قيادة


من تراث الإمام البنا : سبيل الظفر.. عبادة ثم قيادة
هكذا يجب أن يكون الإخوان المسلمون
رأيته شيخًا أشيب قد اجتاز مراحل العمر، وخطا إلى الآخرة، جلست إليه في صفح نهار، في صفاء من الوقت، وغفوة من الزمن، ورقة في الروح، وقد أشرق محياه يلمع بالصلاح والتقوى وصلة القلب بالله، وإن كان مغمورًا في طوايا المجتمع، خامل الذكر بين الناس تحدثتُ إليه فقال:
ما اسم جمعيتكم؟ قلت له: إننا لسنا جمعية، ولكن إخوان في الله فقط نجتمع على عقيدة وفكرة ونحاول أن نحققها في أنفسنا، ثم نقنع بها الناس، وليست فكرتنا إلا أن تفهم الإسلام والعمل به وحمل الناس عليه! قال: جميل. ومن يدرس لكم في داركم؟ قلت له: قد أتحدث إلى الإخوان في كثير من الأحيان، فسكت هنيهة ثم رفع إليَّ بصره وسأل وهل تقوم الليل؟ قلت له: وماذا تنتظر في جواب على سؤالك هذا؟ أنفسنا بيد الله إن شاء بعثها وإن شاء أمسكها! فقال: صدق الله ورسوله وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً.
**يا أخي:إن تربية الأرواح وتزكية النفوس وقيادة القلوب، لا تأتي بهذه الألفاظ تردد، ولا بتلك القواعد تدرس، ولا بالنظريات تلقى، وإن هذه إن أفادت العقل والعلم فإنها بمعزل عن الشعور والروحانية والخلق، وإن الجماعات في حاجة إلى أرواحها وأخلاقها أولاً، وإن هؤلاء الذين يحاولون الصلاح الخلقي عن طريق الكتب وحدها مخدوعون خادعون، فإن كانت هذه طريقتكم فما أعجزها عن الوصول إلى ما تريدون.
**يا أخي:ليس هذا الصلاح النفساني الذي تنشدون إلا طريقًا واحدةً؛ طريق القدوة الحسنة الموصولة بالله المستمدة من فيضه وفضله وليس لهذه القدوة إلا مكابدة الليل، ومصاحبة القيام، والمناجاة في الغسق، وأنت تقرأ القرآن وتسمع قول الله تبارك وتعالى:﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمْ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً (2) نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلاً (6)﴾ (المزمل).
**يا أخي:فاقد الشيء لا يعطيه، والقلب المنقطع الصلة بالله كيف يسير بالخلق إليه، والتاجر الذي لا يملك رأس المال من أين يربح، والمعلم الذي لا يعرف منهاجه كيف يدرسه لسواه، والعاجز عن قيادة نفسه كيف يقود غيره، ما أشد حاجتكم إلى هذا الصنف من الجهاد؟ إن استطعت أن يكون هذا هو كل ما تحمل عليه من عاهدوك على العمل فهو نجاح ما بعده نجاح، ولقد كان أصحاب محمد رهبانًا بالليل فرسانًا بالنهار أفترى إحداهما انفكت عن الأخرى؟
**يا أخي: اجتهد ما استطعت أن تغترف من ذخائر الليل ما توزعه على إخوانك بالنهار، ثم استأذن وقام يتوكأ على عصاه وانساب في هذا المزدحم من الناس، وما زلت أشيعه بقلب واعٍ حتى غاب.
***أيها الإخوان:
لعلكم تستغربون أن أنقل إليكم هذا الحديث في صحيفتكم وهو يكاد يكون خالصًا، وأنتم تنتظرون مني أن أتحدث إليكم في هذه الشئون التي يموج بها العالم وتواجهها الأمة الإسلامية جميعًا، وتودون أن أبين لكم موقفكم منها وعملكم فيها وما إلى ذلك مما يهم الجماعات ويأخذ بتفكير الهيئات، فاسمعوا:
إنكم تبتغون غاية جليلة عظيمة، وعليكم أن تدركوا تمامًا أنكم في صف، مع غايتكم وهذه الدنيا كلها في صف أنكم تريدون إسلامًا مهيمنًا، وروحانية صافية سابغة، وخلقًا فياضًا بالخير، وقلوبًا خفاقة بالرحمة، وسلامًا يظل بجناحيه الدنيا جميعًا، والناس يريدون مادة مهيمنة، ومتعة سابغة وفيرة، وخصومة دائمة يذهب ضحيتها الضعفاء ليستمتع الأقوياء، ولتظل القوة تأخذ بخناق الضعف وهما باقيان أبدًا، فلا تعرف الإنسانية معنى للعدالة ولا تتذوق طعمًا للرحمة، ذلك ما يريد الناس وتريدون، فأنتم في ناحية والعالم في ناحية، وإن الناس يستترون بالكذب، ويتعاملون بالخداع والملق، ويفرون من مواجهة الحقائق، وأنتم لا تريدون هذا لأنكم تراقبون في نفوسكم وعملكم العليم الخبير، فالتباين بينكم وبين الناس- إن صدقتم- تام من كل وجوهه.
وأنتم قليل مستضعفون في الأرض، فقراء من المال، عزّل من القوة، فليس لكم من سلاح إلا الصلة بالله والاستمداد منه والإيمان العميق به، فإذا سلمت لكم هذه الناحية فقد سلم لكم كل شيء: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ (آل عمران: من الآية 160)، فاجتهدوا أن تكونوا كذلك ولا تقولوا كيف؟ فالطريقة واضحة، كونوا عبادًا قبل أن تكونوا قوادًا، فستصل بكم العبادة إلى أفضل قيادة، واحذروا أن تعكسوا القضية كما يفعل الناس، يطلبون القيادة قبل أن تسلم لهم ناحية العبادة فيخضعون أو يصلون فيضطربون، وأشربوا نفوسكم الحديث القدسي: مَن آذى لي وليًا فقد آذنته بالحرب.. وما تقرب إلي عبدي بمثل ما افترضت عليه، ولا يزال العبد يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشى بها وإن سألني لأعطينه وإن استعاذني لأعيذنه" (أخرجه البخاري). ففي قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور: من الآية 55).
ـمن تراث الإمام البنا نقلاً عن جريدة الإخوان المسلمين، 25 ربيع الأول 1356ﻫ- 4 يونيو 1937م
**********************************************************************************
من تراث الإمام البنا .. " معية "
" ألم تر أن الله يعلم ما فى السماوات وما فى الآرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شئ عليم " ( المجادلة : 7 ) .
هل أحد أقرب إليك من الله العليم الخبير ؟
الجواب فى كتاب الله تبارك وتعالى : " ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد " ( ق : 16 ) .
ولقد سأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم : أقريب ربنا ففناجيه ، أم بعيد فنناديه ، فأنزل الله الآية الكريمة : " وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لى وليؤمنوا بى لعلهم يرشدون " ( البقرة : 186
وسمع النبى صلى الله عليه وسلم ذات يوم أصحابه يدعون الله بصوت مرتفع ، فقال : " اربعوا على أنفسكم ، إنكم لا تدعون أصم ولكن تدعون سميعاً بصيراً " صحيح البخارى .
وفى الحديث القدسى يقول الله عز وجل : " أنا عند ظن عبدى بى ، وأنا معه إذا ذكرنى ، فإن ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى ، وإن ذكرنى فى ملأ ذكرته فى ملأ خير منهم ، وإن تقرب إلى شبراً تقربت إليه ذراعاً ، وإن تقرب إلى ذراعاً تقربت إليه باعاً ، وإن أتانى يمشى أتيته هرولة " صحيح البخارى .
وهل أحد أبر بك من الله العلى الكبير ؟ .
الجواب فى رد إبراهيم عليه السلام المفحم لقومه : " أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لى إلا رب العالمين * الذى خلقنى فهو يهدين * والذى هو يطعمنى ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذى يميتنى ثم يحيين * والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتى يوم الدين " ( الشعراء : 75 : 82 ) .
فوجودك وعدمك وطعامك وسقيك ، وشقاؤك ومرضك ، وحياتك وموتك ، والسعادة الدائمة ، والمستقبل الكريم .. كل ذلك بيد الله وحده ، يتفضل به على من يشاء من عباده ، وإنما يتراحم الناس فيما بينهم بما أفاض الله عليهم من آثار رحمته ، والله أرحم بعبده المؤمن من الوالدة بولدها .
وأنت بعد ذلك .. إذ1 خدعتك الأباطيل ، وغرتك الأمانى ، وغلبك الشهوات ، واجتالتك الشياطين تستطيع أن تقف ببابه ، وتتذلل لجنابه ، وتستمطر شآبيب مغفرته ، وتشيم بروق علوه ، وتفتح أذنيك لقوله : " يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم " ( الزمر : 53 ) .
فإذا أقبلت عليه ، وأتيت إليه ، غفر لك وعفا عنك ، وكتب لك من المثوبة والأجر ما يقر به عينك فى الدنيا ، وتسعد به سعادة لا شقاء بعدها فى العتبى " والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الهل فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون * أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين " ( آل عمران : 135 – 136 ) .
