الأحد، يونيو 07، 2009

الموقف الأمريكى

الموقف الأمريكي الجديد من الصراع العربي الصهيوني

[19:48مكة المكرمة ] [07/06/2009]


د. عبد الله الأشعل

بقلم: السفير د. عبد الله الأشعل


يجب أن نقرأ خطاب أوباما مع تصريحاته، مع إيضاحات أركان إدارته؛ حتى نفهم أن واشنطن تقدم موقفًا جديدًا، وتتضح جِدَّتُه في ضوء أربعة عوامل أخرى، أولها: الموقف "الإسرائيلي" من الخطاب، وثانيها: موقف الإدارة السابقة، التي دللت إسرائيل فلم تعد قادرة على استيعاب تغير الأشخاص والسياسات في البيت الأبيض، وثالثها: موقف الحكومة "الإسرائيلية" من الصراع في مجمله، وأخيرًا موقف الحكومة "الإسرائيلية" من إيران؛ حيث أصر أوباما على موقف التفاوض والحل السياسي لتحقيق الهدف الذى تريده إسرائيل، وهو حرمان إيران من السلاح النووي، مقابل رغبة "إسرائيل" في اقتلاع إيران من المشهد الإقليمي عسكريًّا وسياسيًّا؛ مما بدت معه المسافة كبيرة بين الموقفين الأمريكي و"الإسرائيلي"؛ مما دفع بعدُ المعلقين إلى ملاحظة أن موقف أوباما ربما يقصد إلى تخدير العالم الإسلامي، والتمهيد لقبوله مهاجمة "إسرائيل" لإيران.



لقد انطلق المعلقون على الخطاب- كلٌّ حسب خلفيته- بآراء جاهزة، ونسوا تمامًا أن أوباما هو رئيس الولايات المتحدة، وأن حديثه المفعم بالالتزام تجاه إسرائيل من اللوازم العقائدية، وأن حفظه لأسطورة الهولوكوست جزء أساسي في أدائه، ورغم كل ماقاله عن معاناة اليهود وحقهم "القومي" في وطن، فإن أحبار اليهود قد انتقدوا أنه وضع معاناة اليهود في نفس السطر الذي كتب فيه عن معاناة الفلسطينيين، لأن معاناة اليهود- عندهم- لاتُقاس بأية معاناة أخرى، وأنا على يقين بأن أوباما بذكائه وأستاذيته لو مُنح الحرية للفكر والقول لتحدث عن محرقة الفلسطينيين في غزة ومذابحهم منذ ستين عامًا؛ ولكنه- لأسباب كثيرة- اكتفى بالحديث عن معاناتهم حتى اليوم بما فى ذلك الحصار والمعابر والتهام أراضيهم بالجدار والاستيطان.



فإذا عدنا إلى قواعد تقييم الموقف الجديد لواشنطن في ضوء إلغاء نتانياهو لأي سقف سياسي أو نقطة التقاء بين العرب و"إسرائيل"، وإصراره على المشروع الصهيوني بحذافيره، اتضح لنا أن أوباما يركز على حل الدولتين في وقت تنكره إسرائيل؛ بل إن شارون هو صاحب هذه الفكرة التي تلقفها عنه بوش واعتبرها رؤيته وكرسها في قرار لمجلس الأمن، وكان بذلك يريد أن يخدر الجميع، وأن يدفع فكرة الدولة الواحدة، وأن يكرس الحل القائم على الفصل بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين"، ثم التفرغ لإبادة الفلسطينيين في أماكنهم ودفنهم في بيوتهم، وهذا هو لب قرار الانسحاب من غزة؛ حتى يجنب المستوطنين انتقام سكان غزة منهم.



يختلف حل الدولة الفلسطينية اليوم عنه عند كلينتون في أن الكينسيت قد استبق الزيارة؛ لكي يصدر تشريعًا يقرر فيه أن الدولة الفلسطينية لن تكون فى فلسطين، وأنها ستكون في الأردن، فهل تلك لعبة "إسرائيليية" انتقدها بيريز بمكره أم أنها توريط لأوباما، ووضعه فى حال الحرج؟ أم أن ذلك كان سباقا بينه وبين "إسرائيل"؟ مع ملاحظة أن الحكومة الإسرائيلية رفضت الموافقة على قانون الولاء للدولة؛ بينما لم تعلق على قانون الدولة البديلة، وفي كل الأحوال فتوزيع الأدوار في إسرائيل معروف دفعًا صوب المشروع الصهيوني؛ بحيث يتخلف هنا، ويتقدم هناك وفقًا للظروف والمعطيات.