وثبت هذه الرقابة الدائمة ، والرعاية التامة ، والمغفرة الشاملة بقصره على ليلة دون ليلة ولا على وقت دون وقت ، بل هى أزلية أبدية ، ينالها كل من عرف طريقها ، وسلك سبيلها وحياه مولاه بها ، وإن الحق ليتجلى على عباده فى كل ليلة فينادى مناديه : هل من تائب فأتوب عليه ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ هل من مسترزق فأرزقه ؟ هل من طالب حاجة فأقضى حاجته ؟ هل من كذا .. هل من كذا ؟ حتى يطلع الفجر .
فيا أيها الذين تؤثرون ليالى معينة بالدعاء وتخصونها بالنداء وتقبلوان فيها على المساجد خشعاً ، وتقضون هذه الليالى سجداً وركعاً ، وتسألون ربكم فيها طول العمر وسعة الرزق ومفاتيح السعادة والوقاية من الحرمان ، ثم تنصرفون بعد ذلك وكأن لم يكن شئ تعود القلوب إلى قسوتها ، والضمائر والمشاعر إلى غفوتها ، وتنطلق الأهواء والشهوات من عقالها ، وتنسى النفوس وتغفل عن يوم حسابها ومآلها .. اعلموا أنكم لم تصنعوا شيئاً !!
إن طول العمر لا يقاس بعدد السنين ، وكثرة الأعوام ، وكر الليالى ، وترادف الأيام ، ولكن يقاس بالعمل والإنتاج ، فكم من معمر موته كحياته ، وحياته كموته ، وكم من فتى تفضل سنونه القصيرة عدداً كبيراً من الأعمار الطوال ، ولست أدرى : لماذا يسأل المسلمون ربهم أن يطيل أعمارهم فى هذه الذلة الذليلة ، والأوضاع الفاسدة الوبيلة ، التى لا خير فيها ، ولا طعم للحياة الكريمة معها ، والتى جعلت بطن الأرض خيراً للكرام المؤمنين من ظهروها ؟
ورحم الله القائل :
إن دام هذا ، ولم يحدث له غير لم يبك ميت ، ولم يفرح بمولود
على أن العبرة .. كل العبرة بالعمل وحده ، فاعملوا أيها المسلمون يبارك لكم ربكم فى أعماركم ، وينسئ لكم فى آجالكم بالبركة فيها لا بكثرة أيامها ، وطول أعوامها ، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالعمل ، وحده " وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعلمون " ( التوبة : 94 )
وإن مسألة الرزق لا تأتى بمجرد بسط اليد بالدعاء ، وقد أمرنا الله بالسعى الدائب ، والكد الواجب " فامشوا فى مناكبها وكلوا من رزقه " ( الملك : 16 ) ، " فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون " ( الجمعة : 10 ) .
وإن من وصية عمر رضى الله عنه للمؤمنين : " لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق وهو يقول : اللهم ارزقنى ، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة " .
فجدوا أيها المسلمون ، تعلموا واعملوا ، ونافسوا غيركم واجتهدوا ألا يغلبنكم الناس على خيرات أرضكم وثمرات بلادكم ومنابع الثروة والرزق فى أوطانكم ، والله بعد ذلك معكم " ولن يتركم أعمالكم " ( محمد : 35 ) .
وإن السعادة لن تكون منحة يمنحها الله لغير من يستحقونها ، ويؤدون حقها ويعرفون ثمنها ، وما ثمنها إلا العلم النافع والإيمان الصادق والجهاد الدائب والعمل النافع ، والتعرف إلى الله فى الصباح والمساء والشدة والرخاء ..
إن الطريق أمامكم واضحة ، سلوا الله ذلك فى كل ليلة وفى كل وقت ، لا فى ليالى مخصصة بعينها ...
واشفعوا هذا السؤال بالإيمان الصادق ، والجهاد الدائب والعمل النافع والعلم الصحيح ، وكونوا واثقين بعد ذلك من الإجابة والوصول إلى كل ما تريدون " والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون " ( يوسف : 21 ).
************************************************************************************
من تراث الإمام البنا .. '' أيها الإنسان ما أنت ؟ '' *
" يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم * الذى خلقك فسواك فعدلك * فى أى صورة ما شاء ركبك " ( الانفطار 6 – 8 ) .
أيها الإنسان ما أنت ؟
أما نحن المؤمنون المصدقون فنقول : أنت لطيفة ربانية ونفحة قدسية وروح من أمر الله ، خلقك بيديه ، ونفخ فيك من روحه ، وفضلك على كثير من خلقه ، وأسجد لك ملائكته ، وعلمك الأسماء كلها ، وعرض عليك الأمانة فحملتها ، وأسبغ عليك نعمه ظاهرة وباطنة ، وسخر لك ما فى السماوات وما فى الأرض جميعاً منه ، وكرمك أعظم تكريم ، فخلقك فى أحسن تقويم ، وأعدك أكمل إعداد ، ووهب لك السمع والبصر والفؤاد ، وأوضح لك الطريقين ، وهداك النجدين ، ويسر لك السبيل ، فأنت بإذنه وصنعته تغوص فى الماء ، وتطير فى الهواء ، وتسابق الكهرباء ، وتحطم الذرات ، وتتجاوز بتفكيرك وتقديرك أقطار السماوات ..
فهل رأيت أجل وأعظم وأطهر وأكرم ؟
دواؤك فيك وما تبصر وداؤك منك وما تشعر
أتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر ؟ (1)
وأنت بعد هذه الحياة القصيرة خالد لا تبيد ، تحيا وتنشر ، وتبعث وتحشر ، وتستأنف حياة الكرامة فى دار النعيم والمقامة ، إن كنت أدركت سر مهمتك فى الوجود فأخلصت العمل للملك المعبود " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون * إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين " ( الذاريات : 56 – 57 ) .
وما الموت الذى تخشاه إلا نقلة من هذه الحياة إلى تلك الحياة " وإن الدار الآخرة لهى الحيوان لو كانوا يعلمون " ( العنكبوت : 64 ) ، وما هذا الجسم إلا قفص أنت فيه من المسجونين ، وثوب تخلعه إلى حين ، ثم يعود إليك يوم الدين ، ورحم الله العارف إذ يقول :
أنا عصفور وهذا قفص طرت عنه وبقى مرتهنا
أنا فى الصور وهذا جسدى كان ثوبى وقميصى زمنا
وأنا الآن أناجى ملأ وأرى الله جهاراً علنا
لا تظنوا الموت موتاً إنه ليس إلا نقلة من هاهنا (2)
ويقول الماديون الجدليون : أنت أيها الإنسان حفنة من تراب ، ونطفة من أصلاب ، قذفت بك الأرحام وأفنتك الأيام ، وابتلعتك الرجام ، ثم لا شئ بعد ذلك ، من يحيى العظام وهو رميم ؟
كذلك قال قدماؤهم " ما هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر " ( الجاثية : 24 ) ، وهكذا قال محدثوهم : أثر أنت من تفاعل العناصر المادية والتطورات الفسيولوجية ، فالشعور والوجدان والفكر والإدراك والعزم والإرادة كل أولئك من آثار المادة الصماء ، ونتائج اختلاط التراب بالماء ، وما الحياة إلا هذه الأيام المعدودات ، تقضى فيها اللبنات ، وتنتهز الفرص للذات .
إنما الدنيا طعام وشراب ومنام
فإذا فاتك هذا فعلى الدنيا سلام
تلك يا أخى قضية الحياة ، إن أمعنت فيها النظر ، وأجلت فيها الفكر ، ولم تكن من الغاوين المستهترين بوجودهم ، المحتقرين لإنسانيتهم .. استطعت أن تحدد فى الوجود غايتك ، وأن تتبين وسيلتك .
وكل الذى أنصح لك به أن تخلو إلى نفسك ساعة من ليل أو نهار ، لترى أفضل الرأيين ، وأثر الخطتين فى حياة الفرد والجماعة ، حتى إذا اقتنعت بالرأى الأول وهو الفطرة أقبلت على نفسك ، فاستكملت فضائلها ، وسموت بها عن سفاسف الأمور وصغار الغايات ، ووصلتها بربها العلى الأعلى ، وطهرتها بذكره وطاعته ومراقبته وخشيته ، ومن عرف نفسه فقد عرف ربه ..
قد رشحوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
ولا تستغرب أن يختار بعض الناس الرأى الثانى ، فهى الفتنة أو الهداية " واتل عليهم نبأ الذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون " ( الأعراف : 175 – 176 ) .
ألهمنا الله وإياك الرشد وهدانا سواء السبيل .. آمين
======================
* جريدة الإخوان المسلمين اليومية – السنة الأولى – العدد 18 – ص1 – 23 جمادى الآخرة 1365 هـ / 24 مايو 1946 م .
(1) البيتان لسيدنا على بن أبى طالب رضى الله عنه .
(2) الأبيات لأبى حامد الغزالى