ثم كان إصرار أوباما على وقف الاستيطان، وهو موقف أمريكي تقليدي؛ ولكن مراجعة الموقف الأمريكي منذ عام 1967م تظهر تراجعًا خطيراً في هذا الموقف، من معارضة الاستيطان؛ لأنها تخالف القانون الدولي، إلى رجاء بوقف الاستيطان غير الشرعي، أي غير الذي ترخص به الحكومة؛ لأنه عقبة في طريق السلام، ثم وصل الموقف إلى أن الاستيطان لا يساعد على توفير المناخ المناسب للسلام، وفي نفس الوقت تعلن الإدارة الأمريكية استمرار معوناتها للاستيطان وللجدار العازل ولممارسات "إسرائيل" في نزع أراضي السكان، وقتل السكان والوعد الزائف بدولة فلسطينية؛ أما أوباما فقد ربط ربطًا مباشرًا بين استمرار الاستيطان، واستحالة قيام الدولة، وعندما ربط بين وقف الاستيطان، ووقف العنف (لا الإرهاب) فإنه يدرك أن هذا العنف هو المقاومة لهذا الاستيطان في ظل الاحتلال الذي يمارس كل صنوف الإبادة، وقد ذكر أوباما الاحتلال أيضًا، وذلك ردًّا على إنكار إسرائيل أنه احتلال، ثم إن أوباما وضع سلة من الأفكار الجوهرية التي تُصادِم مباشرة أركان المشروع الصهيوني، ولخص التزامه بحل يراعي عدم التفريط في "إسرائيل" مقابل عدم إدارة ظهره للحقوق "المشروعة" للشعب الفلسطيني.



أعرف أن أوباما يسير بعيدًا عن خطى سلفه بتفويض عارم من الشعب الأمريكي، وأنه يملك المصداقية الشخصية، والميل الفطري نحو الخير، وأن ذلك كله هو الذى مكنه من اختراق حصار الأفكار في قضية الصراع الذي فرضته "إسرائيل"، فلم يستخدم مصطلحات "الشرق الأوسط" بكل تفريعاتها، ولم يستخدم "الإرهاب" وإن استخدم مصطلح الإرهابيين، ودعا إلى تحالف جديد بين أنصار السلام وأنصار الكراهية بالكثير من الإنصاف، وهي ثنائية تختلف تمامًا عن الإطار الحديدي الذي ساقه بوش في تقسيم العالم إلى معسكرين للأشرار وللأخيار، فالشرير هو من يقف ضد الولايات المتحدة مهما كان مبرره، والخير هو كل من ينحني للإملاءات الأمريكية، ومن ذلك ظهر مصطلح الاعتدال والتطرف في المنطقة.



لقد قال أوباما ما استطاع بحكم وضعه، ونحن نرى أنه يجب التعاون معه لكي يحقق ما لم يقله، ولكني أخشى أن اتساع الهوة بين الموقف الأمريكي الجديد والموقف "الإسرائيلي" سوف يؤدي إلى صدام لا تُحمَد عواقبه، ويكفي أنها المرة الأولى منذ عقودٍ ينحاز رئيس أمريكي لمصالح بلاده ضد مصالح "إسرائيل"، وهذا واضح مما أكده أوباما لمصلحة بلاده و"إسرائيل" والعالم في إقامة الدولة الفلسطينية أي في وقف المشروع الصهيوني في فلسطين.



وأخيرًا، أعتقد أن "إسرائيل" بدأت تدرك أن أوباما يشكل خطرًا على مشروعها مع إيران وفي فلسطين، فإما أن توقف مشروعها أو أن تزيح أوباما من المسرح السياسي أو من الحياة كلها، وربما يكون ذلك هو مغزى ما نشرته الصحف "الإسرائيلية" حول جرائم الموساد.






ويستمر مسلسل الإجرام

أوباما.. الأمريكي الساحر وحديث الإفك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق